شبكة المدار الإعلاميةالأوروبية …_يمثل الإرهاب تهديدا خطيرا لأمن مواطني أوروبا. وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا في وتيرة وحجم التهديدات الإرهابية داخل الاتحاد الأوروبي. ويتجلى تزايد تعقيد عمل السلطات القضائية المعنية بالإرهاب في العدد المطرد من قضايا الإرهاب الجديدة التي يتم تنسيقها من خلال الأعضاء الوطنيين والمدعين العامين المتصلين في يوروجست. وتتزايد وتيرة تنظيم الجماعات الإرهابية ونشاطها عبر الحدود، مما يفرض تحديات متزايدة على السلطات الوطنية في الدول الأعضاء وغيرها. كما يمثل الطابع غير المتوقع للإرهاب الفردي تحديا إضافيا للسلطات الوطنية.
دور حاسم في كشف عدة هجمات نفذت في أنحاء أوروبا
لعب فريق تحقيق مشترك في مارس 2026 من السلطات الألمانية والليتوانية والهولندية والبولندية والبريطانية، تم تشكيله بتنسيق من يوروجست، دورا حاسما في كشف العملية التي تقف وراء عدة هجمات نفذت في أنحاء أوروبا باستخدام طرود ذاتية الاشتعال. وقد تضافرت جهود السلطات بعد اشتعال عدة طرود في ألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، مما أدى إلى أضرار لحقت بخدمات البريد التي كانت تنقلها. وأسفرت هذه الجهود التعاونية عن تحديد هوية 22 مشتبها بهم في ليتوانيا وبولندا، يُشتبه في عملهم لصالح جهاز المخابرات العسكرية الروسية. وقد أحيلت قضيتان إلى المحاكم في ليتوانيا وبولندا، ومن المتوقع أن تبدأ المحاكمات خلال العام 2026.
في يوليو من العام 2024، أرسلت أربع طرود من ليتوانيا إلى عناوين في المملكة المتحدة وبولندا.
اشتعلت النيران في أحد الطرود، الذي أرسل عبر مركز فرز في ألمانيا، في مطار لايبزيغ، قبل تحميله على متن طائرة بوقت قصير. واشتعلت النيران في طرد آخر داخل مستودع في المملكة المتحدة. وفي بولندا، اشتعلت النيران في طرد داخل شاحنة. صادرت السلطات الطرد الثاني وهو لا يزال سليما، مما مكن من تحليل الجهاز المستخدم وتقييم مدى الضرر الذي قد يسببه. كما كشف التحقيق عن طردين تجريبيين أرسلا إلى الولايات المتحدة وكندا، بالإضافة إلى طردين في أمستردام كانا موجهين إلى الوجهتين نفسيهما. ويشتبه أيضا في أن هذه الطرود كانت تجريبية.
احتمالية وقوع حوادث مماثلة في المستقبل
نظرا للأضرار المحتملة التي قد تسببها الطرود، واحتمالية وقوع حوادث مماثلة في المستقبل، كان التعاون بين السلطات في جميع أنحاء أوروبا أمرا بالغ الأهمية. وقد أنشأت منظمة يوروجست فريق تحقيق مشتركا، ومولته، ضم سلطات من ألمانيا وليتوانيا وبولندا وهولندا والمملكة المتحدة، لدعم التحقيقات الجارية ومنع وقوع حوادث مماثلة في المستقبل. وقدمت يوروبول الدعم العملياتي للدول المعنية. كشف هذا التعاون عن العملية التي تقف وراء الطرود ذاتية الاشتعال. تم تجنيد الجناة المحتملين وتزويدهم بالتعليمات عبر خدمة مراسلة إلكترونية. وزعت المهام بين عدة متهمين مزعومين، وغالبا ما كانت تدفع أجورهم بالعملات المشفرة. تم تجنيد المشتبه بهم من روسيا ولاتفيا وإستونيا وليتوانيا وأوكرانيا، وكانوا في كثير من الأحيان يعانون من أوضاع اجتماعية واقتصادية هشة. ويُشتبه في أن هذه الأعمال نفذت بتكليف من جهاز المخابرات العسكرية التابع للاتحاد الروسي.
اجتمعت السلطات عدة مرات في يوروجست لتنسيق التحقيقات الجارية، والكشف عن أي صلة بحوادث حرق متعمد أخرى، وإعداد القضايا لعرضها على المحاكم في بولندا وليتوانيا. وقد تم تحديد 22 مشتبها في كلا البلدين، وأحيلت قضيتان إلى المحاكم. ومن المتوقع أن تبدأ محاكمات المشتبه بهم خلال العام 2026. وتواصل يوروجست مشاركتها في التحقيقات المتعلقة بهذه الأعمال غير القانونية التي يُزعم أن أجهزة استخبارات أجنبية تقوم بها في أنحاء أوروبا. وتعمل الوكالة على إيجاد صلات بتحقيقات أخرى في أعمال مماثلة، وتنسق التعاون بين الدول المعنية. تم تنفيذ هذه الإجراءات من قبل السلطات التالية، ألمانيا: مكتب المدعي العام الاتحادي؛ مكتب الشرطة الجنائية الاتحادي ليتوانيا: مكتب المدعي العام؛ مكتب الشرطة الجنائية، وهولندا: الشرطة الوطنية الهولندية؛ النيابة العامة الوطنية الهولندية، وبولندا: فرع مازوفيا التابع لإدارة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد في مكتب المدعي العام الوطني في وارسو؛ وكالة الأمن الداخلي، والمملكة المتحدة: شرطة مكافحة الإرهاب في لندن ودائرة الادعاء الملكي
تقرير رصد الإدانات المتعلقة بالإرهاب (TCM)
إضافة إلى الدعم القانوني والتشغيلي للتحقيقات والملاحقات القضائية المحالة إلى يوروجست طلبا للمساعدة، تحلل يوروجست كذلك الاجتهادات القضائية والخبرات الوطنية في التعامل مع مختلف جوانب استجابة العدالة الجنائية للإرهاب. ويتم تبادل هذا التحليل مع الممارسين القضائيين والجهات المعنية في الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تحديد التحديات المشتركة والدروس المستفادة وأفضل الممارسات. على سبيل المثال، يعد تقرير رصد الإدانات المتعلقة بالإرهاب (TCM) تقريرا صادرا عن يوروجست، يقدم نظرة عامة دورية على الأحكام المتعلقة بالإرهاب في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. ويهدف هذا التقرير إلى تشجيع وتسهيل تبادل المعلومات حول الإدانات والبراءة في قضايا الإرهاب في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. وقد أطلقته يوروجست عام 2008، ويتوفر منه العديد من الإصدارات للاطلاع عليها. في نوفمبر وديسمبر 2020، جمعت ورش عمل يوروجست للخبراء حول التطرف اليميني العنيف والإرهاب، ممارسين قضائيين وخبراء مكافحة الإرهاب لتبادل الخبرات وتحديد التحديات القانونية والعملياتية المشتركة في التحقيق في الجرائم التي ترتكبها الجماعات اليمينية المتطرفة والإرهابية والأفراد المنفردين ومقاضاة مرتكبيها.
النتائج
تشير هذه القضية إلى أن مشهد الإرهاب في أوروبا يتجه نحو مزيد من التعقيد والتشظي، حيث لم تعد التهديدات تقتصر على الهجمات التقليدية، بل باتت تشمل أساليب هجينة تعتمد على التخريب غير المباشر، مثل الطرود المفخخة أو عمليات الحرق عن بعد، وتنفيذها عبر شبكات عابرة للحدود.
في المستقبل القريب، من المرجح أن تواجه السلطات الأوروبية تصاعدا في نمط الإرهاب الموجه عن بعد، حيث يتم التخطيط والتنفيذ من خارج الدولة المستهدفة، مع استخدام وسطاء محليين يتم تجنيدهم عبر الفضاء الرقمي. هذا النمط يقلل من تكلفة العمليات على الجهات المنفذة ويزيد من صعوبة التتبع القانوني والاستخباراتي.
كما ستزداد أهمية التعاون القضائي والأمني الأوروبي، خصوصا عبر مؤسسات مثل يوروجست ويوروبول، باعتبارها أدوات مركزية لتنسيق التحقيقات العابرة للحدود. ومن المتوقع أن تتوسع صلاحيات هذه المؤسسات لتشمل قدرات تحليل بيانات أوسع، وربما استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الربط بين القضايا المتفرقة.
في المقابل، ستواجه الدول الأوروبية تحديات متزايدة تتعلق بحماية البنية التحتية اللوجستية والمدنية، مثل شبكات البريد والنقل والمطارات، باعتبارها أهدافا محتملة منخفضة التكلفة وعالية التأثير. كما سيصبح عنصر “التجنيد الهش اجتماعيا” نقطة ضعف أمنية متكررة، ما قد يدفع إلى سياسات وقائية تربط بين الأمن الاجتماعي ومكافحة التطرف.
على المدى البعيد، قد يؤدي استمرار هذه الأنماط إلى إعادة تعريف مفهوم الإرهاب نفسه داخل الاتحاد الأوروبي، بحيث يشمل أشكالا أقل وضوحا وأكثر اندماجا في الجرائم السيبرانية والهجينة. وفي المقابل، سيبقى التحدي الأساسي هو تحقيق توازن بين تعزيز الأمن وتجنب التضييق المفرط على الحريات العامة.
يتجه المشهد نحو بيئة أمنية أكثر سيولة، تعتمد فيها المواجهة على التنسيق الاستخباراتي والتكنولوجي بقدر ما تعتمد على الأدوات القانونية التقليدية.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
