الفن والسينما في أوروبا والعالم
في ليلة استثنائية في السادس عشر من مارس ٢٠٢٦، انطلق حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين من مسرح دولبي العريق في لوس أنجلوس. واستأثر الحفل باهتمام عربي واسع النطاق؛ إذ تابعه ملايين المشاهدين في القاهرة والرياض وبيروت وبروكسل معاً. وقد شهد الحفل لحظة لافتة حين تسلّمت الممثلة الكوميدية الراحلة كاثرين أوهارا جائزة أفضل ممثلة في مسلسل كوميدي عن دورها في “The Studio” — وهي الجائزة ذاتها التي مُنحت لها سابقاً في حفل نقابة الممثلين. أما جيم كاري فاختار مسرح سيزار الفرنسي في باريس ليتسلّم جائزته الفخرية خلال المراسم الأوروبية الموازية، مُقدّماً بذلك رسالة مفادها أن الاحتفاء بالفن لا يعترف بالحدود الجغرافية. وقد طرح حفل هذا العام تساؤلات حقيقية حول مستقبل صناعة السينما في ظل الذكاء الاصطناعي وانعكاسات حرب الشرق الأوسط على الإنتاج والتوزيع الدوليين، فيما خُصّصت لحظة صمت رمزية للفنانين الذين خسرتهم السينما جراء الحرب.
الأوسكار لم يعد مجرد حفل تمثال ذهبي — بل بات مرآة لصحة السينما. هذه الدورة تعكس قلقاً حقيقياً: كيف تصمد صالات السينما أمام منصات البث؟ وكيف يُقاوم الفن الإنساني زحف الذكاء الاصطناعي في الإنتاج؟ الإجابة ليست في الجائزة بل في الأفلام التي تُرشَّح.
يُقدّم مارس ٢٠٢٦ جرعة استثنائية من السينما العالمية تبدأ بـ”Project Hail Mary” في العشرين منه، الفيلم المقتبَس من رواية الكاتب آندي وير الذي يؤدي فيه ريان غوسلينغ دور مدرس علوم يستيقظ على متن سفينة فضائية في مهمة تُشكّل المحاولة الأخيرة لإنقاذ البشرية، وتُقدّمه التقارير الأولية بوصفه “ملحمة خيال علمي تُعيد تعريف النوع السينمائي بذكاء بشري خالص”. كذلك يُعرض “The Drama” بطولة زيندايا وروبرت باتينسون في الثالث من أبريل كوميدياً رومانسياً عن ثنائي على أعتاب الزواج. ولا تغيب عن الشاشات الأوروبية وبروكسل تحديداً هذه الأفلام التي تُعرض في مجمعات Kinepolis وUGC في غضون أسبوعين من إطلاقها. والملفت أن المشاهدين العرب في أوروبا باتوا من أكثر جمهور صالات السينما حضوراً في المدن الأوروبية الكبرى وفق تقارير حديثة، يبحثون عن تجربة مشتركة تجمعهم مع أوروبا التي اختاروا العيش فيها.
إذا كنت تبحث عن فيلم يُحرّك عقلك: Project Hail Mary هو خيارك. وإذا كنت تريد ليلة عائلية خفيفة مليئة بالضحك والدفء: The Drama هو الأنسب. كلاهما أفلام للسينما لا للشاشة الصغيرة.
أعلن مهرجان بروكسل الدولي للأفلام BRIFF قراراً تاريخياً بتغيير موعده من أوائل السنة إلى الفترة الممتدة من الرابع إلى الثاني عشر من سبتمبر ٢٠٢٦، في دورته التاسعة التي وُصفت بأنها “الأكثر طموحاً” منذ تأسيسه. ويضمّ المهرجان ثلاث مسابقات رئيسية: الدولية لأفضل أفلام العالم، وأسبوع المخرجين للأصوات الأوروبية الناشئة، والوطنية الخاصة بالسينما البلجيكية. وتُشكّل المسابقة الأوروبية فرصة ذهبية للأفلام العربية التي أُنتجت بمشاركة أوروبية للوصول إلى جمهور قاري واسع. بالتوازي، انطلق المهرجان الثاني لـFilmEU في بروكسل، الذي يجمع أفضل الأفلام الطلابية من ثماني مؤسسات تعليمية أوروبية رائدة متخصصة بالسينما والإعلام. وتبقى بروكسل مدينةً فريدة في تاريخ السينما العالمي: فيوسف بلاتو ابن بروكسل هو من اخترع “فيناكيستوسكوب” عام ١٨٣٢ الذي وضع الأساس للتحريك السينمائي، واختار إخوة لوميير قاعات بروكسل لأول عرض علني لهم خارج فرنسا.
BRIFF مفتوح للجميع بتذاكر ميسورة وبرامج مجانية. إذا كنت مخرجاً أو محبّاً للسينما، هذا المهرجان هو نافذتك للتواصل مع صنّاع الأفلام الأوروبيين والدوليين في قلب بروكسل. تابع إعلانات التسجيل عبر BRIFF.be
يشهد موسم رمضان ٢٠٢٦ صحوةً درامية عربية لافتة تتصدّرها ثلاثة محاور: على الصعيد المصري، أعلن المخرج محمد سامي الانتهاء من تصوير مسلسل “الست موناليزا” بطولة زوجته الفنانة مي عمر، التي أتمّت المسلسل بإصرار لافت رغم وفاة والدها أواخر فبراير — وهو ما وصفه المخرج بـ”المشهد الإنساني الأعمق في مسيرتنا المشتركة”. كما مدحت لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري ثلاثة مسلسلات كبرى هذا الموسم: “صحاب الأرض” و”رأس الأفعى” و”عين سحرية”. أما المشهد السوري فالأكثر أهمية ثقافياً وسياسياً: ٢٥ مسلسلاً سورياً تُعرض هذا الرمضان، يُجسّد أبرزها “مولانا” بطولة تيم حسن، فضلاً عن خمسة أعمال توثيقية تتناول جرائم نظام الأسد لأول مرة بحرية فنية كاملة. ويُشكّل هذا الانفتاح الفني السوري في حد ذاته حدثاً تاريخياً يُعلن أن الدراما المصوّرة باتت أحد أدوات مرحلة ما بعد الاستبداد.
لأول مرة في تاريخ الدراما السورية، يستطيع كتّاب ومخرجون أن يقولوا بصوت مرتفع ما كان محظوراً لعقود. هذه المسلسلات ليست مجرد ترفيه — إنها وثائق إنسانية تحمل أسئلة الحرية والهوية والمستقبل. ومتابعتها واجب ثقافي.
حقّقت السينما العربية في الأشهر الأخيرة حضوراً أوروبياً لافتاً: ففي مهرجان برلين السينمائي الدورة الخامسة والسبعين، عُرض فيلم “يونان” للمخرج أمير فخر الدين في المسابقة الرسمية، وهو دراما تأملية عن عزلة المنفى وتعقيدات الهوية يُجسّد فيها بطله مغترباً يبحث عن وجوده بين ثقافتين. وعُرض في مسابقة “Perspective” فيلم “المستعمرة” للمخرج محمد رشاد، الذي يتناول استغلال عمال المصانع في مصر بأسلوب واقعي جارح. أما مهرجان روتردام للفيلم العربي، فقد أعلن قائمة أفلامه التي تضمّ أعمالاً سورية تعكس مرحلة ما بعد الأسد لأول مرة، مما يجعله المهرجان الأوروبي الأكثر أهمية للمتابع العربي في عام ٢٠٢٦. وأعلن مؤسّسا إحدى شركات الإنتاج العربية الناشئة أن خططهم تشمل المشاركة في مهرجانات تورنتو ولندن ضمن مسيرة تنتهي بكان ٢٠٢٦، مؤكدَين: “العالم العربي يملك قصصاً ينتظر العالم سماعها”.
السينما العربية التي تصل إلى برلين وروتردام ليست سينما مُصدَّرة بل سينما مُعاشة — تحمل أسئلة المنفى والاستغلال والحرية التي يفهمها الأوروبيون أيضاً. هذا هو سرّ صداها الدولي.
فاجأ ثنائي هوليوود الأكثر متابعةً — زيندايا وتوم هولاند — العالم بالإعلان عن زواجهما السري، بعد سنوات من العلاقة التي أشغلت وسائل الإعلام حول العالم. وأكد منسّق أزياء زيندايا لو روش لـCNN أن حفل الزفاف جرى بصورة خاصة جداً بعيداً عن الأضواء. وفي الوقت ذاته، يشهد المشهد الموسيقي العربي اضطراباً استثنائياً: فقد أجّل الفنانان إليسا ونجوى كرم حفلاتهما المنتظرة في الخليج بسبب تداعيات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، فيما أُعلن تحويل بعض التسجيلات الموسيقية إلى أسطنبول كبديل أوروبي. في المقابل، تتألق بروكسل فنياً بعيداً عن الأزمات: إذ يستضيف مركز BOZAR الفنون والموسيقى الكلاسيكية برمجةً موسيقية ربيعية استثنائية، وتواصل قاعة Palais des Beaux-Arts عروضها الفنية المتنوعة التي يرتادها العرب المقيمون في بروكسل بأعداد متزايدة، في إشارة إلى انخراطهم التدريجي في المشهد الثقافي الأوروبي.
BOZAR وCINEMATEK وBRIFF كلّها على بُعد خطوات من بعضها في قلب بروكسل — وكلّها ميسورة أو مجانية. إذا أردت تجربة ثقافية أوروبية حقيقية وأنت في بروكسل، هذا الثالوث هو مفتاحها.
