فريحه سليمان المريمي
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_لم تكْ درنة تعرف ، أن ليل الأحد سيأتي محمّلاً بالدمع والماء والموت .
كان الناس يتهيّأون للنومِ ، على أصواتِ زخاتِ المطرِ التي ألفوها ، ولم يعلموا أن السماء تخبئ في أحشائها نهراً جامحاً قادماً ، ليقلب المدينة رأساً على عقب .
في تلك الليلة ، انطفأت الكهرباء أولاً ، ثم أرتفعت الأصوات من على ضفاف الوادي ، وسفوح الجبالِ المطلة عليه ، وصار الرعد كطبول حربٍ قديمةٍ ، تُعلن عن معركة لا ينجو فيها أحد .
الريح تعصف بالأبواب ، والماء يتسلل من تحتِ النوافذِ كوحشٍ يبحث عن ضحيته .
كانت أمّ مؤيد تضم أبناءها الستة إلى حضنِها ، تقول بصوتٍ مرتجف :
الطمأنينة بيد الله يا أولادي ، خلوها علينا خيرة
لكن الطوفان لم يُمهل أحداً .
في دقائق معدودة ، صار البيت مركباً غارقاً ، والشارع نهراً من طينٍ ودموع وعبرات .
أختلطت أصوات التكبير بالنداءِ والتشهد ، وصارت درنة تصرخ ولا مجيب .
مع الفجر ، هدأ كل شيء .
لكن المدينة لم تعد هي المدينة .
الوجوه التي كانت تملأ الأسواق ، والطرقات صارت صوراً في ذاكرة من نجا .
كل بيت فيه غياب ، وكل قلبٍ مُنفطرٍ فيه سؤال :
كيف يُمكن أن يبتلع الماءُ مدينةً كانت تُعانق البحر منذ الأزل القديم ؟!!!
وقف أحد الشباب على ضفة الوادي ، يحمل في يده راية صغيرة عليها إسم درنة ، رفعها نحو السماء وقال :
ما غرقت يا درنة ، ما زلنا نستنشق هوائكِ العليلِ من بين الركام
ومن بين الركام ، بدأت الحياة تُطلّ بخجلٍ
امرأة تكنس التراب عن عتبة بيتها المهدوم
طفل يبحث عن لعبتهِ القديمةِ
وشجرة رمانٍ بقيت واقفة رغم الطوفان
درنة لم تمت
غرقت أجسادٌ كثيرة ، لكن روحها ظلّت تُضيء
فالمدن لا تموت ما دامت تُحَبّ
و” طوفان درنة ” لم يكن نهاية ، بل بداية لحكايةٍ جديدة ، تُروى على لسان من نجوا ، وتُكتب بدموعٍ لم تجفّ بعد .
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
