نجلاء السيد (( الاسكندرية – مصر المحروسة ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_بين حجري الرحاية
هناك لحظات في حياة الإنسان لا يشعر فيها أنه يعيش…
بل يشعر أنه يُسحق ببطء.
ليس بسبب ضربة واحدة قاسية،
ولا بسبب سقوط مفاجئ،
بل بسبب ذلك الضغط المستمر الذي يمر فوق القلب كل يوم،
حتى تتحول الروح إلى شيء مرهق لا يعرف كيف ينجو.
فالإنسان أحيانًا لا يقف أمام خيارٍ بين الخير والشر،
ولا بين الصواب والخطأ،
بل يجد نفسه عالقًا بين ألمَين…
بين خسارتين،
بين جرحين،
بين موتٍ بطيء… وآخر أشد بطئًا.
وهنا تبدأ الرحاية…
رحاية الحياة التي لا تسأل عن ضعف قلوبنا،
ولا عن أرواحنا الواهنة،
ولا عن حجم المعارك التي نخوضها بصمت.
يطحننا ذلك الاختيار المميت…
الاختيار الذي لا يمنحنا فرصة النجاة الكاملة،
بل يجبرنا فقط على اختيار ما هو أقل ألمًا.
فنحن لا نختار ما يُصلحنا،
ولا ما يُحيينا،
بل نختار أحيانًا الطريقة الأقل قسوة للانكسار.
وكأن الإنسان في بعض مراحل حياته
يفقد حقه في الحياة كما يريد،
ولا يبقى له سوى حق تحديد شكل الجرح الذي سيتحمّله.
نظل عالقين بين الواقع والطموح،
بين الواجب والرغبة،
بين الخوف من الخسارة… والخوف من الاستمرار.
نبتسم أمام الناس،
نمارس حياتنا بشكل طبيعي،
بينما تدور الرحاية داخلنا بلا توقف.
وهذا ما يجعل بعض المعارك النفسية أشد قسوة من الجراح الظاهرة،
لأنها لا تُرى… لكنها تستنزف الإنسان من الداخل يومًا بعد يوم.
- وقد أشار الطبيب النفسي النمساوي
👉 (Viktor Frankl)
إلى هذه الفكرة بعد نجاته من معسكرات الاعتقال النازية، حين لاحظ أن الإنسان قد يتحمل أقسى الظروف إذا وجد معنى يعيش من أجله.
وفي كتابه الشهير
(Man’s Search for Meaning)
(البحث عن المعنى)
استشهد بالمقولة المنسوبة للفيلسوف الألماني
👉 (Friedrich Nietzsche):
“من يملك سببًا يعيش من أجله… يستطيع تحمّل أي معاناة.”
فالمعنى لا يزيل الألم،
لكنه يمنع الإنسان من السقوط الكامل تحته.
فأخطر ما تفعله الظروف بالإنسان ليس أنها تؤلمه،
بل أنها تقنعه مع الوقت أن لا فائدة من المقاومة.
وهنا يظهر ما تحدث عنه *عالم النفس الأمريكي
👉 (Martin Seligman)
في نظريته حول “العجز المتعلَّم”
(Learned Helplessness)
حين يعتاد الإنسان الفشل أو الألم لفترة طويلة،
فيبدأ عقله تدريجيًا في تصديق أنه عاجز عن التغيير،
حتى لو أصبحت النجاة ممكنة بالفعل.
ومع الوقت،
لا يعود الإنسان يبحث عن السعادة،
بل يبحث فقط عن أقل قدر ممكن من الألم.
لكن علم النفس الحديث لا يرى أن الإنسان محكوم بالسقوط إلى الأبد. - فقد أوضحت أبحاث عالمة النفس الأمريكية
👉 (Carol Dweck)
في كتابها
( Mindset: The New Psychology of Success )
أن طريقة تفكير الإنسان تجاه نفسه وقدرته على التغيّر تؤثر بشكل مباشر على قدرته في النهوض.
فالعقلية الثابتة تجعل الإنسان يرى ألمه كقدر نهائي،
أما “عقلية النمو” فترى أن الإنسان قادر على إعادة بناء نفسه حتى بعد الانكسار. - كما ترى الباحثة الأمريكية
👉 (Brené Brown)
أن الاعتراف بالضعف ليس انهيارًا كما يظن البعض،
بل بداية حقيقية للتعافي.
فالإنسان لا يشفى حين يتظاهر بالقوة،
بل حين يواجه جراحه بصدق دون أن يسمح لها بابتلاع هويته.
وفي كتابها
( Daring Greatly )
توضح أن الهشاشة النفسية ليست عيبًا،
بل جزءًا من الطبيعة الإنسانية.
وربما كانت أعظم أكذوبة صدقها الإنسان طويلًا…
أنه مجبر دائمًا على الاختيار بين ألمَين.
وأن الحياة لا تمنحه إلا الخسائر،
وأن نجاته الوحيدة تكمن في اختيار الجرح الأقل قسوة.
لكن الحقيقة التي لم تدركها الرحاية يومًا…
أن الإنسان لم يُخلق ليُطحن إلى الأبد.
فالروح التي تعبت،
والقلب الذي أُنهك،
والإنسان الذي سقط مرارًا…
قد ينهض في لحظة وعي واحدة،
ويرفض اللعبة كلها.
يرفض أن يعيش أسير خوفٍ صنعته الظروف،
أو عبدًا لاختيارات مميتة أقنعته الحياة أنها قدره الوحيد.
فبعض الانتصارات لا تكون في حسن الاختيار…
بل في تحطيم الرحاية نفسها.
في الخروج من الدائرة التي استنزفت أرواحنا طويلًا،
في التوقف عن النجاة المؤقتة،
والبدء أخيرًا في البحث عمّا يستحق الحياة.
وعندها فقط،
يدرك الإنسان حقيقة لم يتعلمها مبكرًا:
أن أخطر السجون
ليست تلك التي تُغلق بالأبواب…
بل تلك التي تُبنى داخل عقولنا
حين نؤمن أنه لا يوجد طريق آخر.”. **
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
