محمود علي بك
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_تظلّ تونس مفتاح واحدةً من أكثر الأصوات التي منحت الأغنية الليبية دفأها الإنساني وعمقها الوجداني. لم تكن مجرد مطربة مرّت في الذاكرة، بل حالة فنية متكاملة؛ قصيدة تُغنّى، وشجنٌ قديم تشكّل من طين الأرض وحنين الناس.
حين تشدو، فهي لا تؤدي الكلمات بقدر ما تستحضر روحًا كاملة، روحًا ترتدي ثوب الطرب الليبي في أنقى تجلياته. صوتها لم يعتمد يومًا على الاستعراض، بل على ذلك الصدق العاطفي النادر الذي يصل إلى القلب دون استئذان.
في حنجرتها بُحّة دافئة تشبه نسيم الليل على أطراف الصحراء؛ فيها شيءٌ من ملوحة البحر، وشيءٌ من صبر النخيل، لذلك ظلّ صوتها محتفظًا بهيبته رغم مرور السنوات. كانت تمتلك قدرة استثنائية على تطويع “الموال”، فتجعله أقرب إلى همسٍ داخلي يوقظ الحنين، وتتنقل بين المقامات بسلاسة تُشبه انسياب الحرير.
وحين تغني أعمالًا مثل “ما تغيب عني” أو “خطاي”، فهي لا تؤدي لحنًا فحسب، بل ترسم ملامح وطنٍ كامل، وتعيد تشكيل ذاكرة جيل بأكمله. لذلك بقي صوتها ملاذًا وجدانيًا لكل من أنهكه ضجيج الزمن، لأنه صوت منسوج من الصدق، ومطعّم بإحساسٍ لا يشيخ.
لقد اختزلت تونس مفتاح في صوتها ملامح الجيل الذهبي للأغنية الليبية، فجمعت بين رصانة الكلاسيكية وعفوية الفن الشعبي الأصيل، لتصبح أكثر من مجرد فنانة؛ بل هوية موسيقية كاملة تشبه الليبيين في صبرهم وحنينهم وقدرتهم العجيبة على تحويل الألم إلى جمال.
لهذا ستظل تونس مفتاح أيقونةً راسخة في الذاكرة الجماعية، وصوتًا كلما مرّ الزمن ازداد دفئًا وصدقًا وخلودًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
