حسن محمد عبداللطيف
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في ودان، حيث تضرب الجذور في عمق التاريخ وتتعانق السعفات بصفاء السماء، لا يذكر النخيل إلا ويذكر معه أسم ارتبط بها كظلها، وكشف أسرارها كما يقرأ العراف طالع النجوم…. إنه الدكتور/ الزروق أحمد الدنقلي، الرجل الذي لم يكن لقبه الأكاديمي مجرد شهادة معلقة، بل صار رسالة يحملها في قلبه وبين كفيه لكل حبة رمل في مسقط رأسه.
حين تمشي في مزارع طريق زلة المتمدة وتلتقي بهذا الرجل، تدرك أنك أمام صديق النخلة الذى يشعر بوجعها قبل أن يظهر، ويتحسس غدر الإهمال الذى قد يطال صمودها، الدكتور الزروق. ليس خبيراً زراعياً تقليدياً، بل هو طبيب روح الأرض، يكتشف أمراضها ببصيرته قبل خبرته، ويقف في الميدان كجندي مرابط، بعيداً عن أضواء المناصب وبهرجة الكراسي التي زهد فيها، مفضلاً عليها تراب المزرعة ودعوات البسطاء.
لقد إستطاع إبن آل الدنقلى أن يجمع بين هيبة العالم وتواضع الإنسان الشعبي، تجده مناصحاً، متابعاً، مقترحاً للحلول فى كل محفل يخص مدينته، سواء كان زراعياً، ثقافياً، أو إجتماعيآ، إنه يمثل ذلك النوع النادر من الرجال الذين يعملون بنية بيضاء وقلب صافى، لا يبحث عن مغنم بل عن رفعة مدينته، لتكون ودان دوماً في مصاف المدن الرائدة بجمالها وعطائها تراه فى الندوات والمؤتمرات صوتاً رزيناً يحمل أسم “ودان” إلى آفاق بعيدة، وتجده في طرقات المدينة أخاً وصديقاً للجميع، يسأل عن الصغير والكبير، ويقدم المعرفة كهدية مغلفة بالمحبة، لا يبخل بها على أحد، ولا يضع بينه وبين الناس حجاباً من حسابات أو مصالح.
إن الحديث عن الدكتور/ الزروق أحمد الدنقلي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو أعتراف بجميل رجل آثر البقاء في خندق العطاء الصامت. إنه النخلة الباسقة في بستان ودان، التي تعطي ثمرها للجميع دون منّ، وتظلل بفيئها كل من التجأ إلى علمها وحكمتها. حفظ الله هذا الرجل البار، وأمد في عمره، ليبقى نبراساً يضيء دروب المزارعين ورمزاً للوفاء الذي قلّ نظيره في زماننا هذا.
بدأت الرحلة من الجامعة الليبية عام 1972، حيث تخرج الدكتور الزروق متسلحاً بالطموح، ليكون من أوائل الموفدين الذين نقلوا المعرفة من أعرق الجامعات الأمريكية. عاد في عام 1980 حاملاً شهادتي الماجستير والدكتوراه، ليس ليرتاح، بل ليبدأ معركة البناء كعضو هيئة تدريس بقسم علوم وقاية النبات بكلية الزراعة في طرابلس.
لم يكتفِ الدكتور الدنقلي بالسبورة وقاعة المحاضرات، فحين أُسندت إليه رئاسة مجلس إدارة جهاز النخيل والزيتون، تحولت رؤيته العلمية إلى واقع ملموس. شهدت مناطق فزان والمنطقة الوسطى فى عهده توسعاً غير مسبوق فى المشاريع الزراعية. وبنظرة “الحريص على الموروث”، أسس المحميات والمحطات لتربية وتجديد “أمهات النخيل” المحلية، صوناً للأصول الوراثية الليبية من الاندثار.
ثورة “الزراعة النسيجية” ودعم المزارع ويسجل للتاريخ أن الدكتور الزروق هو مؤسس أول مختبر تقني حديث لزراعة الأنسجة لأشجار النخيل في ليبيا. لم تكن مجرد تجربة معملية، بل كانت “جسراً” لنقل الفسائل المتميزة مثل (البرحي والمجهول) إلى يد المزارع البسيط بأسعار مشجعة، مما ساهم في تغيير وجه خارطة الإنتاج الزراعي الوطني.

أ.د حلومة الدنقلي ((حرمه ))
م.بشير الدنقلي ((الحفيد ))
يمثلون ليبيا في مؤتمر بالاردن
دولياً، لم يكن الدكتور الزروق غريباً على المحافل العالمية؛ فقد اختير نقطة ارتكاز ومنسقاً قطرياً للعديد من المنظمات مثل (FAO) والمنظمة العربية لوقاية النبات. وباتت أبحاثه حول آفة “النيماتودا” ودليله الشهير “آفات وأمراض شجرة النخيل” مراجعاً لا غنى عنها للباحثين والمزارعين على حد سواء.
إن أعظم ما تركه الدكتور الدنقلي، بجانب مشاريعه هم البشر؛ حيث أشرف على تأهيل العشرات من الكوادر الوطنية لنيل الماجستير والدكتوراه، ليزرع في كل واحد منهم روح البحث والإخلاص.
اليوم، وبينما يقدم استشاراته بكل سخاء للرقي بالتعليم العالي والقطاع الزراعي، يظل الدكتور الزروق الدنقلي نموذجاً “للكفاءة المهدرة” التى يجب أن تستعاد لتكون حجر الزاوية فى أي مشروع لإعادة إعمار القطاع الزراعي على أسس علمية رصينة.
تحية إكبار لبروفيسور لم يزده العلم إلا تواضعاً، ولم تزده السنين إلا حباً لهذه الأرض الطيبة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
