آيه علي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يشهد التعاون العسكري بين تركيا وبريطانيا تطوراً متسارعاً يرتكز على صفقات دفاعية ضخمة، إلى جانب اتفاقيات متكاملة للدعم الفني واللوجستي وبرامج التدريب والتأهيل، مما يعكس تنامي مستوى التكامل العملياتي ونقل الخبرات العسكرية بين الجانبين. وفي هذا السياق، وقّعت بريطانيا وتركيا (يوم 25 مارس 2026) اتفاقاً جديداً بمليارات الجنيهات الإسترلينية لتعزيز التدريب والدعم العسكري، في إطار الصفقة التي أُبرمت في الأصل عام 2025 والتي بلغت قيمتها نحو (8) مليارات جنيه إسترليني، أي ما يعادل (10.73) مليار دولار.
ويشمل الاتفاق الجديد تدريب الطيارين وأطقم الخدمات الأرضية الأتراك داخل بريطانيا، بالتزامن مع استعداد أنقرة لتشغيل الدفعة الأولى من المقاتلات المُصنّعة في بريطانيا، الأمر الذي يعكس تصاعد مؤشرات الشراكة الدفاعية والأمنية بين البلدين، وانتقالها من نطاق التعاون التقليدي إلى مستوى أكثر عمقاً في إطار حلف الناتو، مما يعزز القدرات الجوية التركية، ويدعم -في الوقت نفسه- الصناعة الدفاعية البريطانية، ويُكرّس دور البلدين ضمن منظومة الردع الأطلسي.
مصالح متقاطعة
لا يقتصر التعاون العسكري بين تركيا وبريطانيا على البعد التسليحي المباشر، بل يعكس تقاطعاً في الرؤى والمصالح الاستراتيجية لكلا البلدين، في ظل سعيهما لإعادة التموضع داخل النظام الدولي. وفيما يلي استعراض لأبرز دوافع هذا التعاون:
1- تحديث وتطوير القدرات الجوية التركية: تسعى تركيا إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة عسكرية فاعلة في منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي يدفعها إلى تحديث قواتها الجوية. وفي هذا الإطار، تأتي الاتفاقية التي وقعتها لندن وأنقرة في أكتوبر 2025، والتي تشتري بمقتضاها تركيا (20) مقاتلة من طراز “يوروفايتر تايفون” باعتبارها خطوة نوعية في سبيل تعزيز قدراتها القتالية؛ إذ تتميز هذه المقاتلة بقدرات عالية في مجال القتال الجوي المتقدم، مما يزيد من قدرة تركيا على حماية أجوائها والمشاركة في عمليات دولية تحت مظلة الناتو.
من ناحية أخرى، يعكس هذا التوجه سعي أنقرة إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية، من خلال تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد على شريك واحد، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في إدارة علاقاتها الدفاعية والتعامل مع الضغوط السياسية المرتبطة
بصفقات السلاح، وذلك في ظل منافسات عسكرية إقليمية متصاعدة تشمل قوى إقليمية وأعضاء حلف الناتو، مما يجعل امتلاك مقاتلات حديثة أولوية استراتيجية لضمان التفوق الجوي في حالة النزاعات المستقبلية.
2- تعزيز الردع التركي في بيئة إقليمية مضطربة: يأتي تعزيز التعاون العسكري بين تركيا وبريطانيا في ظل بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستوى التهديدات الأمنية، سواء في شرق المتوسط أو الشرق الأوسط؛ إذ تتداخل الصراعات الإقليمية مع تنافس القوى الكبرى، ومن ثم فإن تعزيز القدرات الجوية يمنح أنقرة أداة فعالة للردع ويقوّي موقعها عند التعامل مع تهديدات محتملة أو سيناريوهات أمنية غير مستقرة، مما يعكس رغبة تركيا في تعزيز قدرتها على حماية مصالحها الإقليمية دون الاعتماد الكلي على حلفائها التقليديين.
وعلى سبيل المثال، بجانب أهمية صفقة “يوروفايتر تايفون” في تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية لأنقرة، مما يدعم موقفها التفاوضي ويمنحها أدوات إضافية للتأثير في توازنات القوى الإقليمية؛ فإنها تعكس بُعداً سياسياً من التعاون مع بريطانيا، يندرج ضمن مسعى أنقرة لتوسيع شبكة شراكاتها الدولية، الأمر الذي يُعزز مكانة تركيا بوصفها فاعلاً إقليمياً رئيسياً.
3- دعم الصناعة الدفاعية البريطانية وتعزيز الصادرات: يمثل قطاع الصناعات الدفاعية إحدى الركائز الحيوية للاقتصاد البريطاني، حيث تعتمد المملكة المتحدة على صادرات السلاح بوصفها أداة مزدوجة تجمع بين تحقيق العوائد الاقتصادية وتعزيز النفوذ السياسي الخارجي. وفي هذا السياق، تبرز صفقة مقاتلات “يوروفايتر تايفون” مع تركيا باعتبارها نموذجاً متقدماً لكيفية توظيف التعاون العسكري في خدمة الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية لبريطانيا، إذ تُعد من أبرز صفقات التصدير الدفاعي في السنوات الأخيرة، لما توفره من تدفقات مالية ضخمة ودعم مباشر للشركات الكبرى مثل BAE Systems وRolls-Royce، إلى جانب تنشيط شبكة واسعة من المورّدين ضمن سلسلة الإمداد الدفاعية.
ولا تقتصر أهمية هذه الصفقة على بُعدها التجاري، بل تمتد لتشمل تأثيرات هيكلية في سوق العمل؛ إذ تشير التقديرات الحكومية البريطانية إلى أن هذه العقود يمكن أن تدعم عشرات الآلاف من الوظائف عالية المهارة، سواء بشكل مباشر داخل شركات التصنيع الدفاعي أو بشكل غير مباشر عبر الصناعات المرتبطة بها، مما يعزز من استدامة القاعدة
الصناعية العسكرية في بريطانيا ويدعم سياسات النمو الاقتصادي طويلة المدى.
4- توسيع النفوذ الدفاعي البريطاني بعد “بريكست”: تندرج صفقات التعاون الدفاعي بين المملكة المتحدة وتركيا ضمن توجه استراتيجي أوسع تتبناه لندن منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، يقوم على إعادة بناء مكانتها الدولية باعتبارها قوة فاعلة عبر ما يُعرف بـ”استراتيجية بريطانيا العالمية” (Global Britain strategy)، والتي تستهدف توسيع الحضور البريطاني سياسياً وعسكرياً واقتصادياً خارج الإطار الأوروبي التقليدي.
وفي هذا السياق، تمثل الصادرات الدفاعية
أداة محورية في تنفيذ هذه الاستراتيجية، إذ تسعى بريطانيا إلى توظيفها ليس فقط لتحقيق عوائد اقتصادية، بل بوصفها وسيلة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي وبناء شبكات تحالفات مرنة قائمة على المصالح المشتركة. ويبرز التعاون مع تركيا باعتباره أحد أهم تطبيقات هذا التوجه، نظراً لما تتمتع به أنقرة من موقع جغرافي فريد يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، فضلاً عن دورها المحوري داخل حلف شمال الأطلسي، مما يمنح لندن نقطة ارتكاز استراتيجية على الجناح الجنوبي الشرقي للحلف.
5- تعزيز القوة الجوية لحلف “الناتو” في مواجهة التهديدات: بعيداً عن الأهداف الثنائية المباشرة بين المملكة المتحدة وتركيا، فإن صفقة مقاتلات “يوروفايتر تايفون” تمثل أيضاً تعزيزاً ملموساً لقدرة حلف شمال الأطلسي الجوية على الجناح الجنوبي الشرقي، مما يوسع نطاق الردع الجماعي الذي يمتد من أوروبا الشرقية حتى الشرق الأوسط، حيث يزيد إدخال تركيا إلى منظومة تشغيل تلك المقاتلات المتقدمة من حجم التغطية الجوية المتاحة للحلف، ويعزز قدرة التحالف على الاستجابة للتحديات المتزايدة في مساحات واسعة من المسرح الأمني، سواء كانت تهديدات من روسيا أو غيرها من القوى التي تسعى لتحدي الردع الأطلسي.
كما أن هذه الشراكة الدفاعية، التي وصفها رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” بأنها “انتصار لأمن الناتو”، تسهم في ترسيخ مفهوم الردع الجماعي عبر تعزيز تكامل القدرات الجوية بين حلفاء الحلف، وتُبرِز تركيا باعتبارها عاملاً أساسياً في الحفاظ على تفوق التحالف الغربي على القوى الإقليمية المنافسة، الأمر الذي يُعزز من نفوذ الناتو في مناطق حساسة تمتد من البحر الأسود حتى حدود الشرق الأوسط.
6- موازنة القوى في النظام الدولي متعدد الأقطاب: تحمل صفقة التعاون الدفاعي الحالية في طيّاتها رسالة استراتيجية أوسع في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين). فالعلاقات الدفاعية المتينة بين لندن وأنقرة لا تُظهر فقط توافقاً ثنائياً، بل توضح قدرة الحلفاء على تعزيز التكامل العملياتي والتنسيق الدفاعي بعيداً عن الاعتماد المفرط على واشنطن، وهي سمة رئيسية في سياق تحول النظام الدولي نحو تعددية القوى. وفي الوقت الذي يواجه فيه النظام الدولي منافسة شديدة بين القوى العظمى على النفوذ والموارد، أصبح التعاون الدفاعي أداة استراتيجية لدول مثل بريطانيا وتركيا لتعزيز دورها العالمي.
في هذا السياق، يمكن فهم تعزيز التعاون الدفاعي بين بريطانيا وتركيا، بما في ذلك صفقة مقاتلات “يوروفايتر تايفون”، بوصفه جزءاً من استراتيجية أكبر لمحاولة تحقيق توازن في العلاقات الدولية؛ إذ تحافظ الدول الحليفة على استقلاليتها الاستراتيجية نسبياً وتبتعد عن الاعتماد الكامل على أية قوة عظمى واحدة، مع السعي -في الوقت ذاته- إلى تنويع شبكات الدعم والتحالفات التي تُعزز من مكانتها ودورها في النظام الدولي متعدد الأقطاب.
مكاسب متبادلة
وختاماً، تعكس هذه الصفقة تحولاً نوعياً في مسار الشراكة الدفاعية بين بريطانيا وتركيا؛ إذ تتجاوز حدود التعاقدات العسكرية التقليدية إلى بناء إطار أوسع من التكامل الاستراتيجي. فهي تمنح أنقرة دفعة قوية لتحديث قدراتها الجوية وتعزيز جاهزيتها العملياتية، وفي الوقت نفسه توفر للندن فرصة لترسيخ موقعها بوصفها فاعلاً مؤثراً في سوق الصناعات الدفاعية العالمية وتعزيز نفوذها الجيوسياسي بعد “بريكست”. وعلى مستوى أوسع، تُسهم هذه الشراكة في دعم تماسك حلف الناتو وتعزيز قدرته على الردع في بيئة أمنية معقدة ومتغيرة. كما تفتح المجال أمام آفاق مستقبلية للتعاون في مجالات التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، مما يعكس توجهاً نحو شراكة دفاعية أكثر عمقاً ومرونة، تتلاءم مع متطلبات النظام الدولي متعدد الأقطاب.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
