الثلاثاء. مايو 12th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 46 Second

صفوح صادق – شاعر فلسطيني
شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في قرية المجيدل، قضاء الناصرة، كانت فاطمة تعيش حياة هادئة قبل أن يبتلعها الزمن الأسود. كانت القرية تتربع على المنحدرات الجنوبية لوادي المجيدل، محاطة ببساتين الزيتون القديمة واللوز والتين، وتطل على مرج ابن عامر الشاسع. كان عدد سكانها يقارب الألفين، وكانت الحياة فيها بسيطة ومليئة بالعناء والأمل.
في أوائل عام 1948، تزوجت فاطمة من نمر ، شاب مثقف من أهل القرية يعمل موظفاً في مكتب البريد في مدينة الناصرة. كان نمر يرتدي قميصاً أبيض نظيفاً كل يوم، يركب الحافلة أو يمشي مسافة إلى الناصرة، حيث يتعامل مع الرسائل والطرود والبرقيات. كان يُعرف بلباقته ومعرفته باللغة الإنجليزية، مما جعله مميزاً بين أبناء القرية.
أما أخوه صادق (أبو محمد) وأخته فاطمة فقد كانا يعملان في حقل والدهما. يفلحان الأرض، يسقيان أشجار الزيتون، ويحصدان القمح والشعير في مواسمه. كان صادق رجلاً قوي البنية، صامتاً، يحب الأرض حباً عميقاً، بينما كانت أخته تساعد في البيت والحقل مع النساء.
بعد زواجهما بشهور قليلة، حملت فاطمة بطفلها الأول. كان الزوجان يحلمان بحياة هادئة: نمر يستمر في عمله بالبريد، وفاطمة ترعى البيت وتحكي الحكايات لأطفال الحارة كل مساء أمام باب الدار. كانت تجمع الأطفال وتروي لهم قصص الجن والعفاريت، وتنهي دائماً بحكاية «التلة التي لا تموت»، تلة المجيدل التي تحرس الزيتون والذكريات.
لكن الحلم لم يدم طويلاً.
في 15 تموز 1948، جاء الغيم الأسود. اقتحم لواء غولاني القرية بدعم من القصف الجوي أثناء عملية ديكل، في محاولة لتطويق الناصرة. انفجرت القنابل، واحترقت البيوت الحجرية، وارتفعت صرخات النساء والأطفال. نمر كان في الناصرة ذلك اليوم، لكنه عاد مسرعاً عند سماع الأخبار. وجد القرية في حالة فوضى.
صاح في فاطمة، التي كانت في شهرها السابع: «اخرجي الآن! خذي ما تستطيعين واركضي نحو الناصرة مع النساء. لا تنتظري!».
أمسك نمر ببندقية قديمة مع أخيه صادق وآخرين من الرجال ليؤخرا الهجوم قليلاً ويحميا الهاربين. فاطمة أخذت حقيبة صغيرة، وضعت فيها ثوب زفافها، قطعة قماش مطرزة بيد أمها، ومفتاح بيتهما الحديدي الثقيل. ركضت حافية القدمين، حاملة بطنها الكبيرة، مع مئات اللاجئين الذين توجه معظمهم أولاً إلى الناصرة.
سمعت فاطمة أصوات الرصاص والانفجارات خلفها، ولم تعرف مصير زوجها وأخيه وأخته في تلك اللحظات المرعبة.
وصلت إلى الناصرة في حالة يأس، وهناك في ظروف قاسية وسط المهجرين. بعد أيام من الفوضى، عاد نمر إليها مصاباً بجرح طفيف، لكنه نجا. أما أخوه صادق فقد بقي فترة يقاوم الإحتلال و يحاول الدفاع عن القرية، وأخته نجت لكنها أصيبت بصدمة عميقة. اقتلعت العائلة من جذورها.
بدأت رحلة اللجوء الطويلة. من الناصرة إلى مخيمات لبنان المؤقتة قرب صيدا وإلى بيروت، ثم استمرت الرحلة شمالاً إلى سوريا. استقروا أخيراً في مخيم اليرموك بدمشق، في غرفة ضيقة من الصفيح والطوب، حيث ولد الإبن الأول نبيل.
هناك، في سوريا، استأنف نمر الصادق عمله كموظف، هذه المرة في أحد البنوك الصغيرة، مستفيداً من خبرته السابقة في البريد والإنجليزية. كان يعيل أسرته وأسرة أخيه (أبو محمد). أنجبت فاطمة لنمر تسعة أولاد و وأربع بنات.
رغم ضيق العيش، حافظت فاطمة على شرارة الحلم. كل ليلة، بعد أن ينام الأطفال، كانت تخرج إلى السطح مع نمر، تنظر نحو الغرب، وتهمس: «يا مجيدل… يا زيتوننا… يا أرضنا… متى نعود؟» كان نمر يمسك يدها ويقول: «سنعود يوماً، حتى لو في أولادنا».
كبر الإبن البكر نبيل، وأصبح يحمل على كتفيه مسؤولية الذاكرة. كان يجمع إخوته حول موقد النار، يروي لهم عن قرية المجيدل: عن أبيه الذي كان يعمل في البريد بالناصرة، وعن عمه صادق وعمته اللذين كانا يفلحان الحقل، وعن أشجار الزيتون التي زرعاها بأيديهما.
مات نمر الصادق بعد فترة طويلة، وهو يمسك يد فاطمة ويقول لها: «الحلم أقوى من الحدود… لا تدعيه يموت». مات بعض الأبناء في تقلبات الحياة والحروب التي مرت على سوريا. وكبرت فاطمة حتى أصبحت عجوزاً منهكة، لكن عينيها لم تفقدا بريق التلة.
في خريف من الأعوام المتأخرة، اجتمع حولها أبناؤها وأحفادها. أخرجت المفتاح الحديدي القديم وقالت بصوت مرتجف:
«هذا مفتاح بيتنا في المجيدل. جهزتُ حقائب الذاكرة منذ أن اقتلعنا عام 1948. فيها عمل أبيكم في البريد، وعرق عمكم صادق وعمّتكم في الحقل، ورائحة الزيتون بعد المطر. أنا سأرحل جسداً، لكنكم ستكملون الحكاية. رووها لأطفالكم، ولا تنسوا المجيدل».
سألها حفيدها: «يا جدتي، كم زمن تحتاجين كي تعودي؟»
ابتسمت فاطمة وقالت: «الزمن الذي يحتاجه قلب واحد يبقى يحلم. فاطمة لا تموت… هي تعيش فيكم، في أسمائكم، في أغنياتكم عن التلة».
نامَت فاطمة تلك الليلة بهدوء، ورحلت في الصباح وهي تحمل ابتسامة سلام. بجانبها كان المفتاح، وقطعة القماش المطرزة، وورقة كتبت عليها:
«لمن يأتي بعدي…
لا تنسوا المجيدل.
لا تنسوا البريد في الناصرة، والحقل، والزيتون.
الحكاية لم تنتهِ…
هي تنتظر من يكملها.»
دفنوها في مقبرة المخيم، لكن الروح حملتها إلى تلة المجيدل. ومنذ ذلك اليوم، يجتمع الأحفاد كل ربيع ليحكوا حكاية فاطمة ونمر وصادق، يمررون المفتاح، ويعدون بأن يبقوا الحلم حياً… حتى العودة.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code