بقلم : فريحه سليمان المريمي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_كانت الجدة مبروكة تجلس كل مساء أمام نافذة البيت العتيق ، تتأمل صورة إبنها الشهيد المعلّقة على الجدار المقابل .
وجهه يبتسم كما تركه يوم ودّعها قبل المعركة الأخيرة . لم تكْ تدري أن تلك القبلة على جبينها ستكون الوداع الأبدي .
بعد أستشهاده بأيام قليلة ، حملت مطلقته طفله الرضيع ، وغادرت به بعيداً ، خارج الوطن .
لم تترك وراءها سوى صرخة أم ، ودمعة أهل ، وصورة صغيرة للرضيع بين يدي والده قبل أن يرحل .
مرت السنوات ثقيلة ، لا صوت يعلو في البيت إلا الحنين . كانت الجدة تردد في دعائها :
يا رب ، إن لم يجمعني بأبنِي ، فأجمعني بولدهِ ولو لحظة ، لأعرف أنه مازال من دمهِ ولحمهِ أثر على هذه الأرض .
بلغ الفتى السابعة عشرة ، وكبر في بلادٍ غريبة ، لا يعرف رائحة ترابها .
كان مصاباً بطيفِ التوحدِ ، يعيش في عالمهِ الخاص ، يبتسم حين يسمع أصوات الموج ، ولا يحب الزحام ، يهرب إلى الصور القديمة ، ويحدّق في العيونِ الطويلة التي تشبه عيني أبيهِ .
وذات مساء ، قررت الأم العودة للوطنِ لزيارة قبر الشهيدِ ، بعدما أنهكها الندم ووجع الغربة .
وصلت إلى المدينة ، والولد بجانبها ، صامت كعادتهِ ، يحمل في يده صورة صغيرة وجدها في صندوق قديم ، صورة لرجلٍ يرتدي الزي العسكري ، يبتسم للكاميرا .
حين دخلت الأم بيت الجدة ، تجمّدت الكلمات .
الجدة مٌقعدة ، تتأمل الفتى بعينين دامعتين .
ملامحه ، إبتسامته ، وحتى نظرة عينيه ، نسخة من الشهيد .
أقتربت منه بكرسي العجلات ، بيدين مرتعشة ، مدت يدها تلمس وجهه ، فأبتسم دون أن ينطق ، ثم رفع الصورة نحوها كأنه يعرف .
سقطت دموعها على الصورة ، وقالت بصوتٍ مبحوح :
قدّر الله يا بُني رأيت فيك أبنـي مرتين ، يوم ولد ويوم عاد .
في تلك اللحظة فقط ، أيقنت أن القدر قد تأخر ليمنحها اللقاء ، لكنه لم ينسَ وعدها القديم مع السماء .
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
