قصة قصيرة بعنوان : زوجة الشهيد المنسية
بقلم / فريحه سليمان المريمي
كانت سلمى زوجة ضابط شرطة شارك في معارك تحرير الوطن ، حمل روحه على كفه ، وترك خلفه وعداً لها أن يراها وأبناءه في وطن آمن حرّ ، لكن الرصاص كان أسرع من الوعد .
أستشهد في لحظة كان فيها الوطن على حافة الخلاص ، وتركها بين جدران بيت بسيط ، تحمل بين يديها أطفالاً لا يعرفون سوى أن أباهم بطل .
في الأيام الأولى ، كانت الزيارات لا تنقطع ، والوعود تتوالى من كل الجهات : سنتكفل بالأولاد ، سنحفظ إسمه وحقه .
لكنّ الوعود ذابت كما يذوب الملح في الدموع .
أنتهى العزاء ، وغاب الصوت الرسمي ، وبقي الصمت والإحتياج .
أُحيل إسمه إلى ملفات الضمان الإجتماعي ، كأنه رقم بلا قصة .
لم يأتِها راتب يليق بتضحيتهِ ، ولا يد حانية تمتد لتواسيها .
فأضطرت أن تعمل في تنظيفِ المنازلِ ، تخفي حزنها خلف إبتسامة مُجهدة ، وتخاطب صورة زوجها المعلقة في ركن الغرفة :
ما خنت وعدك يا رفيق دربي ، لكنهم خذلوني كما خذلوك .
كانت تغسل الأرض بيديها ، وتغسل معها كرامتها من غبار الإهمال .
كل دينار تكسبه كان له رائحة العزّة والوجع في آنٍ واحد .
وفي المساءِ ، تجلس أمام أطفالِها ، تحكي لهم كيف كان أبوهم بطلاً لا يخاف الموت ، وتُخفي دمعة ترفض أن تسقط كي لا يروها ضعيفة .
لم تُكرَّم ، ولم تُستدعَ لأي إحتفالٍ وطني ، ولم يُذكر إسم زوجها في نشرات الأخبار .
لكن في قلبها ظل الوطن كما رآه زوجها ، يستحق الحياة ، رغم كل الخذلان .
ومضت سلمى ، كما تمضي الأرامل الصابرات ، تجرّ خلفها وجعاً ثقيلاً ، وتعيش بكرامةِ من زرعِ الشهيدِ ، لا من عطايا المنسيين .
