الأحد. مايو 24th, 2026
0 0
Read Time:33 Minute, 26 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يتناول هذا الملف تصاعد التوترات في الخليج العربي مع التركيز على العدوان الإيراني على دولة الإمارات العربية المتحدة، رغم أن الصراع المعلن يدور أساسًا بين إيران والولايات المتحدة.

يسعى الملف إلى تحليل الدوافع الاستراتيجية التي قد تدفع إيران لاستهداف دولة الإمارات تحديدًا، ويفكك تعقيدات الموقف الدولي، خاصة الأوروبي، في ظل غياب تحالف عسكري واضح لاحتواء النفوذ الإيراني أو تأمين مضيق هرمز. يناقش حدود الدور الأوروبي في حماية مصالحه الاقتصادية والأمنية في الخليج، وإمكانية بلورة تحالف أوروبي- خليجي مستقبلي، وصولًا إلى قراءة استشرافية لمآلات التوازنات الإقليمية في ظل هذه المعطيات.

1ـ أمن الخليج ـ العدوان الإيراني على دولة الإمارات، الدوافع الاستراتيجية

تشهد منطقة الشرق الأوسط لا سيما الخليج العربي مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وتزايد امتداداتها الإقليمية والدولية. وقد كشفت الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات والمخاطر. ومع تحول الصراع من استهداف المواقع العسكرية إلى استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية وطرق التجارة والطاقة تسعى الدول الخليجية إلى تعزيز استثماراتها الدفاعية والأمنية ورفع مستوى التنسيق مع الحلفاء الدوليين في وقت تتداخل فيه أدوات الحرب غير التقليدية، من الطائرات المسيّرة والألغام البحرية إلى الهجمات السيبرانية وشبكات الوكلاء الإقليميين، ما يعكس سعي إيران إلى توسيع نطاق الردع والضغط الجيوسياسي.

الإطار الجيوسياسي للصراع الإيراني

تعرضت دولة الإمارات العربية المتحدة في الخامس من مايو من العام 2026 لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في أول استهداف من نوعه منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل من العام 2026، وأكدت وزارة الدفاع الإماراتية إن الدفاعات الجوية تعاملت مع (12) صاروخًا باليستيًا و(3) صواريخ كروز و(4) طائرات مسيرة آتية من إيران. وكانت قد تمكنت الإمارات العربية المتحدة من التصدي لأكثر من (85%) من الطائرات الإيرانية بدون طيار التي تم إطلاقها عليها، حيث أطلقت إيران (537) صاروخًا باليستيًا و(26) صاروخًا كروز و(2256) طائرة مسيرة على دولة الإمارات العربية المتحدة، ألحقت الهجمات أضرارًا بالبنية التحتية المدنية ومواقع الطاقة لا سيما في أبوظبي.

تعتبر حرب إيران “مثالًاً على الحرب غير المتكافئة” حيث تعتمد طهران على الطائرات المسيّرة رخيصة الثمن وزرع الألغام في مضيق هرمز والهجمات السيبرانية على دول الخليج. يعتقد مسؤولون أمريكيون أن ما يصل إلى (12) لغمًا إيرانيًا موجود بالفعل في الممر المائي، بالإضافة إلى نحو (5000) لغم آخر في الاحتياط. تُشكّل الأسلحة منخفضة التكلفة، سهلة النقل، وسهلة الإخفاء تهديدًا كبيرًا مقارنة بالأسلحة الأمريكية الأكثر تطورًا وتكلفة. أفاد “دليل التوعية بالأمن السيبراني أثناء الأزمات” الصادر عن مركز أبوظبي لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، أن الإمارات تواجه ما بين (500) ألف و(700) ألف محاولة هجوم سيبراني يوميًا، وهو ارتفاع يعزوه المسؤولون إلى جهات مرتبطة بإيران. يشير الدليل والتقارير ذات الصلة إلى أن المهاجمين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل “ChatGPT”، لأغراض الاستطلاع، وفحص الثغرات الأمنية، وعمليات تصيد احتيالي متطورة، وتطوير البرمجيات الخبيثة.

يوضح “بنسر أ. وارن” زميل ما بعد الدكتوراه في الأمن النووي بمركز “بيلفر” للعلوم والشؤون الدولية: “بالنسبة لإيران، الأضعف عسكريًا بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية، تسعى استراتيجية عدم التكافؤ إلى مواجهة القدرات الأمريكية الباهظة والمتطورة في كثير من الأحيان، بأسلحة وتكتيكات أقل تكلفة وأقل تطورًا، مصممة لاستهداف نقاط الضعف الأمريكية. وقد تجلّت هذه الاستراتيجية الإيرانية الهجينة بوضوح في استخدام الألغام، والزوارق المسيّرة، والصواريخ المضادة للسفن لإغلاق مضيق هرمز”.

مكانة دولة الإمارات في الاستراتيجية الإقليمية

أدان القادة الأوروبيون هجمات إيران المزعزعة للاستقرار في الخليج العربي، وأكدوا مجددًا دعمهم لدولة الإمارات العربية المتحدة. هنا يتسم الموقف الأوروبي من الهجمات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة بوضوح في الإدانة السياسية، حيث اعتبرها الاتحاد الأوروبي انتهاكًا صريحًا للسيادة وتصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار المنطقة. وقد أعرب رئيس المجلس الأوروبي، “أنطونيو كوستا” عن إدانته الشديدة للهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة التي استهدفت البنية التحتية المدنية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأكد “كوستا”: “أن هذه الهجمات تمثل خرقًا صريحًا للأعراف الدولية، وأن هذه الانتهاكات للسيادة والقانون الدولي غير مقبولة ويجب أن تتوقف”.

برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كواحدة من أكثر القوى المتوسطة نفوذًا عالميًا، مستفيدة من التنوع الاقتصادي والنشاط الدبلوماسي والاستثمار الاستراتيجي لتوسيع نطاق تأثيرها العالمي. تحولت دولة الإمارات العربية المتحدة من اقتصاد يعتمد على المحروقات إلى مركز عالمي متنوع للتجارة والتمويل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. وتُعتلر دبي وأبوظبي مراكز ربط حيوية تربط أوروبا وآسيا وأفريقيا، مما يسهل تدفق رؤوس الأموال وخطوط النقل والشبكات التجارية عبر المناطق. بلغ حجم التبادل التجاري السنوي مع الاتحاد الأوروبي (55.6) مليار يورو في السلع وأكثر من (39) مليار يورو في الخدمات في العام 2025. كما يبلغ حجم الاستثمارات المتبادلة بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي أكثر من (328) مليار يورو.

أُطلق خلال العام 2025 إطار التعاون الإماراتي الفرنسي في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي يشمل مشاريع في الطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات المتقدمة، ومنصات بحثية مشتركة، واستثمارًا في مجمع حاسوبي بقدرة (1) جيجاوات في فرنسا. في فبراير من العام 2025، كما اتفقت دولة الإمارات العربية المتحدة وإيطاليا على تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، وبنية البيانات التحتية، والتحول الرقمي، حيث خصصت دولة الإمارات العربية المتحدة مليارات الدولارات للاستثمار في هذه القطاعات.

حافظت دولة الإمارات العربية المتحدة على علاقات تتجاوز الانقسامات الجيوسياسية. فهي تتعاون بشكل وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وفي الوقت نفسه توسع علاقاتها مع الصين والهند وروسيا والاقتصادات الناشئة. تعكس هذه الدبلوماسية متعددة الاتجاهات استراتيجيات التحوط التي تتبناها القوى المتوسطة بشكل متزايد سعيًا إلى تحقيق الاستقلال في بيئة دولية مستقطبة ومضطربة. أصبحت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة أكثر فاعلية، فعلى مدى العقد الماضي، وسعت الدولة حضورها الدبلوماسي، وعمقت شراكاتها في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ولعبت دورًا فاعلًا في جهود الوساطة الإقليمية والدولية، خاصة في جهود الوساطة بين روسيا وأوكرانيا.

تظل شركات الدفاع الأوروبية موردًا رئيسيًا للإمارات، وتُصنف الإمارات باستمرار ضمن أهم الوجهات غير الأعضاء في حلف الناتو لصادرات الدفاع الأوروبية، بما في ذلك منصات عالية القيمة مثل الطائرات المقاتلة والذخائر الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي المتكاملة. أصدرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تراخيص تصدير أسلحة إلى الإمارات بقيمة مليارات يورو. بلغ إجمالي قيمة تراخيص تصدير المعدات الدفاعية الصادرة عن السلطات الأوروبية في العام 2024 وحده حوالي (1.4) مليار يورو، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للأسواق الرئيسية خارج حلف الناتو، والدور التصديري الأوسع للصناعات الدفاعية الأوروبية. 

لماذا الإمارات هدف قائم لإيران؟

زعم النظام الإيراني أنه كان يستهدف فقط القواعد الأمريكية في المنطقة، قبل أن يبدأ هجماته على البنية التحتية المدنية والمؤسسات الأمريكية في المنطقة. كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد صنّفت الإمارات العربية المتحدة شريكًا دفاعيًا رئيسيًا لها في العام 2024، ما عزز التنسيق ليس فقط في مجال الدفاع، بل كذلك في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والاستثمار فيه. ولا تدع هذه الشراكة مجالًا للشك في مكانة الإمارات العربية المتحدة في مجال الأمن الإقليمي. في السابع من مارس 2026، استُهدفت قاعدة “الظفرة” الجوية بضربات طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية. تقع القاعدة على بعد حوالي (32) كيلومترًا جنوب العاصمة الإماراتية أبوظبي، وتستضيف الجناح الجوي الاستكشافي الأمريكي رقم (380) إلى جانب القوات الفرنسية. وتُعد مركزًا إقليميًا رئيسيًا للعمليات الجوية وجمع المعلومات الاستخباراتية، كما أنها موطن لنحو (3500) جندي أمريكي.

تعتبر الإمارات العربية المتحدة بالنسبة لإيران، موقعًا رئيسيًا حيث يمكن للضربات أن تمارس ضغطًا على واشنطن، وتعطل تدفقات الطاقة العالمية، وتزعزع استقرار التمويل الدولي والشركات. كما تأمل إيران في إحداث فوضى في سلاسل الإمداد الإقليمية، ومن خلال الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، يتم تعطيل صادرات الطاقة من كبار المنتجين في الخليج. إن استهداف البنية التحتية للطاقة ليس بالأمر الجديد، فقد استُهدفت أبوظبي من قبل الحوثيين في العام 2019، لكن هذه الضربات المباشرة منذ بدء حرب إيران في فبراير من العام 2026 تُظهر انحراف إيران عن استهداف أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة فقط.

يقول “بريندن جيه كانون” الباحث في كلية “بالسيلي” للشؤون الدولية: “يعرف العالم أجمع دبي، لذا فإن محاولة تقليص نفوذ الإمارات، وزعزعة تلك الصورة الراسخة لدى المستثمرين والسياح حول العالم بأنها واحة من الهدوء، تُعد هدفًا رئيسيًا لإيران”. وتابع “كانون”: “هذا صراع مصيري بالنسبة للنظام الإيراني في الوقت الراهن، إما النصر أو الهزيمة. لقد دفعت الضربات الأمريكية والإسرائيلية الإيرانيين إلى استخدام القوة المفرطة، ومع ذلك، قد يكون هناك سبب آخر وراء بقاء الإمارات العربية المتحدة هدفًا رئيسيًا رفضها إغلاق القواعد الأمريكية”. يبدو أن إيران عازمة على إثبات أن ردها الانتقامي يمكن أن يتجاوز حدود ساحة الحرب المباشرة، فإذا كانت طهران تنظر إلى الصراع على أنه صراع وجودي أي صراع من أجل بقاء النظام نفسه فإن المنطق بالنسبة لإيران يقتضي توسيع نطاق تأثير الحرب قدر الإمكان.

أذرع إيران في الضغط الإقليمي 

اعتمدت إيران على شبكة من الوكلاء الإقليميين لحماية وتعزيز مكانتها في المنطقة منذ العام 1979. أمضت إيران عقودًا في بناء هذا المحور، وهو شبكة واسعة النطاق ولكنها غير مترابطة. ويضم هذا المحور حزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، وغيرهم. شكلت هذه الشبكة عنصرًا أساسيًا في استراتيجية طهران للردع ضد التهديدات المتصورة من الولايات المتحدة، وبالأخص من إسرائيل. أطلق حزب الله صواريخ وقذائف وطائرات مسيرة على إسرائيل منذ الثاني من مارس من العام 2026 ردًا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي. كان غياب الحوثيين، آخر حلفاء إيران ذوي النفوذ في المنطقة، عن ساحة حرب إيران لافتًا للنظر، ربما يرجع السبب إلى أن قيادة الحوثيين تخشى من تداعيات الرد الأمريكي والإسرائيلي في حال انخراطها المباشر في حرب إيران.

يقول “ساشا بروخمان” محلل الشؤون العسكرية والأمنية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن: “حزب الله في وضع صعب ولكنه لم يُهزم تمامًا. لقد فقد الكثير من قدراته الاستراتيجية، وجزءًا كبيرًا من ترسانته الصاروخية، وورش تصنيع الطائرات بدون طيار، وأنفاق الهجوم على طول الحدود مع إسرائيل، ولكنه لا يزال جماعة قوية”.

أدركت إيران موقعها الجغرافي المتميز والأهمية البالغة للملاحة البحرية في الخليج العربي كوسيلة ضغط اقتصادي عالمي. وعلى مدى عقود، استغلت إيران جوانب من القطاع البحري لحماية الأمن القومي لها والالتفاف على العقوبات الأوروبية والدولية. يشمل ذلك الاستخدام المستمر لأساطيل الظل، والتلاعب ببيانات أنظمة التعريف الآلي “AIS”، كذلك التلاعب العام بالقوانين واللوائح البحرية المعمول بها. لكن إلى جانب التداعيات الاقتصادية المباشرة، فإن الحصار الفعلي الذي فرضته إيران على مضيق هرمز سلط الضوء على تحدٍ استراتيجي دولي أوسع، فهو يوضح كيف يمكن لدولة واحدة أن تحتجز ممرات الشحن الحيوية كرهائن وتمارس ضغطًا جيوسياسيًا بتكلفة منخفضة نسبيًا.

تعد طهران واحدة من أكبر التهديدات السيبرانية للولايات المتحدة وأوروبا، وقد بدأت مجموعات القرصنة التابعة لها بالرد منذ بدء حرب إيران. شنت مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران هجمات انتقامية ويخشى المسؤولون الغربيون أن هذه مجرد البداية. أعلنت السلطات البولندية أنها تحقق فيما إذا كانت طهران وراء هجوم إلكتروني استهدف مركزها للأبحاث النووية. ادعت مجموعة قرصنة موالية لإيران، أنها هاجمت شركة “سترايكر الأمريكية” لتصنيع الأجهزة الطبية، وقامت بمسح خوادمها وسرقة بياناتها. صرحت السلطات الألبانية بأن مجموعة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تمكنت من اختراق حسابات البريد الإلكتروني لأعضاء البرلمان. حدد محللو الأمن السيبراني ما يقرب من (12) مجموعة تهديد متطورة بأسماء غريبة مثل “Charming Kitten” و”MuddyWater”، والتي يعتقد أنها تعمل لحساب طهران.

سيناريوهات الاحتواء والتصعيد

شنت الولايات المتحدة ضربات محدودة لكنها فعالة أضعفت البنية التحتية الإيرانية للطائرات المسيرة والصواريخ والبحرية والنووية، إلا أن تغيير النظام لم يحدث، ولا تزال إيران قادرة على إثارة التهديدات لدول الجوار. فمن المحتمل أن يصمد وقف إطلاق النار لفترة كافية فقط للتوصل إلى تفاهم تفاوضي أو ضمني لا يرقى إلى مستوى التسوية الشاملة. لكن إذا امتدّ اضطراب مضيق هرمز سواءً عبر المضايقات الإيرانية، أو زرع الألغام، أو استمرار سياسة “فرض الرسوم” التي تستغل فيها إيران نفوذها المتبقي لانتزاع رسوم مرور باهظة من السفن بدلًا من إغلاق المضيق نهائيًا، فإنّ الوضع سيزداد سوءًا. ستعيد الولايات المتحدة الالتزام بالتدمير المنهجي لشبكات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية المنتشرة، والملاحقة الحثيثة للمواد النووية والاستيلاء عليها، وشن هجوم عسكري شامل لتطهير الساحل المطل على المضيق، وممارسة ضغط كاف لإسقاط النظام أو استسلامه.

جددت الإمارات رفضها القاطع لاستخدام أراضي دول المنطقة كساحات لتسوية النزاعات أو توسيع نطاق الصراع، محذرة من العواقب الوخيمة لاستمرار الانتهاكات، التي تقوض الأمن الإقليمي والدولي وتهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي وأمن الطاقة. وجددت الإمارات دعوتها إلى ضبط النفس واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية والحوار الجاد، مؤكدة أن هذا هو السبيل الأمثل لتجاوز الأزمة الراهنة وحماية الأمن والاستقرار الإقليميين. أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة أنها تحتفظ بحقها الكامل والمشروع في الرد على هذه الهجمات بما يصون سيادتها وأمنها القومي وسلامة أراضيها، ويضمن سلامة مواطنيها والمقيمين فيها، وفقًا للقانون الدولي. ولن تتسامح الإمارات مع أي مساس بأمنها أو سيادتها تحت أي ظرف من الظروف.

**

2ـ أمن الخليج – الموقف الأوروبي والدولي: لماذا لا يوجد تحالف عسكري ضد إيران؟

يُمثل أمن منطقة الخليج العربي المعضلة الكبرى في النظام العالمي الراهن، حيث يتقاطع فيها أمن الطاقة الدولي مع توازنات القوى الجيوسياسية الكبرى، مما يجعل استقرارها ضرورة وجودية تتجاوز الحدود الإقليمية، ورغم تصاعد التهديدات التي تمس سلامة الملاحة الدولية في مضيق هرمز، لا يزال المشهد الدولي يفتقر إلى تحالف عسكري موحد وصلب لمواجهة التحركات الإيرانية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المصالح المتضاربة والحسابات المعقدة للقوى الفاعلة.

المصالح الأوروبية في الخليج

يمثل أمن الطاقة حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه منطقة الخليج، حيث تعتمد الدول الأوروبية بشكل متزايد على واردات النفط والغاز الخليجي لتعويض النقص الناجم عن التوترات الجيوسياسية في مناطق أخرى، لا سيما بعد الأزمة الأوكرانية، ولذلك فإن أي اضطراب في تدفقات الطاقة من الخليج لا يعني فقط ارتفاعًا في الأسعار، بل يهدد بشلل الصناعات الأوروبية الكبرى وتفاقم أزمات التضخم.   كما أن أي تهديد لهذه الممرات ينعكس سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية التي ترتبط بها الشركات الأوروبية بعمق، وهذا الاعتماد المتبادل يجعل من استقرار المنطقة ضرورة اقتصادية أوروبية؛ فالاستثمارات الأوروبية الضخمة في البنية التحتية والمشاريع التنموية الخليجية تتطلب بيئة أمنية مستقرة لضمان العوائد وحماية الأصول، مما يجعل المقاربة الأوروبية تركز على “الأمن الاقتصادي” كمدخل أساسي للاستقرار السياسي والعسكري في المنطقة.

وتدرك العواصم الأوروبية أن إيران تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ما يمثل “كابوسًا جيوسياسيًّا” قد يؤدي إلى انهيار منظومات اقتصادية كاملة. لذلك، تتبنى أوروبا استراتيجية الحضور البحري الهادئ، مثل بعثة (EMASoH)، بهدف تأمين الملاحة دون استفزاز مباشر قد يؤدي لإغلاق المضيق. إن الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز يمثل بالنسبة للأوروبيين خطًا أحمر، لكنهم يفضلون حمايته عبر أدوات القانون الدولي والضغط الدبلوماسي المدعوم بوجود عسكري دفاعي يمنع الانزلاق نحو المواجهة العسكرية المفتوحة.

تؤمن الدول الأوروبية بأن استقرار مضيق هرمز لا يمكن تحقيقه عبر الحلول العسكرية المنفردة، بل من خلال بناء تفاهمات إقليمية تضمن سلامة السفن التجارية. ويضع إغلاق هذا الممر البحري بروكسل في موقف صعب، إذ يجب عليها أن تختار بين الحفاظ على التضامن مع الولايات المتحدة في إطار الشراكة الأطلسية، أو اتخاذ إجراءات دبلوماسية مستقلة كقوة أمنية عالمية، وغالبًا ما تكون قدرة الاتحاد الأوروبي على نشر نفوذه خارج المنطقة محدودة بسبب اختلاف المصالح الوطنية لدوله الأعضاء. ولكن، يجب أن تكون أزمة الطاقة هذه حافزًا للاتحاد الأوروبي لتعزيز دور خدمة العمل الخارجي الأوروبية في التوسط وضمان أمن الممرات البحرية، دون الاعتماد بشكل كامل على القوى الخارجية. 

أسباب غياب تحالف عسكري أوروبي

يعد الخوف من رد الفعل الإيراني العنيف أحد أهم العوائق أمام تشكيل تحالف عسكري أوروبي هجومي، فالقوى الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، تدرك أن إيران تمتلك شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين وقدرات صاروخية يمكنها استهداف المصالح الغربية والملاحة الدولية بشكل غير تقليدي. ولذلك فالدخول في تحالف عسكري صريح ضد طهران قد يؤدي إلى إنهاء الاتفاق النووي بشكل كامل وتحفيز إيران على تسريع برنامجها النووي، وهو ما تخشاه أوروبا كونه يهدد أمنها القومي بشكل مباشر.

ويعاني الاتحاد الأوروبي من انقسامات داخلية حادة حول كيفية التعامل مع “المعضلة الإيرانية”. فبينما تدفع بعض الدول نحو موقف أكثر صرامة، تصر دول أخرى على ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار الدبلوماسي لتجنب أزمات لاجئين جديدة أو انقطاع في إمدادات الطاقة. هذا التباين في المصالح الوطنية يجعل من الصعب الوصول إلى إجماع أوروبي لتشكيل قوة عسكرية موحدة تحت مظلة الاتحاد. إن غياب “السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة” القوية يجعل التحركات الأوروبية تقتصر على مبادرات تطوعية من بعض الدول، مما يضعف فكرة وجود تحالف عسكري صلب ومنظم يمتلك استراتيجية هجومية واضحة تجاه التهديدات الإيرانية في منطقة الخليج.

وكما أوضحت شبكة القيادة الأوروبية، فإن عدم قدرة الدول الأوروبية على التوحد فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، فهناك ثلاثة أو أربعة مواقف مختلفة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يبدو أن بعض المسؤولين الأوروبيين يعبرون عن آراء لا تمثل رأي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يكون فاعلاً جيوسياسيًّا حقيقيًّا، فيجب عليه التغلب على هذه المشكلة، فالخطر هو أن التركيز على التوافق قد يؤدي إلى صدور بيانات عامة لا تعكس وجهات النظر الحقيقية للدول الأعضاء.

بالإضافة إلى ذلك، يمثل غياب تفويض واضح من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي عائقًا قانونيًّا وسياسيًّا كبيرًا أمام الدول الأوروبية التي تحرص دائمًا على الالتزام بالشرعية الدولية. وفي ظل الفيتو الروسي والصيني المتوقع ضد أي عمل عسكري أو تحالف دولي يستهدف إيران، تجد العواصم الأوروبية نفسها عاجزة عن تبرير الانخراط في تحالف عسكري هجومي أمام برلماناتها ورأيها العام. بالنسبة للأوروبيين، فإن العمل خارج إطار القانون الدولي يمثل مغامرة تهدد مصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عن النظام القائم على القواعد، كما يفتح الباب أمام قوى أخرى للقيام بتحركات مماثلة في مناطق نزاع أخرى، وهو ما ترفضه بروكسل جملة وتفصيلًا كونه يقوض الاستقرار العالمي.

الفجوة بين أوروبا وواشنطن

تجلت الفجوة بين ضفتي الأطلسي بشكل واضح في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تبنت واشنطن سياسة “الضغوط القصوى” والانسحاب من الاتفاق النووي، بينما حاولت أوروبا جاهدة الحفاظ على الاتفاق وآليات الحوار. ويرى الأوروبيون أن المقاربة الأمريكية تميل إلى التصعيد العسكري والسياسي الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بينما تؤمن أوروبا بأن الدبلوماسية الاقتصادية هي السبيل الوحيد لتغيير سلوك إيران. هذا الاختلاف الجذري في “فلسفة المواجهة” جعل من الصعب بناء تحالف عسكري موحد؛ فالأوروبيون يرفضون أن يكونوا مجرد تابعين لاستراتيجية أمريكية قد تجرهم إلى صراع لا يخدم مصالحهم المباشرة في استقرار الشرق الأوسط وتجنب موجات الهجرة واللجوء.

من ناحية أخرى، تظهر أوروبا تحفظًا شديدًا تجاه الحلول العسكرية المباشرة نتيجة لتقديراتها بأن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها حل المعضلات الجيوسياسية المعقدة في الخليج، فالأوروبيون يميلون إلى استخدام “القوة الناعمة” والعقوبات الذكية كأدوات للضغط، معتبرين أن العمل العسكري ضد إيران سيفتح باب النزاعات الطائفية والإقليمية على مصراعيه.

وقد ألقت تجارب الحروب في العراق وأفغانستان بظلال كثيفة على صانع القرار الأوروبي، حيث أدت تلك النزاعات إلى استنزاف الموارد البشرية والمالية وتسببت في زعزعة استقرار المنطقة بشكل أعمق، ويسود في أوروبا اعتقاد بأن التدخلات العسكرية الكبرى لم تحقق أهدافها النهائية في بناء دول مستقرة، بل خلقت فراغات أمنية استفادت منها التنظيمات الإرهابية وإيران نفسها.

ومن جهة أخرى، أصبح الرأي العام في أوروبا أكثر معارضة للتدخلات العسكرية الخارجية، مما يفرض ضغوطًا سياسية على القادة لتجنب الانخراط في تحالفات قتالية. يرى الناخب الأوروبي أن الأولوية يجب أن تكون للأمن الداخلي والتنمية الاقتصادية بدلًا من المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط.

مواقف القوى الدولية الأخرى

تلعب الصين دورًا محوريًّا في إعاقة تشكيل أي تحالف عسكري دولي ضد إيران، نظرًا لمصالحها الاقتصادية الضخمة وشراكتها الاستراتيجية مع طهران، فالصين تعتبر إيران موردًا رئيسيًّا للطاقة ووجهة حيوية لمبادرة “الحزام والطريق”، وبالتالي فإن أي عمل عسكري يستهدف استقرار إيران يهدد الأمن القومي الصيني ومصالحها في غرب آسيا، ولذلك تتبنى بكين نهجًا يرفض العقوبات الأحادية والتحالفات العسكرية خارج إطار الأمم المتحدة، وتستخدم نفوذها الدبلوماسي لتوفير شبكة أمان لإيران، مما يجعل أي تحرك دولي يواجه جدارًا صينيًّا صلبًا يمنع عزلة طهران العسكرية الكاملة.

أما روسيا، فتعتبر إيران حليفًا جيوسياسيًّا لا يمكن الاستغناء عنه، وترى موسكو أن أي تحالف عسكري تقوده أمريكا ضد إيران هو تهديد لمجال نفوذها وتغيير قسري لموازين القوى في المنطقة. لذلك، تعمل روسيا على تزويد إيران بالتقنيات العسكرية المتقدمة والغطاء السياسي في المحافل الدولية.  وهذا الدعم الروسي–الصيني يخلق حالة من التوازن تمنع الغرب من الانفراد بالقرار العسكري، ويجعل من فكرة تشكيل “تحالف دولي” ضد إيران أمرًا شبه مستحيل دون موافقة أو على الأقل تحييد هذه القوى الكبرى، وهو ما لا يبدو متاحًا في الأفق المنظور.

**

3ـ أمن دولي ـ ما فرص تشكيل تحالف أوروبي خليجي لحماية حرية الملاحة؟

تتصاعد المخاوف من عودة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، لاسيما وأن مسار المفاوضات لايزال غامضًا، في ظل تمسك الولايات المتحدة بشروطها، وإصرار إيران على مطالبها. ورغم أن دول الخليج لم تكن طرفًا في التوترات السابقة بين إيران والولايات المتحدة، إلا أنها أصبحت في دائرة الهجمات الإيرانية، إضافة إلى تضررها بشكل كبير من إغلاق مضيق هرمز، وبالمثل تضررت دول أوروبا من تداعيات حرب إيران وحصار المضيق، ما يطرح احتمالية تشكيل تحالف أوروبي خليجي، للدفع نحو التهدئة وحماية الملاحة الدولية.

 التهديدات الأمنية في الخليج

– أمن مضيق هرمز: انتقلت التوترات بين إيران والولايات المتحدة إلى مضيق هرمز، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 أبريل 2026، فرض حصارًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، ردًا على استمرار إغلاق إيران للمضيق لحين رفع العقوبات. ورغم إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في 17 أبريل، فتح المضيق كليًا أمام السفن التجارية، تماشيًا مع هدنة قصيرة مرتبطة بوقف إطلاق النار في لبنان. عادت إيران لإغلاقه مرة أخرى، بعد أقل من 24 ساعة، ردًا على مواصلة الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية.

تطور الوضع بالمضيق، مع انطلاق مشروع “الحرية” في 4 مايو 2026، وبرر دونالد ترامب المشروع، بهدف مساعدة السفن المحايدة على مغادرة المنطقة بأمان. في 4 و5 مايو 2026، وقعت مواجهات بمضيق هرمز، دمرت خلالها القوات الأمريكية (7) زوارق إيرانية صغيرة، كانت تحاول عرقلة مرور السفن التجارية المحمية. سرعان ما أعلن ترامب تعليق المشروع، لإتاحة الفرصة للمفاوضات مع إيران، بناءً على طلب من باكستان ودول أخرى.

في هجوم مباغت، تعرضت (3) مدمرات أمريكية لهجوم إيراني أثناء عبورها المضيق باتجاه خليج عمان، واستخدم الحرس الثوري الإيراني صواريخ كروز وطائرات مسيرة وزوارق هجومية سريعة. في المقابل أعلنت واشنطن تدمير (6) زوارق إيرانية وطائرات مسيرة، بعد استخدام السفن أنظمة الدفاع القريب “CIWS” ومروحيات أباتشي لصد الهجوم. ما يمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد أمن المضيق. وعاد ترامب في 9 مايو 2026، ليهدد باستئناف مشروع الحرية بلس، في حال فشل مسار المحادثات.

كشفت المواجهات بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، عن إمكانية تحول الممرات المائية الدولية إلى أوراق ضغط في الصراعات، لاسيما وأن واشنطن عززت من وجودها العسكري بالمضيق، بنشر آلاف الجنود وعشرات المدمرات، بجانب وضع خطة لاستهداف القدرات الإيرانية، في حال فشلت الهدنة. في المقابل لجأت إيران إلى تكتيكات متطورة، بزرع الألغام البحرية، واستخدام الزوارق البحرية والمسيرات الانتحارية.

– تهديدات الملاحة الدولية: يمثل مضيق هرمز ممرًا حيويًا للتجارة العالمية، حيت يمر عبره حوالي (20%) من استهلاك النفط العالمي، وربع تجارة النفط المنقولة بحرًا. وخلال 2025، مر عبره نحو (20) برميل نفط يوميًا، منها (80%) كانت متجهة للأسواق الآسيوية، وتحديدًا الهند، والصين، وكوريا الجنوبية، واليابان. مع بداية حرب إيران في 28 فبراير 2026، حظرت إيران الملاحة، ما أدى لشلل شبه كامل لصادرات الهيدروكربون من الكويت وقطر والعراق، وصادرات السعودية، والإمارات، وعمان. إن إغلاق المضيق، حرم الأسواق العالمية من نحو (12-15) مليون برميل يوميًا، ما رفع أسعار النفط لتتجاوز (100) دولار للبرميل، وسط توقعات بوصولها إلى (150) دولارًا في حال استمرار الصراع.

أشارت وثائق استخباراتية، إلى تزويد روسيا لإيران بحوالي (5) آلاف درون قصير المدى، مصممة لمهاجمة القوات البرمائية، وأطقم السفن. تكمن خطورة هذه المسيرات، في قدرتها العالية ضد التشويش الإلكتروني. وبرز دور الدرون البحرية في المضيق، باستهداف ناقلة نفط قبالة سواحل عمان، في مارس 2026. امتدت التهديدات إلى زراعة إيران للألغام، في الممرات الملاحية، لذا أمر دونالد ترامب بتدمير، أي زورق إيراني يقوم بهذه الأنشطة. تعرضت في الأسبوع الأول من حرب إيران، أكثر من (1100) سفينة لتداخل ملاحي، وزاد خطر التصادم بين السفن التجارية. عاد اسم مجموعات “Handala Hack”، المرتبطة بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، بهجمات على مراكز بيانات “”AWS، في بعض دول الخليج، ما أدى لانقطاع الخدمات عن قطاعات الصحة والاتصالات.

– المخاطر على دول الخليج: دخلت منطقة الخليج إلى دائرة الصراع، بعد تعرضها لهجمات إيرانية. ونظرًا لموقع مضيق هرمز الجغرافي، أصبحت دول الخليج من أكثر الدول تضررًا من إغلاقه، حيث يحده من الشمال إيران، والجنوب سلطنة عمان ودولة الإمارات، ويربط الممر عند أضيق نقطة فيه، الخليج ببحر العرب. يمر النفط من دول الخليج مثل العراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات عبر المضيق. يتم شحن حوالي (20%) من الغاز المسال العالمي عبر المضيق، وأغلبه من قطر. في 2024، صدرت قطر حوالي (9.3) مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز، وصدرت الإمارات حوالي (0.7) مليار متر قدم مكعب يوميًا من الغاز.

تسببت حرب إيران في تراجع الإمدادات العالمية من الكبريت، وتمثل دول الخليج نحو (45%) من الإنتاج العالمي. ويعد مضيق هرمز ممرًا رئيسيًا لتصدير الأسمدة من الشرق الأوسط، بنحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، والواردات من المواد الغذائية والأدوات والإمدادات التكنولوجية للمنطقة. في منتصف مارس 2026، تعطلت (20%) من واردات المنطقة من الغذاء، مما أدى لارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين (40%- 120%).

الجهود الأوروبية الحالية

– بعثات المراقبة البحرية: تمثل عملية أجينور، الذراع العسكري للمبادرة الأوروبية للتوعية البحرية في مضيق هرمز “EMASoH”، التي أطلقت في 20 يناير 2020، بقيادة فرنسا، وتهدف لحماية الملاحة وضمان المرور الآمن للسفن في مضيق هرمز، وتمتد شمالًا لمنطقة الخليج وجنوبًا لمنطقة المحيط الهندي قبالة سواحل عمان. تعتمد القيادة التكتيكية لعملية أجينور بشكل أساسي على مقر قوة متعددة الجنسيات. ويتناوب قائد القوة من (4-6) أشهر بين الدول الأوروبية المساهمة. وهي “بلجيكا، وهولندا، والدنمارك، وفرنسا، واليونان، وإيطاليا، والنرويج وألمانيا”. وشاركت البحرية الفرنسية في عمليات بالمنطقة مؤخراً.

تعد عملية أسبيدس مهمة بحرية دفاعية، أطلقها الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير 2024، لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن من هجمات الحوثيين، التي جاءت ردًا على حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، بعد مباحثات أوروبية لإرسال قوة بحرية لردع الحوثيين. قرر المجلس الأوروبي، تمديد تفويض العملية حتى 28 فبراير 2027، مع تخصيص ميزانية بنحو (15) مليون يورو. تدور مباحثات داخل الاتحاد الأوروبي، لتوسيع مهام العملية، لتشمل مضيق هرمز. يقع المقر العملياتي في مدينة “لاريسا” باليونان، تحت قيادة الأدميرال “فاسيليوس غريباريس”.

– المبادرات الدبلوماسية: اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي في 30 مارس 2026، قرارين بتعديل ولايات العمليات البحرية للاتحاد الأوروبي، “أسبيدس” و”أتلانتا”، للمساهمة في حماية الملاحة بالبحر الأحمر والمنطقة المحيطة به. تتولى عملية أسبيدس، مهام جمع وتبادل المعلومات، حول الأنشطة المشبوهة بالبنية التحتية للغواصات، وبناء القدرات عبر تدريب القوات البحرية المتواجدة بالمنطقة.

تقود فرنسا وبريطانيا جهود إنشاء بعثة متعددة الجنسيات، لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي 25 أبريل 2026، اجتمع مخططون عسكريون، من (30) دولة لمناقشة آليات تنفيذ هذه العملية عمليًا وكيفية حماية السفن التجارية. تركز المقترحات المقدمة، حول عملية متعددة الجنسيات دفاعية بحتة، تركز على الدفاع بدلًا من استهداف المواقع البرية. تؤكد فرنسا وبريطانيا، على أن المهمة لن تنفذ إلا بعد التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب بين طهران وواشنطن. يقول يورغن إيهل، أميرال ألماني متقاعد ومستشار عسكري رفيع سابق بالاتحاد الأوروبي، إن “المهمة ستتضمن الرد على الهجمات بدلًا من شن هجمات”.

من المتوقع أن تتطلب العملية، فرقاطات أو مدمرات مجهزة بأنظمة دفاع جوي، وطائرات بدون طيار للكشف عن الألغام، والأنظمة غير المأهولة للكشف عن الألغام البحرية وتحييدها. أبدت ألمانيا وإيطاليا وهولندا استعدادهم للانضمام للمهمة. أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 13 مايو 2026، أن بلاده ستطلق “مبادرة بالأمم المتحدة”، لاقتراح إطار تمهيدي لمهمة محايدة وسلمية، لضمان أمن الملاحة بمضيق هرمز مستقبلًا.

– حدود الفعالية: قد تتحمل الدول الأوروبية الثلاث “ألمانيا وفرنسا وبريطانيا”، المسؤولية العسكرية لدعم المهمة. أبدت ألمانيا استعدادها لإرسال سفن للاستطلاع البحري وإزالة الألغام، بشرط أن يوافق البرلمان. وأشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى ضرورة وجود تفويض قانوني قبل أي عملية نشر. لدى فرنسا أصولًا بحرية كبيرة بالمنطقة، تشمل (8) سفن حربية، وحاملة طائرات وسفينتين هجوميتين برمائيتين. وقال إيمانويل ماكرون، إنه “يمكن إعادة توجيه جزء من القوات المتركزة حاليًا بالشرق الأوسط والبحر الأحمر”. وتوجهت حاملة الطائرات شارل ديغول، للتمركز في منطقة الخليج ودعم المهمة.

يقول بينس نيميث، المحاضر البارز في الدراسات الدفاعية بكلية كينجز كوليدج لندن، إنه “رغم امتلاك بريطانيا مدمرات متطورة، فإن جاهزيتها وتوافرها لا يزالان غير واضحين”. يشير بينس نيميث، إلى خطورة نشر القوات البحرية الأوروبية بالخليج، واستنزاف القوات الأوروبية، موضحًا أن أوروبا بحاجة للحفاظ على أصولها البحرية في بحر البلطيق وشمال المحيط الأطلسي، وأن المخاطر التشغيلية في الخليج كبيرة، ولا تضمن قدرات الدفاع الجوي الأمن بنسبة (100%)، خاصة مع مواجهة هجمات الطائرات المسيرة.

توضح إيفا بيسوفا، رئيسة برنامج اليابان في مركز الأمن والدبلوماسية والاستراتيجية في مدرسة بروكسل للحوكمة، أن ماكرون أوحى بأنه سيتولى قيادة المساهمة الأوروبية، في تأمين المضيق، ولكن هذا التحرك لن يتم سريعًا، وفي حال استقرار الأوضاع بعد وقف الحرب، ستظل المخاطر قائمة، منوهة إلى إمكانية تأسيس أوروبا لمنصة لتبادل المعلومات المتعلقة بالوضع البحري، لتفادي أي تصادم. بينما يؤكد يورغن إيهل، اللواء البحري الألماني المتقاعد، والمستشار العسكري الرفيع السابق للاتحاد الأوروبي، أن التعامل مع الألغام البحرية، يشكل أحد مجالات التخصص الألمانية، لامتلاك ألمانيا كاسحتي ألغام، و(10) سفن مخصصة لمكافحة الألغام، مشيرًا إلى أن نشرهم مرتبط بسلام مستدام، وأن نجاح توسيع عملية أسبيدس مرهونًا بوقف الحرب.

فرص إنشاء تحالف أوروبي – خليجي

 المصالح المشتركة: يجمع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج مصالح استراتيجية متقاطعة. ويحتاج التكتل الأوروبي إلى مصادر طاقة متنوعة، بدلًا من الاعتماد على الولايات المتحدة بمفردها، وتكرار خطأ الاعتماد المطلق على مصدر طاقة أوحد، كما حدث مع روسيا. ويحتاج الخليج إلى تنويع مصادر التسليح والشراكات الأمنية، بدلًا من الاعتماد الكلي على الضمانات الأمنية الأمريكية، بجانب البحث عن خبرات في مجال الأمن السيبراني، لاسيما وأن حرب إيران كشفت عن خطر التهديدات السيبرانية.

دفع إغلاق مضيق هرمز، الجانبين الأوروبي والخليجي، لإعادة التفكير في العلاقات بينهما، استكمالًا للتفاهمات التي انطلقت، في قمة بروكسل 2024، وبدء حوارات أمنية وسيبرانية مشتركة. من المرجح أن تشمل المرحلة الأولى من التعاون (2024-2027)، بناء الثقة عبر تنسيق مكافحة الإرهاب والأمن البحري، والحوارات الأمنية والتقنية. وأن تتنقل المرحلة الثانية (2028-2032)، لإبرام الاتفاقيات الدفاعية وإطلاق تدريبات عسكرية مشتركة، وتخصيص موارد مالية لتطوير صناعة دفاعية مشتركة. وقد تعتمد المرحلة الثالثة على دمج القدرات عبر هيكل مؤسسي بين الجانبين.

– التكامل العسكري والتقني: لدى الجانبان الأوروبي والخليجي، فرصة للتكامل في المجالين العسكري والتقني. يمتلك الاتحاد الأوروبي، صناعات دفاعية قوية في أوروبا الغربية، مثل “رافال الفرنسية”، و”تايبان الإيطالية”، و”تكنولوجيا الطائرات بدون طيار” الأوكرانية المدعومة أوروبيًا، وتمتلك دول الخليج قوات مسلحة متطورة، تعتمد على تكنولوجيا غربية، مثل “طائرات إف- 16″ و”فرقاطات فرنسية”.

يشير هذا الوضع إلى إمكانية التكامل في التدريبات العسكرية والشراكة في صناعات الدفاع، حيث تقيم مجموعة “إيدج” الإماراتية، شراكات مع شركات أوروبية في قطاع الأنظمة غير المأهولة. وأطلقت شركة الصناعات العسكرية السعودية “SAMI”، مشاريع مشتركة مع شركاء أوروبيين. انطلق في أكتوبر 2025، “حوار الدبلوماسية السيبرانية” بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، وناقش الجانبان بناء القدرات والثقة في الفضاء الرقمي، وتأسيس منصة دائمة للنقاشات السيبرانية.

 الأطر الممكنة: يدور التعاون الأوروبي الخليجي في (3) أطر ممكنة، أولًا: التعاون الثنائي بين الدول، يتخذ شكل اتفاقيات وشراكات محددة بين دولة أوروبية ودولة خليجية، مثل “شراكات فرنسية مع السعودية أو الإمارات” أو “حوار ألماني كويتي”. يتميز هذا التعاون، في سهولة إبرام الاتفاقيات بما يتناسب مع كل دولة، وتجاوز أي انقسامات داخل التكتل الأوروبي، لتباين السياسات والقوانين الوطنية للدول الأعضاء.

ثانيًا: التعاون في إطار متعدد الأطراف، يرتكز على إشراك جميع دول التكتل الأوروبي، ودول مجلس التعاون الخلجي، عبر الهيئات القائمة مثل المجلس المشترك وبرامج العمل المشتركة. يتميز هذا التعاون، في تحقيق شراكة أوسع وأشمل، وتوزيع الأعباء عبر حكومات وموارد مالية متعددة، بجانب وجود رؤية مستقبلية طويلة الأمد. يعد الاتحاد الأوروبي ومجلس الاتحاد والمفوضية الأوروبية ومجلس التعاون الخليجي، الفاعلون الرئيسيون في التعاون.

ثالثًا: التعاون في إطار الناتو، يشمل الاستفادة من مبادرة “إسطنبول” للتعاون القائم بين الناتو ودول الخليج منذ 2004، تتيح المبادرة منصة للتعاون الأمني البحري، والسيبراني، وإعادة بناء القدرات الدفاعية تحت مظلة الناتو. يتميز هذا التعاون في وجود مكتسبات أكثر، بجانب الفائدة الرمزية من الشراكة عبر الأطلسي. يعد الفاعلون الرئيسيون، هم القادة العسكريون بالناتو ومجلس التعاون الخليجي.

التحديات أمام التحالف الأوروبي الخليجي

– اختلاف العقيدة العسكرية: تركز العقيدة العسكرية الأوروبية، على تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ومواجهة التهديدات الهجينة من الصين وروسيا،  وتعتبرها التهديد الأول لأمن أوروبا. تستهدف دعم الأمن السيبراني والدفاع الجماعي بشكل مستقل عن واشنطن. تعمل أوروبا بنظم متداخلة خاصة، تحتاج إلى معايير محددة وتدريبات مشتركة، وتواجه أزمة تمويل لتفعيل صناعة دفاعية مشتركة. بينما تعتبر دول الخليج، إيران مصدر التهديد الأول لأمنها. ولدى دول الخليج، أسلحة متنوعة ما بين أمريكية، وفرنسية، وبريطانية. وتمتلك وفرة مالية وميول استثمارية متنوعة في مجال التسليح.

 التباين السياسي: تختلف نظرة أوروبا عن الخليج تجاه حرب إيران. وعارض أغلب الأوروبيين الحرب، مرجحين الدبلوماسية أكثر من الحل العسكري. أكد قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أن هذه الحرب لم تتم استشارة أوروبا فيها، وأن أهدافها غير واضحة. كانت أوروبا حذرة من الانخراط في أي تصعيد عسكري. بينما يرى الخليج في هجمات إيران، دليلًا واضحًا على الاستمرار في سياسة زعزعة الإقليم، واستخدام الوكلاء والطاقة والممرات المائية، لتهديد أمن دول الجوار.

 رد فعل إيران: ترى إيران، أي تحالف أوروبي خليجي، عاملًا معاديًا سيهدف للحد من تأثيرها، ما قد يدفعها لمزيد من الأنشطة الاستفزازية في مضيق هرمز وضد دول الخليج. وأعلنت الإمارات، في 4 مايو 2025، التصدي لتهديدات صاروخية من إيران، رغم سريان هدنة وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. يقول غريغوار روس، مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في تشاتام هاوس، إن “تجربة مشاركة بريطانيا وإسبانيا في حرب العراق بجانب الولايات المتحدة، قبل مواجهة موجة من الهجمات الإرهابية في عامي 2004، و2005، دفعت الدولتان للحذر من الانجرار لهذه الحرب، لاسيما وأن تكلفة حرب العراق كانت باهظة”.

 السيناريوهات المستقبلية 

 سيناريو تحالف محدود لحماية الملاحة: طرحت دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا، إمكانية القيام بعمليات دورية في مضيق هرمز وبحر عمان، لمرافقة السفن التجارية وحماية ممرات الملاحة وإزالة الألغام. في حالة حدوث هذه المهمة، ستصبح مهمة مشتركة أوروبية خليجية، في إطار الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة. أكد مسؤولون أوروبيون، على استعدادهم للمساهمة في جهود ضمان المرور الآمن بالمضيق. يصبح السيناريو مرهونًا، بوقف إطلاق نار شامل وإعادة فتح المضيق، ما يلزم دول خليجية وأوروبية، بوضع خطط لتأمين النقل البحري وعودة حركة السفن، وتبدأ الخطط في غضون (3-6) أشهر من وقف الحرب. تعد فرصة حدوث السيناريو متوسطة، في ظل تعثر مسار المباحثات.

– سيناريو تحالف دفاعي أوسع: يرتكز هذا التحالف، على انضمام جميع دول أوروبا بجانب دول الخليج، والولايات المتحدة، في تحالف دفاعي أوسع. ويشمل بنود دفاع مشترك تشمل مجالات الأمن البحري والجوي والبري، بجانب الأمن السيبراني. ويعتمد على أنظمة إنذار مبكر، وصواريخ دفاع جوي مشتركة، تحسبًا لأي تهديدات إيرانية محتملة. يتحقق هذا السيناريو، في حال وقف الحرب، وتوافق أوروبا وواشنطن على مهمة دفاعية موحدة. تصبح فرصة حدوثه ضعيفة لتباين الرؤى بين ضفتي الأطلسي، تجاه حرب إيران وطبيعة المهمة بالمضيق.

– سيناريو استمرار الوضع الحالي: يتجه هذا السيناريو، إلى بقاء قواعد الاشتباك في مضيق هرمز كما هي، دون تأسيس تحالف عسكري رسمي بين أوروبا والخليج. وتظل دول الخليج معتمدة على دفاعاتها، في تأمين المضيق، بجانب دعم محدود من أوروبا وواشنطن. تستمر أوروبا في جهودها الدبلوماسية لاحتواء الوضع. في حال حدوث هذا السيناريو، ستزداد الأعباء الاقتصادية على دول الخليج وأوروبا، ما قد يدفعها لتسريع مشروعات بديلة للمضيق، مثل “ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا”. يصبح هذا السيناريو وارد الحدوث. 

تقييم وقراءة مستقبلية

– تُعتبر حرب إيران مختلفة تمامًا عن إي حروب سابقة، في ظل سعي إيران لجرّ الدول المجاورة إلى حرب إقليمية أوسع، فالحرب يراقبها الأوروبيون ودول الخليج بتحفظ شديد، لأن مصالحهم الأمنية والاقتصادية على المحك لا سيما خلال الثلاث سنوات القادمة.

– يكمن مفتاح خفض التصعيد في دول الخليج، لذا فمن المتوقع أن يبادر الاتحاد الأوروبي بالاستثمار سياسيًا وأمنيًا في تحالفات أوسع مع هذه الدول، بهدف احتواء التهديدات المتصاعدة وحماية طرق الطاقة والتجارة العالمية. قد يدفع ذلك بروكسل إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي والدفاعي مع العواصم الخليجية لتقليل احتمالات الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع مستقبلًا.

– من المحتمل أن ترتفع مخاطر عدم استقرار مضيق هرمز عبر مهاجمة إيران لناقلات النفط عمدًا، ما يؤدي إلى ارتفاع كٌلف التأمين البحري بشكل حاد وزيادة تكاليف الشحن والطاقة عالميًا. ما يدفع الدول المستوردة للطاقة إلى تعزيز وجودها العسكري البحري، وتسريع وتيرة البحث عن مسارات بديلة لتأمين الإمدادات وتقليل الاعتماد على المضيق مستقبلًا.

– من المرجح أن تتجاوز المخاطر قطاع الطاقة، إذ ستتأثر العديد من المنتجات الاستراتيجية المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية. وقد يؤدي أي اضطراب طويل في الملاحة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والكيماوية والمعادن الصناعية، ما يفرض ضغوطًا اقتصادية متزايدة على الأسواق الأوروبية والآسيوية ويدفع الحكومات إلى مراجعة استراتيجيات الأمن الاقتصادي والتجاري مستقبلًا.

– يبقى الغموض متعلقًا بشأن بقاء النظام الإيراني ومن الذي سيحل محله في حال تعرضه لهزات داخلية عميقة أو ضغوط خارجية متصاعدة. كما أن غياب تصور واضح لمرحلة ما بعد النظام يثير مخاوف إقليمية ودولية من احتمال حدوث فراغ سياسي أو أمني قد يفتح المجال أمام صراعات داخلية وتنافس إقليمي طويل الأمد.

**

– الاحتمال الأرجح ليس تشكيل تحالف عسكري هجومي شامل، بل الانتقال نحو “سيناريو التدخل المحدود” أو ما يعرف بـ “الحصار مقابل الحصار”. في حال استمرت إيران في تهديد الملاحة، قد نرى تحالفات ظرفية تهدف إلى تأمين ممرات محددة أو الرد على عمليات التخريب بشكل جراحي ومحدود دون السعي لتغيير النظام أو الدخول في حرب برية. هذا النوع من التدخلات يتوافق مع العقيدة الأمنية الأوروبية الحالية التي تركز على “الدفاع النشط” والردع المتناسب، وهو ما قد يلقى قبولًا أوسع لدى الرأي العام والبرلمانات الأوروبية مقارنة بفكرة الحرب الشاملة.

– من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة محاولات أوروبية لتعزيز “الاستقلال الاستراتيجي” في المجال البحري، عبر تطوير قدرات مراقبة وردع ذاتية لا تعتمد كليًّا على المظلة الأمريكية. ستستمر أوروبا في لعب دور “المهدئ” في المنطقة، مع السعي لبناء آليات أمنية إقليمية تضم دول الخليج وإيران نفسها (في حال تغيرت الظروف السياسية) لضمان أمن الملاحة. إن الاتجاه العام للسياسة الأوروبية سيظل متمسكًا بـ “تعددية الأطراف” والحلول الدبلوماسية، مع استعداد متزايد للمشاركة في بعثات حماية بحرية تقنية ومعلوماتية، مما يجعل التعاون الأمني المستقبلي يتخذ طابعًا وظيفيًّا وتكنولوجيًّا أكثر منه طابعًا عسكريًّا تقليديًّا صداميًّا.

– ستظل السياسة الأوروبية تجاه الخليج محكومة بالتوازن الدقيق بين حماية المصالح الاقتصادية وتجنب الأزمات الأمنية الكبرى. مع تزايد الاعتماد على الغاز الخليجي، قد نرى موقفًا أوروبيًّا أكثر صرامة تجاه التهديدات الإيرانية، ولكن دون الانزلاق إلى تحالف عسكري تقوده واشنطن إذا كان يفتقر إلى الرؤية السياسية. التحدي الأكبر لأوروبا سيكون في كيفية الحفاظ على وحدتها الداخلية أمام الضغوط الأمريكية المتزايدة والانتهاكات الإيرانية المستمرة، مما قد يدفعها في النهاية إلى تشكيل “ائتلافات الراغبين” من بعض الدول القوية (مثل فرنسا وبريطانيا) للقيام بمهام أمنية محددة في الخليج بعيدًا عن غطاء الاتحاد الأوروبي الرسمي.

– وجود الصين وروسيا داعمَيْن استراتيجيين لإيران يرفع من كلفة أي مغامرة عسكرية غربية إلى مستويات غير مسبوقة، ويدرك المخططون العسكريون في الغرب أن مواجهة إيران قد تعني الدخول في صدام غير مباشر مع القوى الكبرى، مما قد يحول النزاع الإقليمي إلى صراع عالمي، ما يفرض على الدول الأوروبية والولايات المتحدة التفكير مليًّا قبل الإقدام على خطوة تشكيل تحالف عسكري هجومي.

– يبدو أن تشكيل تحالف عسكري دولي ضد إيران سيظل مستبعدًا ما لم تحدث “نقطة تحول” كبرى، مثل تجاوز إيران للعتبة النووية أو القيام بعملية عسكرية كبرى تغلق مضيق هرمز تمامًا. دون هذه الصدمات، سيظل الموقف الدولي منقسمًا، وستظل أوروبا تفضل أدوات القوة الناعمة والحضور العسكري الدفاعي. إن مستقبل أمن الخليج سيعتمد على مدى نجاح القوى الدولية في بناء نظام أمني إقليمي مستقر يقلل من الحاجة للتحالفات العسكرية الخارجية، وهو مسار طويل وشائك يتطلب إرادة سياسية وتوافقات كبرى لا تزال مفقودة في المشهد الجيوسياسي الحالي.

**

– بات المشهد في مضيق هرمز أكثر تعقيدًا، مقارنة ببداية حرب إيران، نظرًا لأنه أصبح ضمن أوراق الضغط لدى واشنطن وطهران، ما أدى لتغير المعادلة العسكرية وانتقال الحرب من مرحلة المواجهات المباشرة جوًا، إلى المواجهات البحرية ومعركة “تكسير العظام” عبر استخدام الطاقة والاقتصاد والممرات البحرية، كسلاح في الصراع، الأمر الذي يدفع لسيناريو شديد السوء يرتبط بتدهور الاقتصاد العالمي، وتهديد أمن الطاقة العالمي.

– أصبح أمن مضيق هرمز مرتبطًا، بعودة المباحثات وإمكانية اختراق حالة الجمود، التي تمر بها المفاوضات بين واشنطن وطهران. وتعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبكين، نقطة محورية في مسار هذه المباحثات، خاصة وأن الصين فتحت قنوات اتصال بين طرفي المفاوضات، دون الإعلان بشكل رسمي، وستصبح الأيام المقبلة حاسمة في دور الصين بشأن مسألة الحصار الأمريكي والإيراني للمضيق، وفرص تقريب وجهات النظر بين طرفي الصراع.

– من المتوقع أن تتوسع أوروبا والخليج، في الشراكة في مجالات الأمن السيبراني والبحري، لتأمين حركة الملاحة وحماية البنية التحتية الحيوية بالممرات المائية، لاسيما وأن أوروبا متفوقة في هذا المجال، بحكم خبرتها في البحر الأسود وبحر البلطيق، في ظل التهديدات الروسية.

– من المرجح أن تتجه دول الخليج، إلى تنويع شراكاتها في مجال التسليح، مع الشركاء في الغرب وروسيا والصين، تحسبًا لأي متغيرات جيوسياسية وأمنية، وتفاديًا لأي تحديات سياسية ولوجستية وقانونية، في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

– سيعمل الاتحاد الأوروبي على مناقشة الخلافات الداخلية، المتعلقة بمسألة الدفاع والأمن، والتي قد تعيق إبرام اتفاقيات دفاعية وأمنية مع دول الخليج. ومن المحتمل الاعتماد على التعاون في إطار ثنائي، لتسريع عملية تأمين حاجة الجانبين الأوروبي والخليجي، من إمدادات الطاقة والغذاء والسلع عبر الممرات المائية.

– قد تنعكس المخاوف الأوروبية، بشأن إعادة توزيع القدرات البحرية بين بحر البلطيق والبحر الأسود والخليج العربي، على طبيعة أي مهمة أوروبية محتملة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. ومن المرجح أن تقوم فرنسا بدور قيادي في أي انتشار بحري أوروبي بالمضيق، بدعم بريطاني مباشر، في حين قد تركز ألمانيا على الأدوار اللوجستية. وقد تفرض حرب أوكرانيا على أوروبا، تجنب استنزاف قدراتها البحرية في أكثر من مسرح عملياتي في وقت واحد.

– تمثل المصالح الخليجية الأوروبية المشتركة، نقطة رئيسية في تأسيس تحالف لحماية الملاحة الدولية والأمن الإقليمي، في ضوء تأكيد فرنسا على استعداد أوروبا للقيام بالمهمة في المضيق، وإبداء دول الخليج استعدادها للمشاركة، لكن ستظل أيضًا المخاوف من اتساع رقعة الصراع، ورد فعل إيران بشأن هذا التحالف، عائقًا أمام تأسيسه. لذا من المتوقع أن تتحايل أوروبا ودول الخليج على الموقف، وأن يكون التعاون غير معلن، في إطار تعاون متعدد الأطراف، لضمان توزيع الأعباء السياسية والأمنية والموارد المالية، على الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code