الأربعاء. يونيو 3rd, 2026
0 0
Read Time:8 Minute, 0 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ترتبط التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط ارتباطاً وثيقاً بالتحركات والأنشطة الأمنية العابرة للحدود، حيث شكَّلت الساحة الأوروبية أحد الميادين الرئيسية التي تتحرك فيها الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية لتصفية الحسابات السياسية وإرسال الرسائل الأمنية. ولم تكن العمليات الأمنية الإيرانية في العمق الأوروبي وليدة الصدفة، بل جاءت دائمًا صدىً لارتفاع منسوب التصعيد الإقليمي أو الدولي ضد طهران، ومحاولة منها لفرض قواعد اشتباك جديدة تتجاوز حدودها الجغرافية التقليدية.

وظفت طهران ترسانة من الأدوات التي تتداخل فيها العمليات الاستخباراتية الميدانية والاختراقات السيبرانية بتجنيد شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ولم تعد هذه التحركات مجرد تكتيكات أمنية منفصلة، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لامتلاك أوراق ضغط جيوسياسي ومساومة استراتيجية في وجه العواصم الغربية بهدف تحويل الاستقرار الداخلي لأوروبا إلى جبهة خلفية موازية لملفات التفاوض الشائكة.

الأنشطة الاستخباراتية الإيرانية في أوروبا

كشفت أجهزة الاستخبارات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة عن نمط متصاعد من العمليات الأمنية والتخطيط لهجمات فوق أراضيها، مدعومة باتهامات صريحة من القضاء الأوروبي لوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية (MOIS) والحرس الثوري. ومن أبرز هذه الحوادث اعتقال مواطن عراقي–إيراني يدعى “محمد باقر السعدي” في تركيا، مايو 2026، وترحيله إلى الولايات المتحدة، حيث كشفت تحقيقات وعمليات استخباراتية أمريكية وأوروبية أنه العقل المدبر للهجمات على اليهود في أوروبا.

ـ إيطاليا: كشفت تحقيقات في يوليو 2025 عن شبكة تجسس إيرانية تدار من السفارة في روما تستهدف معارضين إيرانيين، عبر المراقبة والتهديد، تشمل تمويلًا من السلطات الإيرانية.

ـ كشفت السلطات الأوروبية في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا عن تفكيك شبكة تهريب تابعة لحزب الله، تعمل في مختلف أنحاء أوروبا في أبريل 2025، حيث اعترضت كميات كبيرة من مكونات الطائرات المسيرة. شملت أنظمة توجيه إلكترونية ومحركات ومراوح ومركبات كيميائية لتجميع الطائرات المسيرة.

ـ النرويج: أعلنت السلطات في أوسلو في النرويج خلال شهر مارس 2026 اعتقال ثلاثة أشقاء يشتبه بتورطهم في تفجير استهدف مبنى سفارة الولايات المتحدة في أوسلو. وأفادت الشرطة النرويجية أن الانفجار وقع خلال ساعات الفجر باستخدام عبوة ناسفة بدائية، ما أدى إلى أضرار مادية في مدخل القسم القنصلي للسفارة دون وقوع إصابات.

ـ المملكة المتحدة: نفذت وحدة مكافحة الإرهاب، في مايو 2025، عمليات واسعة النطاق، تمثلت في اعتقال ثمانية إيرانيين يُشتبه في تورطهم في أنشطة غير قانونية مدعومة من الدولة. وقد ركزت العملية الأولى على اعتقال خمسة رجال بتهمة التخطيط لشن هجوم إرهابي، وتشير التقارير الأولية إلى أن هذه الخطة قد استهدفت موقعًا يهوديًّا، ما يتوافق مع أنشطة إيرانية أخرى حديثة في أوروبا.

ـ ألمانيا :أكد جهاز الاستخبارات العسكرية الألماني في فبراير 2026، أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية ما زالت من بين أبرز الجهات التي تنفذ أنشطة تجسسية ضد الجيش الألماني، محذرًا من مخاطر قد تطال منشآت عسكرية أو سلامة الجنود في ظل بيئة أمنية متوترة.

ـ “اليوروبول” : حذرت وكالة الشرطة الأوروبية في مارس 2025 من أن التوترات المرتبطة بإيران قد تؤدي إلى تداعيات مباشرة على أمن أوروبا، بما في ذلك ارتفاع خطر الإرهاب والهجمات الإلكترونية والجريمة المنظمة.  وأشارت الوكالة إلى احتمال استغلال الصراع في تنفيذ حملات تأثير أو عمليات مزعزعة للاستقرار داخل القارة، بما في ذلك أنشطة الترهيب والتمويل غير المشروع والهجمات السيبرانية.

الإجراءات الأمنية الأوروبية

كثفت الدول الأوروبية تنسيقها الاستخباراتي وتبادل المعلومات تحت مظلة الاتحاد الأوروبي لمواجهة التهديدات الأمنية المتنامية ومحاولات التأثير الخارجي والتجسس التي تمثلها إيران،، مع تفعيل بروتوكولات رصد دقيقة لحماية أمنها القومي ومنع تحول القارة إلى ساحة غير مباشرة للصراعات الإقليمية. وتُظهر هذه التطورات تحول ملف الأنشطة المرتبطة بإيران من مجرد تحذيرات استخباراتية مبكرة إلى ملاحقات قضائية وإجراءات رسمية، وهو ما يفرض استمرار مستويات اليقظة الأمنية المرتفعة لمواجهة ارتدادات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط على الداخل الأوروبي؛ ولتحقيق ذلك، تتبنى أجهزة الاستخبارات مقاربة وقائية حازمة تشمل تكثيف الرقابة على العناصر المشبوهة، وحماية المؤسسات العسكرية والبنى التحتية الحساسة، وتطوير قدرات الردع السيبراني لصد الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل، بالتوازي مع اتخاذ تدابير دبلوماسية وقانونية تضمن الالتزام بالقانون الدولي.

أدانت بريطانيا و(13) دولةً حليفةً لها من بينها الولايات المتحدة وفرنسا، في يوليو 2025،  ما وصفته بتصاعد مؤامرات الاغتيال والخطف والمضايقة التي تنفّذها أجهزة الاستخبارات الإيرانية، وتستهدف أفرادًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، ودعت حكومات ألبانيا والنمسا وبلجيكا وكندا والتشيك والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، السلطات الإيرانية إلى وقف مثل هذه الأنشطة غير القانونية على الفور، وقالت إنّ مثل هذه الأفعال تتم بشكل متزايد بالتعاون مع شبكات إجرامية دولية. شبكات التجسس الإيرانية في أوروبا ـ ألمانيا: البنية، أدوات العمل، ومستويات التهديد

 الأهداف الإيرانية داخل أوروبا

تتعدد الأهداف الاستراتيجية التي تسعى طهران لتحقيقها من خلال تفعيل خلاياها الأمنية داخل القارة الأوروبية، وتأتي على رأسها مراقبة ومتابعة أنشطة الجماعات المعارضة في الخارج لمنعها من تشكيل تهديد منظم للنظام في الداخل، لاسيما بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في الأعوام الماضية. وإلى جانب تصفية أو ترهيب الرموز السياسية المعارضة، تهدف هذه العمليات إلى حماية المصالح السياسية والاستراتيجية للنظام الإيراني عبر اختراق مراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية وجمع المعلومات الحساسة حول توجهات السياسة الخارجية الأوروبية وآليات اتخاذ القرار في بروكسل.

وتستخدم طهران العمليات الاستخباراتية كأداة ضغط غير متناظرة في العلاقات الدولية لثني الحكومات الأوروبية عن اتخاذ مواقف متشددة في ملفات حقوق الإنسان أو التسلح الصاروخي، مع السعي لبناء نفوذ سياسي واجتماعي طويل الأمد عبر واجهات دينية وثقافية مموهة تُستغل للتجنيد وتهيئة غطاء لوجستي مستدام للخلايا النائمة.

الأنشطة الأمنية كأداة ضغط جيوسياسي

تعتمد طهران بشكل متزايد على شبكات استخباراتية خارجية، تتجاوز جمع المعلومات التقليدية لتشمل عمليات تجسس، وهجمات سيبرانية، ودعم أذرع إقليمية، حيث تهدف إيران من هذه الأنشطة إلى تحقيق ضغط جيوسياسي، وتعزيز أوراقها التفاوضية، وتحقيق الردع عبر توسيع ساحات المواجهة لتشمل تهديد خطوط الملاحة، وممارسة النفوذ خارج حدودها، حيث يظهر ارتباط وثيق بين وتيرة هذه العمليات ومعدلات التصعيد السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تجلى هذا الترابط بشكل صارخ عقب انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي (JCPOA) في مايو 2018، وفرض سياسة “الضغوط القصوى”، إذ ردت إيران بنقل الصراع إلى الفضاء السيبراني والعملياتي البحري والجغرافي بما في ذلك الساحة الأوروبية.

وتشير السيناريوهات التحليلية المدعومة ببيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن إيران تعتمد استراتيجية “الدفاع الهجومي المتقدم” ضمن ما يعرف بـ”المنطقة الرمادية”، بهدف إرسال رسائل ردع واضحة للأوروبيين مفادها أن استمرار سياسة “الضغوط القصوى” الأمريكية أو تماهي الاتحاد الأوروبي مع العقوبات العابرة للحدود سيقابله زعزعة للاستقرار الأمني الداخلي في العواصم الغربية، مما يجعل العمليات الأمنية أداة مساومة حيوية لرفع العقوبات أو تعطيل القرارات الأوروبية المعادية.

وتحاول إيران توظيف “العمليات الأمنية الهجينة”– التي تشمل التحركات الاستخباراتية الميدانية والهجمات السيبرانية – التي زادت وتيرتها بعد الحرب الأمريكية على إيران – كأداة مساومة جيوسياسية حيوية. الغرض من هذه العمليات هو تحويل الأمن القومي الأوروبي إلى “ورقة تفاوض” للضغط من أجل تخفيف العزلة الاقتصادية، أو لثني الدول الأوروبية عن استضافة أنشطة المعارضة، لينتقل بذلك الحساب الاستراتيجي الإيراني من الدفاع الساكن إلى “تصدير القلق الأمني” للغرب، لضمان أن تظل أي تكلفة اقتصادية تفرض على طهران مرتبطة بتكلفة أمنية موازية تتحملها العواصم الغربية. 

انعكاسات الأنشطة على أمن أوروبا والأمن الدولي

ترفع الأنشطة الأمنية الإيرانية من نسبة المخاطر الأمنية وتهدد سلامة وحرية المجتمعات الأوروبية عبر انتهاك سيادة القانون ونشر الخوف بين أوساط الجاليات المقيمة، وتلقي هذه العمليات التخريبية بظلالها القاتمة على مسار العلاقات الأوروبية-الإيرانية، إذ أدت إلى تجميد قنوات الحوار الدبلوماسي وتخفيض مستوى التمثيل والدخول في دوامات من طرد الدبلوماسيين وفرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية والأمنية من قبل الاتحاد الأوروبي. وتقود هذه المعطيات إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن طهران لا ترى في القارة الأوروبية شريكاً اقتصاديًّا أو سياسيًّا محضًا، بل ساحة مفتوحة لتمرير أجندتها الجيوسياسية وحماية بقاء نظامها بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب تقويض منظومة الأمن والاستقرار الدوليين واختراق القوانين والمعاهدات التي تنظم العلاقات بين الدول.

وأكد “ألكسندر دوبريندت”، وزير الداخلية الألماني، أن مستوى التهديد الأمني في ألمانيا لا يزال مرتفعًا، مشيرًا إلى أن التوترات الإقليمية، خصوصًا حرب إيران، ساهمت في زيادة المخاطر المحتملة، وأوضح أن السلطات الألمانية تواصل التنسيق الوثيق مع الأجهزة الأمنية الأوروبية والدولية لرصد أي تهديدات محتملة واتخاذ الإجراءات اللازمة عند ظهور مؤشرات ملموسة. فيما حذرت الأجهزة الأمنية الألمانية من أن الشبكات الإيرانية عملت على شن هجمات يمكن إنكارها على أهداف مدنية كالمعابد اليهودية والمواقع السياحية، متجنبة بذلك توجيه الاتهام المباشر إلى طهران. وتُظهر الحوادث اعتماد إيران المتزايد على وسطاء ذوي توجه أيديولوجي محدود أو خبرة تكتيكية ضئيلة، بمن فيهم قاصرون ومجرمون صغار تحركهم دوافع مالية، وهذا تكتيك تستخدمه روسيا غالبًا في عملياتها الهجينة في جميع أنحاء أوروبا.

تقييم وقراءة مستقبلية

– نجحت الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الأوروبية نجاحًا ملحوظًا في إحباط العديد من المؤامرات المعقدة خلال العقد الماضي بفضل التنسيق عالي المستوى بين وكالات الاستطلاع، إلا أن نقطة الضعف تكمن في الحساسية السياسية والاقتصادية التي تبديها بعض الحكومات الأوروبية والتي تمنع أحياناً اتخاذ ردود فعل حاسمة وجذرية خوفاً من قطع قنوات التفاوض بشكل كامل أو تعريض مواطنيها المحتجزين في طهران للخطر، فيما يعرف بدبلوماسية الرهائن.

– تشير التوقعات إلى أن الساحة الأوروبية ستظل مسرحًا للعمليات الاستخباراتية الإيرانية، لاسيما مع استمرار الجمود المحيط بالملف النووي وتعميق التحالف العسكري والتقني بين إيران وروسيا، مما يرجح انتقال طهران نحو استخدام أدوات هجينة تجمع بين الهجمات السيبرانية المتقدمة ضد الشبكات الحكومية وتوظيف شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات كبدلاء لتنفيذ العمليات الميدانية، لتفادي الإسناد المباشر والإفلات من العقوبات الدبلوماسية الرسمية، الأمر الذي يفرض على الاتحاد الأوروبي ضرورة صياغة استراتيجية ردع موحدة وصارمة تضع أمن مواطنيه وسيادته فوق حسابات المصالح الدبلوماسية المؤقتة.

– مع استمرار الحرب وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، من المرجح أن تبقى أنشطة الشبكات المرتبطة بإيران في أوروبا ضمن مستوى يقظة أمني مرتفع، خصوصاً في بيئة تتسم بالاستقطاب السياسي وتكثف الحملات السيبرانية ومحاولات التأثير الإعلامي.

–  ترتبط هذه الأنشطة بمحاولات مراقبة معارضين أو جمع معلومات أو تنفيذ عمليات تأثير غير تقليدية، وهي أنشطة قد تتزايد خلال فترات الأزمات الإقليمية، وفي ما يتعلق بالبعثات الدبلوماسية، تشير بعض التقارير إلى أن حالات سابقة تضمنت استخدام غطاء دبلوماسي في عمليات محددة، إلا أن هذه الاتهامات تبقى خاضعة للتحقيقات القضائية والتقييم الأمني لكل حالة على حدة.

– من المرجح أن تواصل الدول الأوروبية تعزيز الرقابة القانونية وتوسيع التعاون الاستخباراتي، مع الحفاظ على الإطار الدبلوماسي والقانوني الذي ينظم عمل السفارات وفق اتفاقيات فيينا.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الإستخبارات

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code