شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_يشكّل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في معادلات الأمن الدولي. ومع تصاعد التوترات المرتبطة بـإيران والضغوط الأمريكية، تجد دول أوروبا وحلف الناتو نفسها أمام خيارات معقدة تجمع بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
يهدف هذا الملف إلى تحليل السيناريوهات المتاحة أمام أوروبا، بدءاً من الانخراط الدبلوماسي، مروراً بالترتيبات الأمنية المشتركة، وصولاً إلى احتمالات التنسيق العسكري أو التحالفات الإقليمية، مع تقييم جدواها وتداعياتها.
تشهد المنطقة تصاعدًا متكررًا في التوترات المرتبطة بالملف النووي الإيراني، لا سيما في ما يتعلق بأمن الممرات البحرية خاصة في مضيق هرمز. ومع تعثر المفاوضات وتزايد احتمالات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، برزت أهمية التواصل الدبلوماسي المباشر كأداة أساسية لإدارة الأزمات. يعيد الاتحاد الأوروبي التأكيد على نهج يقوم على الجمع بين الدبلوماسية والردع البحري المحدود ويسعى إلى لعب دور الوسيط بين الأطراف المختلفة، عبر القوي الدولية والإقليمية ومن خلال قنوات رسمية وغير رسمية، مستفيدًا من خبرات سابقة في خفض التصعيد داخل مضيق هرمز خلال أزمات عامي 2011 و2019.
أهمية التواصل المباشر مع إيران في إدارة الأزمات البحرية
رحب الاتحاد الأوروبي خلال أبريل 2026 في بيان بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران وذلك قبل فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتابع البيان: “نشكر باكستان وجميع الشركاء المعنيين على تسهيل هذا الاتفاق المهم، يجب أن يكون الهدف الآن هو التفاوض على إنهاء سريع ودائم للحرب. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الوسائل الدبلوماسية، نشجع بشدة على إحراز تقدم سريع نحو التوصل إلى تسوية جوهرية عن طريق التفاوض”. أضاف البيان: ندعم هذه الجهود الدبلوماسية. ولتحقيق هذه الغاية، نحن على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين، ندعو جميع الأطراف إلى تنفيذ وقف إطلاق النار، بما في ذلك في لبنان، ستساهم حكوماتنا في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز”.
أكد المستشار الألماني “فيريدريش ميرز”: “إن الحكومة الألمانية تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف في دعم المفاوضات، إنهاء سريع للتصعيد العسكري، ومنع انقسام حلف شمال الأطلسي، واستعادة سريعة لحرية الملاحة في مضيق هرمز”. كما أكد لـ”ترامب” أن ألمانيا ستشارك في تأمين مضيق هرمز في حال التوصل إلى اتفاق سلام. إلا أن ذلك يتطلب تفويضا دوليا وقرارا من البرلمان الألماني “البوندستاغ”. ولا يتوقع صدور أي قرار من برلين في هذا الشأن “خلال أيام قليلة”.
يوضح “جاكوب لارسن”، كبير مسؤولي السلامة والأمن في الرابطة الدولية للشحن البحري “BIMCO”: “أنه بعد إعلان إيران والولايات المتحدة عن فتح مضيق هرمز، كان من الخطأ الاعتقاد بأن الممر المائي “آمن للعبور”. أيد “إيان رالبي” الخبير في الشؤون البحرية والدولية ورئيس منظمة “أوكسيليوم العالمية” هذا الرأي، مؤكدا أن تحالف الدول كان محقًا في إظهار ضبط النفس. وتابع: “يجب أولًا إنهاء الحرب تماما، وحتى بعد ذلك، فإن احتمال حدوث أخطاء أو حتى وقوع حادثة نيران صديقة مرتفع للغاية. لقد بلغ التهور والتصعيد المتقطع من جانب الأطراف المتحاربة الثلاثة حدا بالغا، ما يجعل أوروبا حريصة جدًا على تجنب التورط في فوضى لم يكن لها خيار في إشعالها”.
تجارب سابقة في خفض التصعيد البحري
تظهر التجارب السابقة في خفض حدة التوترات البحرية مع إيران نمطا متكررًا، غالبا ما تتم إدارة فترات المواجهة في مضيق هرمز من خلال مزيج من الردع البحري والدبلوماسية غير الرسمية والتنسيق متعدد الجنسيات. من أبرز الأمثلة على ذلك في عامي 2011 و2012، هددت إيران بإغلاق الممر المائي ردًا على العقوبات. أدت الأزمة إلى نشر قوات بحرية متعددة الجنسيات في الخليج، ضمت قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية وأسترالية، بهدف الردع وضمان استمرارية الملاحة البحرية بدلًا من المواجهة المباشرة. ساهم وجود القوات في استقرار الوضع دون تصعيده إلى صراع مفتوح، في حين استمرت الضغوط الدبلوماسية والمفاوضات بالتوازي. وفي العام 2019، هوجمت أو احتجزت عدة سفن تجارية قرب مضيق هرمز.
اعتمد خفض التصعيد آنذاك بشكل كبير على المرافقة البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتواصل الدبلوماسي، لا سيما من خلال الجهات الأوروبية والإقليمية التي سعت إلى الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران. ورغم استمرار التوترات، لم يغلق المضيق إغلاقًا تامًا، واستؤنفت حركة الملاحة البحرية تدريجيًا في ظل إجراءات أمنية مشددة.
دور الوساطات الأوروبية وآليات بناء الثقة
تمتلك أوروبا في هذه القضية تحديدًا ما تفتقر إليه واشنطن، المصداقية الدبلوماسية. كان الاتحاد الأوروبي هو من يقود المفاوضات الدولية مع إيران. ومنذ عام 2006، تولى الاتحاد الأوروبي زمام المبادرة الدبلوماسية، وصولًا إلى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي لا يزال يعد من أبرز إنجازات الدبلوماسية الأوروبية، وأحد النجاحات الملموسة القليلة للدبلوماسية متعددة الأطراف في الشرق الأوسط. ولم يبدأ الانحدار التدريجي إلا بعد انسحاب “ترامب” من النووي عام 2018.
يقول “ستيفن إيفرتس” مدير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية “EUISS”: “ينبغي لأوروبا أن تشكل تحالفًا دبلوماسيًا مع دول الخليج ومع كبار مستوردي الطاقة في آسيا، كالهند واليابان وكوريا الجنوبية، والصين إن أمكن. ليس ككتلة معادية لأمريكا، بل كمجموعة تفاوض جادة ذات هدف فوري واحد، التوصل إلى اتفاق دولي عملي يضمن حرية المرور الآمن عبر مضيق هرمز، بالتفاوض مع إيران وعمان. وفي أماكن أخرى من العالم، توجد اتفاقيات تنظم الوصول والعبور في ممرات مائية حساسة جيوسياسيًا، فلماذا لا يكون هناك اتفاق مماثل هنا؟”. تابع “إيفرتس”: “يجب أن يكون هذا التحالف بين الراغبين دبلوماسيا في المقام الأول، لا عسكريا، يمكن لكاسحات الألغام والسفن الحربية والمرافقة أن تلعب دورا لاحقا، ولكن كعنصر أخير، لا كنقطة انطلاق. إن عكس هذا الترتيب لن يؤدي إلا إلى زيادة خطر التصعيد دون استعادة حرية الملاحة فعليا”.
التفاهمات غير المعلنة مقابل الاتفاقيات الرسمية
تشير التقارير الدبلوماسية إلى أن “الترويكا الأوروبية” قد انخرطت في جلسات “مغلقة” ووساطات غير رسمية مع إيران لتجنب المزيد من التصعيد منذ العام 2025، ففي أواخر عام 2025، عرضت الدول الثلاث “E3” تأجيل إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة لمدة (6) أشهر إذا أعادت إيران إمكانية وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة مخزونات اليورانيوم المخصب. وفي أعقاب حرب إيران في فبراير 2026، دعم المسؤولون الأوروبيون بهدوء الوساطة من خلال دول مثل باكستان وسلطنة عمان لتسهيل وقف إطلاق النار المؤقت. وفي حين يدين الاتحاد الأوروبي رسميًا الهجمات البحرية الإيرانية، فقد تم استخدام قنوات دبلوماسية غير معلنة لحث إيران على استئناف الشحن ووقف استهداف السفن المدنية بالصواريخ.
يمكن للرسائل المنسقة من القادة الأوروبيين أن تؤثر على النقاشات الداخلية الأمريكية وكيفية استقبالها في البيت الأبيض. ورغم أن الأوروبيين لا يستطيعون إجبار ترامب على وقف إطلاق النار، إلا أن بإمكانهم تكثيف الضغوط الدبلوماسية التي تجعل وقف إطلاق النار خيارا، وتوفير مخرجا يمكنه تسويقه على أنه انتصارا.
أوضح “بارنز دايسي”: “من الواضح أن الورقة الرئيسية التي لم يرغب الأوروبيون في استخدامها خلال العامين 2024 و2026، فيما يتعلق بإسرائيل، هي الورقة الاقتصادية. فالاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري واقتصادي لإسرائيل. ومع ذلك، لم تكن أوروبا مستعدة أبدا لوضع ذلك على الطاولة”. يعتقد “جوليان بارنز دايسي” مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “أنه إذا أراد الأوروبيون ممارسة ضغط جاد على إسرائيل لعدم توسيع نطاق هذا الهجوم، فعليهم التفكير في ممارسة ضغط مادي عليها. وهذا يعني اتخاذ خطوات سياسية واقتصادية لجعل البلاد تشعر بالضغط والعزلة الدولية بسبب إقدامها على هذا النوع من الهجوم”.
المخاطر السياسية لفتح قنوات اتصال مباشرة
ينطوي فتح قنوات اتصال أوروبية مباشرة مع إيران عدة مخاطر سياسية تتراوح بين توتر التحالفات عبر الأطلسي وتهديدات الأمن الداخلي داخل أوروبا. صمدت العلاقات عبر الأطلسي بصعوبة خلال السنة الأولى لعودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض، على الرغم من انتقادات الرئيس الأمريكي الواضحة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، ولقد تجاوزت الخلافات حول أوكرانيا والتجارة وغرينلاند، والآن يبدو أنها تتفكك بسبب إيران. حيث أن فك ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة لن يكون بالأمر الهين، لا سيما وأن هذا الارتباط يشمل كل شيء من الدفاع إلى التكنولوجيا والطاقة والتجارة والتمويل. يمكن اعتبار الاتصال المباشر بمثابة إضفاء الشرعية على نظام يراقب بنشاط ويخيف المعارضين الإيرانيين في العواصم الأوروبية كبرلين وباريس ولندن، كما قد يؤدي فتح قنوات الاتصال إلى إظهار الضعف للحلفاء الإقليميين أو إلى تفاقم الصراعات القائمة.
تأثير هذا الخيار على العلاقة مع الولايات المتحدة
حذرت “غارسيا هيريرو” وهي زميلة بارزة في “بروجيل”، وهو مركز أبحاث مقره بروكسل، من أن حرب الإيران قد تثبت أنها نهاية لحلف الناتو إذا قررت واشنطن الانسحاب من الحلف وحاولت تصعيد الصراع دون أي مشاركة أوروبية. يضطلع الأوروبيون بالفعل بالعديد من المسؤوليات الرئيسية داخل حلف الناتو، لكنهم يفتقرون إلى المقومات الاستراتيجية التي تمكنهم من بسط نفوذهم بشكل مستقل، كالاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة النقل، والتزود بالوقود جوًا.
يقدر معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسات أن بناء بدائل أوروبية سيستغرق من (10 ـ 15)، بافتراض أن أوروبا قادرة على إيجاد طريقة لتمويلها. ولن تكون هذه العملية مستقلة تمامًا، إذ لن يكون أمام أوروبا خيار يذكر سوى شراء جزء كبير من هذه القدرات من الولايات المتحدة، لافتقارها إلى أنظمتها الخاصة، ما يعطي واشنطن مزيدًا من النفوذ.
فرص النجاح والاستدامة
يتأرجح نجاح الدبلوماسية الأوروبية عبر فتح قنوات اتصال مباشرة في حرب إيران بين “دور هامشي” و”دور داعم ومستقر”. يسعى الاتحاد الأوروبي ليضع نفسه كوسيط فعال في حرب إيران، لكن إيران تنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه لم يفي بالوعود الاقتصادية للاتفاق النووي، مما أدى إلى فقدان المصداقية. كما يضغط الدبلوماسيون الأوروبيون بقوة من أجل “تجميد” تخصيب اليورانيوم كجزء من نجاح المفاوضات، ويتوقف نجاح هذه الخطوة كليًا على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستوافق على “تخفيض نسبة التخصيب” كبديل عن وقف تخصيب إيران لليورانيوم كليًا، ومن المرجح أن تكون الدبلوماسية الأوروبية المحرك الرئيسي لأي أطر لإعادة الإعمار أو المساعدات بعد الحرب، يمكن القول إن أفضل فرصة لأوروبا لتحقيق النجاح تكمن في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل للمنطقة ككل.
**
2ـ حرب إيران التحالفات البحرية: هل يُشكّل الغرب قوة دولية لحماية الملاحة؟
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران، عادت قضية أمن الملاحة البحرية إلى صدارة الاهتمام الدولي بوصفها أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي، نظرًا لاعتماد التجارة الدولية بشكل كبير على الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. وفي هذا السياق، برزت تساؤلات جوهرية حول قدرة القوى الغربية، سواء عبر حلف شمال الأطلسي أو من خلال مبادرات مستقلة يقودها الاتحاد الأوروبي، على تشكيل تحالفات بحرية فعالة تضمن حرية الملاحة وتحد من التهديدات المتزايدة.
مفهوم التحالفات البحرية وأهدافها
التحالفات البحرية، هي أحد أبرز مظاهر العولمة الاقتصادية في قطاع النقل البحري، حيث تمثل نموذجًا متقدمًا للتعاون بين شركات الشحن الكبرى والدول ذات المصالح البحرية المشتركة. وقد تطور هذا المفهوم من مجرد تنسيق محدود بين شركات النقل إلى منظومة معقدة تجمع بين التنافس والتكامل في آنٍ واحد، بحيث تتنافس الأطراف في الأسواق والتسعير، بينما تتعاون في التشغيل والخدمات اللوجستية. تعتمد هذه التحالفات على مبدأ تقاسم الموارد، خصوصًا سعة السفن وخطوط الملاحة، بما يسمح بتقليل التكاليف وتعظيم الكفاءة التشغيلية. كما تتيح توسيع نطاق الخدمات لتشمل شبكات عالمية مترابطة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الأساطيل. وقد أصبح هذا النموذج ضروريًا مع ظهور سفن الحاويات العملاقة التي تتطلب معدلات تشغيل عالية لتحقيق الجدوى الاقتصادية.
تركز التحالفات البحرية بشكل أساسي على خطوط التجارة العالمية الكبرى، مثل آسيا– أوروبا وعبر المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وهي المسارات التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. وتشير التقديرات إلى أن هذه التحالفات تسيطر على النسبة الأكبر من سعة الحاويات عالميًا، ما يمنحها تأثيرا كبيرًا على حركة التجارة الدولية. في السياق الأمني، يتجاوز مفهوم التحالفات البحرية الجانب الاقتصادي ليشمل التعاون العسكري والأمني بين الدول، خصوصا في المناطق التي تشهد تهديدات للملاحة مثل المضائق الاستراتيجية. وهنا تتحول التحالفات إلى أدوات لحماية المصالح المشتركة وضمان استمرارية تدفق التجارة العالمية.
دور حلف شمال الأطلسي في الأمن البحري
يلعب حلف شمال الأطلسي دورًا محوريًا في حماية الأمن البحري العالمي، نظرًا لاعتماد الدول الأعضاء بشكل كبير على طرق التجارة البحرية. فالنقل البحري يشكل نحو (90%) من حجم التجارة العالمية، ما يجعل حماية الممرات البحرية أولوية استراتيجية. تتمثل مهام الحلف في ضمان حرية الملاحة، وتأمين خطوط الاتصال البحرية، وحماية نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل المضائق والممرات الحيوية. كما يسعى إلى تعزيز الوعي البحري من خلال استخدام أنظمة المراقبة والاستشعار، بما يتيح الاستجابة السريعة للتهديدات.
يعتمد الحلف على ثلاث وظائف رئيسية في المجال البحري: أولها؛ الوظيفة الاستراتيجية التي تهدف إلى الردع وإظهار القدرة على التدخل. وثانيها؛ الوظيفة الأمنية التي تركز على الحفاظ على بيئة بحرية مستقرة. وثالثها؛ الوظيفة القتالية التي تتيح الانتقال إلى العمليات العسكرية في حال تصاعد النزاعات. وتتميز القوات البحرية التابعة للحلف بمرونتها العالية، إذ يمكن نشرها بسرعة في مناطق الأزمات، وتكييف مهامها وفقًا لطبيعة التهديدات، سواء كانت قرصنة أو إرهابًا بحريًا أو صراعات بين الدول. ومع ذلك، يظل دور الحلف مرتبطًا إلى حد كبير بالقيادة الأمريكية، ما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية أوروبا في إدارة أمنها البحري. تشير تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن الأزمة في مضيق هرمز تكشف عن هشاشة استراتيجية أوروبية ناتجة عن الاعتماد الكبير على طرق الطاقة والتجارة البحرية، ما يدفع أوروبا إلى تعزيز قدراتها الاستراتيجية والأمنية، رغم استمرار القيود المرتبطة بالاعتماد الخارجي والتحديات الجيوسياسية.”
تشكيل تحالف دولي بقيادة أوروبية
في ظل الحرب مع إيران، برزت مؤشرات على توجه أوروبي نحو تشكيل تحالف بحري دولي مستقل نسبيًا عن الولايات المتحدة، يهدف إلى حماية الملاحة في مضيق هرمز بعد انتهاء النزاع. ويعكس هذا التوجه إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لأهمية الاستقلال الاستراتيجي، خصوصًا في ظل التباينات مع السياسات الأمريكية. تقود هذا التوجه دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة، مع احتمالية انضمام قوى أوروبية أخرى، في إطار بعثة متعددة الجنسيات تركز على إعادة فتح الممرات البحرية وتأمينها. ويقوم هذا السيناريو على استبعاد الأطراف المتحاربة، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران، بهدف الحفاظ على حياد المهمة وتعزيز قبولها الدولي.
تشير الخطط المطروحة إلى تنفيذ العملية على مراحل تبدأ بإعادة تنظيم الحركة البحرية وتحرير السفن العالقة، ثم إزالة الألغام البحرية، وأخيرًا نشر قوات مرافقة لحماية السفن التجارية. ويعكس هذا النهج خبرة أوروبية متراكمة في إدارة العمليات البحرية المعقدة. ورغم ذلك، يواجه هذا السيناريو تحديات سياسية وعسكرية، أبرزها الحاجة إلى توافق أوروبي داخلي، إضافة إلى ضرورة التنسيق مع القوى الإقليمية مثل إيران وسلطنة عمان. كما أن غياب الدعم الأمريكي المباشر قد يحدّ من القدرات العملياتية للتحالف.
ترى” نيتيا لابه”، العضو في برنامج الأمن الدولي في معهد “تشاتام هاوس”، أن الوضع في المضيق قد يتطلب إنشاء نظام جديد لإدارته، مؤكدة أن إيران يجب أن تكون طرفًًا أساسيًا في أي اتفاق يتعلق به. وأوضحت أن ذلك قد يستلزم تخفيفًا منظما للعقوبات، إلى جانب آليات لإدارة حركة الملاحة في المضيق. كما رجحت وجود ترتيبات مشتركة للتحقق من عبور السفن، وربما مرافقتها بحماية بحرية بمشاركة إيران ودول أخرى في المنطقة. وأقرت بأن إدماج إيران ضمن إطار منظم يشمل مقترحات بحرية محددة وتنسيقًا متعدد الأطراف لن يكون حلًا سريعًا، لكنه قد يشكل أساسًا لتحقيق الاستقرار. وأضافت لابه أن أي اتفاق مستقبلي يجب ألا يقتصر على تحديد القيود النووية التي قد تقبل بها إيران، بل ينبغي أيضًا أن يحدد بوضوح طبيعة العلاقة السياسية والاقتصادية التي ستحصل عليها في المقابل، وذلك بصيغة عملية وواضحة تكفي لكسب دعم داخلي من جميع الأطراف.
وقالت صوفيا بيش، الباحثة البارزة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن من مصلحة أوروبا أن تكون أكثر انتقاداً لسلوك الولايات المتحدة في إيران. وأضافت: “إذا أردنا الحفاظ على الإجماع المتساهل بشأن إعادة تسليح أوروبا، وإذا أردنا الحفاظ على تأييد الناخبين لكل هذه الأموال التي ننفقها على دفاعنا، فلا يمكننا الاستمرار في المغامرات العسكرية والحروب الأحادية”.
قواعد الاشتباك وحدود التدخل العسكري
تميل الدول الأوروبية إلى تبني نهج حذر في التعامل مع النزاعات البحرية، حيث تفضل التركيز على العمليات الدفاعية بدلاً من الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة. ويعكس ذلك التزاما بالقانون الدولي ورغبة في تجنب التصعيد. تتطلب أي عملية بحرية دولية تحديد قواعد اشتباك واضحة، تنظم استخدام القوة وتحدد نطاق التدخل. وغالبًا ما تستند هذه القواعد إلى تجارب سابقة، مثل عمليات الاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر، التي ركزت على حماية السفن دون الدخول في صراع مباشر مع الأطراف المهددة. أن نجاح أي تحالف بحري يعتمد على قدرته على تحقيق توازن بين الردع والحياد، بحيث يوفر الحماية دون أن يُنظر إليه كطرف في النزاع. وهذا يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الدول المشاركة، إضافة إلى تفاهمات مع الأطراف الإقليمية. إيران
التحديات القانونية والشرعية الدولية
تثير الحرب مع إيران منذ شهر مارس 2026 إشكاليات قانونية معقدة تتعلق بشرعية استخدام القوة، خاصة في ظل غياب تفويض واضح من الأمم المتحدة. ويضع هذا الوضع الدول الأوروبية أمام معضلة بين الالتزام بالقانون الدولي وحماية مصالحها الاستراتيجية. ينص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، وهو ما لا ينطبق بوضوح على الحالة الراهنة. وقد أدى ذلك إلى تباين المواقف الأوروبية، حيث تجنبت بعض الدول اتخاذ موقف صريح من شرعية الحرب. هذا الغموض يضعف من قدرة أوروبا على قيادة تحالف دولي يتمتع بشرعية كاملة، كما قد يؤثر على قبول الدول الأخرى بالمشاركة فيه. وبالتالي، فإن أي مبادرة أوروبية لحماية الملاحة تحتاج إلى إطار قانوني واضح يدعمها.
احتمالات المواجهة العسكرية وتأثيرها على أوروبا
تمثل الحرب مع إيران تهديدًا مباشرًا للمصالح الأوروبية، نظرًا لاعتماد القارة الكبير على واردات الطاقة التي تمر عبر مضيق هرمز. كما أن قرب أوروبا الجغرافي من منطقة النزاع يزيد من مخاطر التصعيد. تشير التطورات إلى أن إيران تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، التي يمكن أن تصل إلى أهداف داخل أوروبا. كما أن احتمال استخدام أدوات غير تقليدية، مثل الهجمات السيبرانية أو العمليات غير المباشرة، يزيد من تعقيد المشهد الأمني. في هذا السياق، تجد أوروبا نفسها أمام خيارين: إما تعزيز قدراتها الدفاعية والانخراط بشكل أكبر في حماية الملاحة، أو الاعتماد على التحالفات القائمة، خاصة مع الولايات المتحدة. إلا أن التوجه الحالي يشير إلى محاولة تحقيق توازن بين الخيارين.
الخبرة الأوروبية في حماية الملاحة البحرية
تمتلك أوروبا سجلًا مهما في إدارة العمليات البحرية الدولية، من خلال مبادرات قادها الاتحاد الأوروبي في مناطق مختلفة من العالم. ومن أبرز هذه العمليات عملية “أتلانتا” التي أُطلقت لمكافحة القرصنة، ونجحت في تأمين الممرات البحرية قبالة الصومال. وأُطلقت عملية أجينور لحماية الملاحة في مضيق هرمز، في إطار مبادرة أوروبية تهدف إلى ضمان أمن الطاقة .
وفي البحر الأحمر، جاءت عملية “أسبيدس” استجابةً للتهديدات المتزايدة، حيث ركزت على حماية السفن التجارية. اعتمدت أوروبا على آليات تنسيقية مثل التواجد البحري المنسق، الذي يهدف إلى تعزيز الوعي البحري وتبادل المعلومات بين الدول. وتعتمد هذه الجهود على مزيج من القوة العسكرية والتكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى الالتزام بالقانون الدولي. ورغم النجاحات التي حققتها هذه العمليات، إلا أنها كشفت أيضًا عن تحديات تتعلق بالتنسيق السياسي واتخاذ القرار، ما يحدّ أحيانًا من فعالية الاستجابة الأوروبية .
تُظهر الحرب مع إيران أن حماية الملاحة البحرية لم تعد مجرد قضية أمنية تقليدية، بل أصبحت جزءا من معادلة جيوسياسية معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والعسكرية والقانونية. وفي هذا السياق، تسعى أوروبا إلى تعزيز دورها من خلال تشكيل تحالفات بحرية قادرة على حماية مصالحها دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة. غير أن نجاح هذا التوجه يعتمد على عدة عوامل، منها تحقيق التوافق الداخلي، وضمان الشرعية الدولية، وتوفير القدرات العسكرية اللازمة. كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة ستظل عنصرا حاسما في تحديد مستقبل هذه التحالفات. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان الغرب قادرا على تشكيل قوة دولية فعالة لحماية الملاحة، أم أن الانقسامات السياسية والتحديات القانونية ستحدّ من هذا الطموح.
ـ حرب إيران ـ خيارات أوروبا بين التنسيق العسكري والتحالفات الإقليمية
كشفت حرب إيران، عن اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة، وتباعد الرؤى بشأن إدارة الأزمات والصراعات الدولية، خاصة وأنها جاءت في أعقاب توترات غير مسبوقة بين أعضاء حلف الناتو، بشأن الإنفاق الدفاعي وحرب أوكرانيا وأزمة غرينلاند، ورغم ذلك، ظل هناك تعاون استخباراتي وعسكري عبر الناتو. ولكن يبدو، أن أزمة مضيق هرمز ستغير طبيعة هذا التعاون وهذه العلاقة، في ضوء إصرار واشنطن على الحصار البحري للمضيق والموانئ الإيرانية، وتمسك أوروبا بقيادة مهمة دولية لحماية الملاحة، ورفضها لأي تصعيد عسكري في الممر المائي.
طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في الأزمات الأمنية
رغم أن قمة الناتو في يونيو 2025، أعادت التزام الحلف بالدفاع الجماعي وفقًا للمادة الخامسة للميثاق. ولأول مرة، اتفق الأعضاء على هدف إنفاق (5%) من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا على الدفاع بحلول 2035، إلا أن الولايات المتحدة انتقدت أوروبا في تعاملها مع الإنفاق العسكري، حتى أشارت وثيقة الأمن القومي الأمريكي في ديسمبر 2025، إلى تخلي واشنطن عن أوروبا في الأمور الدفاعية والأمنية.
ظهر تباين الرؤى بين الجانبين الأمريكي والأوروبي تدريجيًا ، ومارست واشنطن ضغوطًا على أوكرانيا للقبول بشروط روسيا، بينما رفضت أوروبا هذه الشروط، واعتبرتها مهددة للأمن القومي الأوروبي. على الصعيد الإقليمي، اختلف موقفا أوروبا وواشنطن في حرب غزة، وحمل المسؤولون الأوروبيون، إسرائيل تداعيات استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، بينما قدمت واشنطن الدعم السياسي والعسكري لتل أبيب، قبل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
تشير العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في أزمة مضيق هرمز، التي تأججت جراء حرب إيران، إلى شراكة أمنية متقاربة، ولكنها غير متطابقة في آليات التعامل مع الأزمة، على عكس عملية “حارس الازدهار”، التي أعلنتها الولايات المتحدة في ديسمبر 2023، وضمت أكثر من (20) دولة لحماية البحر الأحمر من هجمات الحوثيين.
تتجه واشنطن إلى سياسة الضغط الأقصى والأدوات العسكرية والعقوبات ضد إيران، وفي 15 مارس 2026، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، (7) دول للانضمام إلى تحالف عسكري لتأمين الملاحة بمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن هذه الدول هي المستفيد الأكبر من النفط الذي يمر عبر المضيق. بينما تحفظت بريطانيا وألمانيا وفرنسا على الدخول إلى الحرب، وأن يتحول الناتو لأداة اشتباك لفتح المضيق أو مع إيران. عقب الجولة الأولى من المباحثات بين طهران وواشنطن، أعلنت الأخيرة في 13 أبريل 2026، فرض حصارًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، ردًا على عدم إعادة فتح المضيق. في المقابل حذر مفوض الطاقة بالاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، من أن أوروبا ستواجه نقصًا للوقود. واتفق الاتحاد الأوروبي في 20 أبريل 2026، على توسيع العقوبات لتشمل المسؤولين الإيرانيين المتورطين في انتهاك حرية الملاحة.
تتفق الولايات المتحدة وأوروبا، على أن المضيق ممر حيوي للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، ولكن تختلف أوروبا مع سياسة التصعيد التي تنتهجها واشنطن، لتخوفها من أن استمرار الأزمة قد يفضي إلى أزمة طاقة عالمية، لذا طالب الاتحاد الأوروبي بحرية المرور الآمن بمضيق هرمز، وتعزيز جهود الشركاء الإقليميين في هذه المهمة. أكدت أوروبا في بيانات رسمية في 8 و9 أبريل 2026، أن الحل يجب أن يكون عبر المسار الدبلوماسي، ودعت إلى اتفاق تفاوضي سريع ودائم.
يعكس الموقف الأوروبي رؤيته حول الأزمة من زاوية إدارة التصعيد، أكثر من الرد العسكري المباشر. بينما تميل الولايات المتحدة إلى المقاربة الصلبة، إذ تصف الوثائق الصادرة عن البيت الأبيض في 2026، الاستجابة الأمريكية لهذه الأزمة بـ “الحملة العسكرية” ضد إيران، وتربطها بمنع التهديد للملاحة في الخليج وتأمين المرور بالمضيق، مؤكدة على أن العقوبات، والحصار والإجراءات العقابية ضد من يتعامل مع إيران أدوات مركزية.
ما احتمالات انضمام أوروبا لجهود يقودها ترامب؟
مارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطه على أوروبا، بشأن الانضمام إلى عملية عسكرية في مضيق هرمز، بينما أوضحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، في 2 أبريل 2026، أن أزمة المضيق تمثل تهديدًا للأمن العالمي، مؤكدة أن المجتمع الدولي عازم على أنهم في اتصال وثيق مع واشنطن، وأن حكوماتهم ستسهم في حماية الملاحة، وأن الحل سيكون دبلوماسيًا، وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن نحو (15) دولة تعمل تحت قيادة فرنسا، على مهمة دفاعية بحتة، لتسهيل استئناف حركة المرور، عقب وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن.
يقول مارك لاندلر، رئيس مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” في باريس، إن “انتقاد دونالد ترامب لأوروبا، لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوح، وضعهم في مأزق مزدوج، نظرًا لأن إغلاق إيران للممر المائي الاستراتيجي، أدى إلى أزمة طاقة حادة بأوروبا، ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز، تصاعد غضب الناخبين بأوروبا، ليضغط على حكومات أوروبا لاتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لإعادة فتح الممر الملاحي”. يوضح لاندلر، أن الموقف السياسي الأوروبي ضد حرب إيران، يزيد من مخاطر مشاركة أوروبا فيها، وينتقد العديد من الأوروبيين، وتحديدًا اليسار الحرب، واصفين إياها بـ “غير المبررة” و”غير القانونية”. في إيطاليا خسرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في 23 مارس 2026. استفتاء لإصلاح النظام القضائي، وفي 28 مارس 2026، حقق حزب “فرنسا غير المنحنية”، وهو حزب يساري يعارض التدخل في الشرق الأوسط، مكاسب في انتخابات رئاسة البلديات بفرنسا.
رغم وجود أسباب وجيهة تدفع أوروبا للمشاركة في عملية عسكرية بالمضيق، مثل زيادة أسعار الطاقة، فإن “مارك لاندلر” يرى أن ترامب لم يكسب حلفائه، ولم يبلغهم بقرار الحرب على إيران، وجاء هذا التطور بعد فترة عصيبة صعد ترامب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتراجع في دعمه لأوكرانيا، وهمش دور أوروبا في المباحثات بين روسيا وأوكرانيا.
تتجه التوقعات إلى أن مشاركة أوروبا بالمضيق، يمكن أن تتم عبر نشر كاسحات الألغام أو سفن حربية لمراقبة ناقلات النفط، وربما تكون هذه الخطوة غير كافية لواشنطن، خاصة وأنها ترى أن الانضمام لعملية عسكرية بالمضيق أهم. يقول الجنرال الفرنسي ميشيل ياكوفليف، “قلل ترامب من قيمة المساهمة العسكرية لأوروبا، وهذا يعد أمرًا سياسيًا، وكان القادة الأوروبيون محقين في عدم منح ترامب غطاءً سياسيًا، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو خطة الخروج من الحرب”. يوضح ياكوفليف، أن أوروبا يمكن أن تلعب دورًا دبلوماسيًا أكثر جدوى لإنهاء الصراع مع إيران ولكنها مقيدة بثلاثة عوامل، عدم ثقة ترامب فيهم، بعد رفض الانضمام للحرب، والمخاوف من أن استعداء ترامب قد يدفعه لمعاقبة أوكرانيا، وشكوك إيران تجاه أوروبا، لترددها في المواجهة بشكل أكثر انفتاحًا.
تعهد القادة الأوروبيون في 17 أبريل 2026، بتسريع الجهود متعددة الجنسيات، لتأمين مضيق هرمز، بعد أن قالت إيران أنها ستعيد فتح المضيق، حتى لو لم يرغب ترامب في مساعدتهم، وأعلن قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، قيادة مهمة دفاعية لضمان حرية الملاحة. وبدأت أكثر من (30) دولة محادثات في لندن، بداية من 22 أبريل 2026، للمضي قدمًا في مهمة فتح المضيق.
حدود الدعم اللوجستي مقابل الانخراط العسكري المباشر
ركزت أوروبا على الجانب اللوجستي لتأمين المرور في مضيق هرمز، وفي 14 أبريل 2026، أعلنت دول أوروبا عن السعي لوضع خطة، لتشكيل تحالف واسع النطاق، من الدول المساعدة في تسهيل الملاحة بالمضيق. ولكن لن تنفذ هذه الخطة إلا بعد انتهاء الحرب، ومن المرجح ألا تضم الولايات المتحدة. أكدت فرنسا على أن الخطة دفاعية بالأساس، لا تشمل الأطراف المتحاربة، ولن تكون تحت القيادة المركزية. من المتوقع أن تشارك ألمانيا في الخطة، بعد أن كانت مترددة في المشاركة في أي مهمة عسكرية، ويعد وجود ألمانيا إضافة للمهمة، لامتلاكها قوة مالية أكبر من فرنسا وبريطانيا، بجانب الأصول العسكرية الرئيسية اللازمة لهذه المهمة.
تتضمن المهمة أهداف: توفير الدعم اللوجستي لضمان مغادرة مئات السفن العالقة بالمضيق، وتوفير مرافقة عسكرية منتظمة ومراقبة مستمرة، عبر الفرقاطات والمدمرات، لمنح شركات الشحن الثقة أثناء المرور. وتنفيذ عملية واسعة النطاق لإزالة الألغام، لتمهيد الطريق أمام عدد كبير من السفن لاستخدام جزء أوسع من المضيق، لاسيما وأن إيران زرعت ألغام بالمضيق، وإزالتها يعد أمرًا بالغ الأهمية. تتفوق أوروبا على واشنطن في مجال إزالة الألغام، لامتلاكها أسطول من كاسحات الألغام يزيد عن (150) سفينة. سيتم تصميم المهمة على غرار عملية “أسبيدس” التابعة للقوة البحرية للاتحاد الأوروبي، والتي انطلقت في فبراير 2024، لتوفير مرافقة بحرية للشحن التجاري، عبر البحر الأحمر والحماية من هجمات الحوثيين. يقول مجتبى رحمن، رئيس قسم أوروبا في شركة “يوراسيا جروب” لتحليل المخاطر، “سيكون من الضروري في مرحلة ما، وجود، نظام مرافقة أو قافلة لحماية السفن”.
استبعدت أوروبا إرسال سفن حربية لمضيق هرمز، رغم تهديدات دونالد ترامب، بشأن الانسحاب من حلف الناتو، وأن يواجه مستقبلًا سيئًا، إذا فشل الأعضاء في المساعدة على إعادة فتح الممر المائي. قال المستشار الألماني فريدرش ميرتس، “لم يكن هناك قرار مشترك بشأن التدخل من عدمه، لذا فإن مسألة مساهمة ألمانيا عسكريًا غير واردة”. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، إن “هذه ليست حربنا، ما الذي يتوقعه ترامب من الفرقاطات الأوروبية بمضيق هرمز، وما الذي لا تستطيع البحرية الأمريكية التعامل معه بمفردها؟”. بالمثل أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أن بلاده لن تُجر لحرب واسعة النطاق، ولكن يجب إعادة فتح المضيق. شدد وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، على أن الدبلوماسية يجب أن تسود، وأن بلاده لن تشارك في أي مهام بحرية يمكن توسيع نطاقها.
سيناريو تحالف أوروبي – خليجي لحماية الملاحة
تتجه تصريحات الجانبين الأوروبي والخليجي، إلى إمكانية التعاون في حماية الملاحة بمضيق هرمز، ولكن يظل هذا التعاون في إطار ائتلاف دفاعي مرن وليس تحالف عسكري رسمي. وفي 19 مارس 2026، قال المجلس الأوروبي إن الدول الأعضاء تعزز التنسيق مع الشركاء في المنطقة، لضمان حرية الملاحة بالمضيق عندما تسمح الظروف.
عقدت دول أوروبية في أبريل 2026، عدة اجتماعات بمشاركة شركاء إقليميين، لمناقشة سبل إعادة فتح المضيق. ودعا الاتحاد الأوروبي، في 9 أبريل 2026، إلى المرور الحر والآمن بالمضيق، مؤكدًا على مساهمته في الجهود الدبلوماسية بالتنسيق مع الشركاء. فيما قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، في 13 أبريل 2026، إن الوضع في هرمز حجة لصالح ائتلاف بحري دولي قوي. وفي 17 أبريل 2026، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وجود أكثر من (10) دول مستعدة للالتحاق بمهمة دفاعية، وقالت وزير الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، في 18 أبريل 2026، إنه أكثر من (50) دولة تؤيد حرية الملاحة ومستعدة لتقديم مساعدة بحرية بعد التصعيد.
على الجانب الآخر، رحبت الإمارات في 19 مارس 2026، بقرار المنظمة البحرية الدولية، مؤكدة تحمل المجتمع الدولي مسؤولية ضمان حرية الملاحة. وأصدرت الإمارات والبحرين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا ودول أخرى، في 21 مارس 2026، بيانًا مشتركًا، أدان الهجمات على السفن بالمضيق. شاركت السعودية في اجتماع وزاري برئاسة بريطانيا، في 2 أبريل 2026، حول تنسيق إعادة فتح المضيق، مؤكدة على أن الوضع يستدعي عملًا جماعيًا. قدمت البحرين نيابة عن الإمارات والكويت والسعودية، وقطر والأردن، في 8 أبريل 2026، مقترحًا لمجلس الأمن، لحماية الملاحة بمضيق هرمز، ما يؤكد على تنسيق خليجي جماعي، يمكن أن يتقاطع مع التنسيق الأوروبي بشأن الوضع بالممر المائي.
مصالح دول الخليج في تأمين مضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز أهمية استراتيجية لدول الخليج، كونه ممرًا لتصدير النفط والغاز من الخليج، ولاستيراد الغذاء والسلع الأساسية التي تعتمد عليها دول الخليج، ما يجعل آمنًا بحريًا واقتصاديًا وغذائيًا. يربط المضيق بين الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب، ما يسهل تصدير الطاقة بشكل أسرع وأوسع نطاقًا للأسواق العالمية، حيث عبر نحو (20) مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته في 2025 بالمضيق، وعبر نحو (19%) من تجارة الغاز الطبيعي العالمية، وتمر (93%) من صادرات قطر، و(96%) من صادرات الإمارات عبر مضيق هرمز.
تستورد دول الخليج أكثر من (75%) من الغذاء من خلال المضيق، الذي يعد شريانًا حيويًا لنقل الحبوب والأغذية المبردة والسلع الأساسية للموانئ الخليجية. يفتح المضيق الأسواق الآسيوية الكبرى لدول الخليج، نظرًا لأنها الوجهة الأساسية لأغلب صادرات الغاز والنفط، ما يعني أن الاستقرار في هرمز، يساوي استقرارًا في إيرادات الخليج من الطاقة، ويحافظ على الأسعار داخل الخليج، لأن أي تهديد للمضيق، يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤخر الواردات.
التوازن بين الاستقلالية الأوروبية والالتزامات الأطلسية
تسعى أوروبا إلى تحقيق التوازن في أزمة مضيق هرمز، لاسيما وأنها ترفض الانضمام للحرب أو لأي عملية عسكري لفتح المضيق، في ضوء انتقادات دونالد ترامب لسياسات أوروبا. تواصل أوروبا بقيادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، عقد اجتماعات مشتركة مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لإنشاء مهمة سلمية لاستعادة حرية وأمن الملاحة بالمضيق، بالتوازي مع خطوة فرض العقوبات على إيران، كوسيلة للضغط في إطار محدود، دون إثارة أي صراع عسكري أوسع. في الوقت نفسه، دعت أوروبا إلى إصلاح المؤسسات الدولية، نظرًا لإساءة بعض الدول لاستخدام حق الفيتو بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. تراعي أوروبا السير في اتجاه الاستقلالية الدفاعية، مع الحفاظ على تماسك حلف الناتو، والتأكيد على التزامها الدفاعي وميثاق الحلف، حتى لا تمنح واشنطن فرصة لتوسيع الفجوات داخل الحلف.
ترى صوفيا بيش، زميلة أولى في برنامج أوروبا بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، رغم دخول واشنطنحرب إيران، دون استشارة أوروبا، سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التنصل من المسؤولية، واتهام حلفائه بالتقاعس لرفضهم تقديم الدعم، موضحة أن أوروبا لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي، فالحرب تعيد تشكيل واقعها الأمني والاقتصادي، ويستند رد أوروبا على الدروس التي استخلصتها من أزمة غرينلاند، وهي أن الضغط والموقف الموحد كفيلان لتغيير حسابات واشنطن. تشير صوفيا بيش، إلى ضرورة أن تتحدى أوروبا منطق حملة “ضربات متواصلة كفيلة لردع إيران”، فهي استراتيجية مبنية على التصعيد المستمر، وستورط أوروبا في حرب لم تختارها، ذات نتائج غير مؤكدة وتداعيات خطيرة، مشددة على أهمية تحديد الخطوط الحمراء وتنسيق الضغط، مع مقاومة الانحياز إلى عمل عسكري تقوده واشنطن لا يسيطرون عليه، خاصة وأن جمهورها لا يقتصر على ترامب، بل يشمل المجتمع الدولي، والناخبين الأوروبيين، ومؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية الأوسع.
انعكاسات هذه الخيارات على الأمن الإقليمي والدولي
أدى الصراع الحالي بين واشنطن وطهران، إلى أن يحول الحرس الثوري الإيراني قدراته البحرية والصاروخية إلى مضيق هرمز، والتهديد بالسيطرة عليه، ما فرض مسارًا ملاحيًا جديدًا وفقًا لرؤية إيران. أعادت طهران توجيه صادراتها عبر الخليج الشرقي، وطبق الحرس الثوري الإيراني رسومًا على عبور المضيق، بنحو مليوني دولار من كل ناقة عابرة. في المقابل، أعلنت واشنطن الحصار على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، مستهدفة عددًا من القطع البحرية التابعة لإيران أو مرتبطة بموانئها، مثل سفينة “توسكا” وفرقاطة “سليماني”. نشرت واشنطن، أسطول من بوارج الحرب مثل حاملات الطائرات ومدمرات، و(10) آلاف جندي من مشاه بحريين وبحارة ولواء بحري، لمراقبة المضيق وتطبيق الحصار. أما من جانب بريطانيا، التي تمتلك فرقاطة وصواريخ بحرية، اتخذت موقف المراقبة والدعم لقوات التحالف الدولي.
تؤثر الاضطرابات في مضيق هرمز، على الاقتصاد العالمي، بارتفاع أسعار النفط وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتشير التقديرات إلى أن تكلفة تأمين ناقلة نفط قيمتها (100) مليون دولار، قد وصلت لنحو (5) ملايين دولار، أي (5) أضعاف المعدلات العادية قبل الحرب. تعرضت أكثر من (20) سفينة لحوادث أمنية منذ أوائل مارس 2026 بالمنطقة، وتصاعدت التوقعات بشأن ارتفاع أقساط التأمين على الناقلات العابرة للمنطقة. تتجه توقعات وكالة الطاقة الأمريكية، إلى أن يستمر سعر خام برنت فوق (90) دولارًا للبرميل بمعدل سنوي.
تقييم وقراءة مستقبلية
– لم يعد التواصل المباشر مع إيران في إدارة الأزمات البحرية، خصوصا في مضيق هرمز، خيارا ثانويا، بل أصبح جزءا أساسيا من الاستقرار الإقليمي والدولي. فمع تزايد ترابط أمن الطاقة العالمي والتوترات العسكرية الإقليمية، تتجه الأطراف الأوروبية إلى إعادة تفعيل أدواتها الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية، بهدف منع الانجرار نحو مواجهات مفتوحة قد تهدد سلاسل الإمداد الدولية.
– من المرجح أن يستمر نمط “التهدئة عبر الوساطة”، حيث تلعب دول مثل عمان وباكستان دورا مهما في تمرير الرسائل بين واشنطن وطهران، بينما تحافظ أوروبا على قنوات اتصال مباشرة وغير معلنة مع الجانب الإيراني. تعكس هذه المحاولات إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن إدارة الأزمات لا يمكن أن تعتمد فقط على الجانب العسكري، بل تحتاج إلى توازن دقيق بين الضغط السياسي والانخراط الدبلوماسي.
– تشير التجارب السابقة الأوروبية في خفض التصعيد إلى أن الوجود العسكري الدولي في الخليج يساهم في احتواء التصعيد، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. لذلك، قد تتجه أوروبا إلى تعزيز مقاربة مزدوجة، تتراوح بين تأمين بحري دفاعي محدود، وتكثيف المسار التفاوضي مع إيران.
– يمثل فتح قنوات اتصال مباشرة مع إيران تحديًا معقدا للعلاقات عبر الأطلسي. فبينما ترى أوروبا في الدبلوماسية أداة مهمة لمنع التصعيد، تميل الولايات المتحدة في بعض السيناريوهات إلى استخدام أدوات أكثر صرامة. هذا التباين قد يؤدي إلى اختلاف في إدارة الأزمات، لكنه لا يصل بالضرورة إلى قطيعة استراتيجية، بل إلى إعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة الغربية.
– تسعى أوروبا إلى تطوير “دبلوماسية متعددة الأطراف” تشمل قوى إقليمية مثل دول الخليج والهند والصين، بهدف خلق إطار جماعي لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. هذا التوجه يعكس محاولة لبناء نظام أمن بحري غير أحادي، يقلل من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة ويعزز آليات الوقاية المبكرة من الأزمات.
– يعتمد نجاح هذه المقاربة على قدرة أوروبا على تحويل دورها من وسيط ظرفي إلى فاعل استراتيجي مستقر في إدارة أمن الممرات البحرية. وفي حال تحقق ذلك، من المحتمل أن تظهر نماذج جديد للأمن البحري في الخليج قائم على التفاوض المستمر وإدارة الأزمات بدلا من منطق المواجهة المباشرة. أما إذا فشل هذا المسار، فقد تعود المنطقة إلى دورات متكررة من التصعيد البحري غير المنضبط، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
ـ تشير المعطيات الحالية المرتبطة بالحرب مع إيران إلى أن أمن الملاحة البحرية يتجه نحو مرحلة إعادة تشكل عميقة، تتجاوز النماذج التقليدية القائمة على الهيمنة الأحادية، نحو أنماط أكثر تعقيدا تقوم على التعددية والتنافس الجيوسياسي.
ـ من المرجح أن يشهد النظام البحري الدولي خلال السنوات القادمة تزايدا في عدد التحالفات البحرية متعددة الأطراف، ليس فقط بقيادة الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي، بل أيضًا بمبادرات مستقلة تقودها قوى إقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذه التحالفات ستظل محكومة بحدود القدرة على التنسيق السياسي وتوحيد الرؤى الاستراتيجية بين الدول المشاركة. إيران
ـ سوف تسعى أوروبا إلى تعزيز مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، من خلال تطوير قدراتها البحرية والتكنولوجية، خاصة في مجالات مثل المراقبة البحرية وإزالة الألغام وحماية خطوط الإمداد. غير أن هذا التوجه سيصطدم بعدة تحديات، أبرزها استمرار الاعتماد على القدرات الأمريكية، والتباينات السياسية داخل أوروبا، إضافة إلى القيود القانونية المرتبطة بشرعية التدخل العسكري.
ـ تشير المعطيات الحالية المرتبطة بالحرب مع إيران إلى أن أمن الملاحة البحرية يتجه نحو مرحلة إعادة تشكل عميقة، تتجاوز النماذج التقليدية القائمة على الهيمنة الأحادية، نحو أنماط أكثر تعقيدا تقوم على التعددية والتنافس الجيوسياسي.
ـ من المرجح أن يشهد النظام البحري الدولي خلال السنوات القادمة تزايدا في عدد التحالفات البحرية متعددة الأطراف، ليس فقط بقيادة الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي، بل أيضًا بمبادرات مستقلة تقودها قوى إقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذه التحالفات ستظل محكومة بحدود القدرة على التنسيق السياسي وتوحيد الرؤى الاستراتيجية بين الدول المشاركة. إيران
ـ سوف تسعى أوروبا إلى تعزيز مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، من خلال تطوير قدراتها البحرية والتكنولوجية، خاصة في مجالات مثل المراقبة البحرية وإزالة الألغام وحماية خطوط الإمداد. غير أن هذا التوجه سيصطدم بعدة تحديات، أبرزها استمرار الاعتماد على القدرات الأمريكية، والتباينات السياسية داخل أوروبا، إضافة إلى القيود القانونية المرتبطة بشرعية التدخل العسكري.
ـ تشير المعطيات الحالية المرتبطة بالحرب مع إيران إلى أن أمن الملاحة البحرية يتجه نحو مرحلة إعادة تشكل عميقة، تتجاوز النماذج التقليدية القائمة على الهيمنة الأحادية، نحو أنماط أكثر تعقيدا تقوم على التعددية والتنافس الجيوسياسي.
ـ من المرجح أن يشهد النظام البحري الدولي خلال السنوات القادمة تزايدا في عدد التحالفات البحرية متعددة الأطراف، ليس فقط بقيادة الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي، بل أيضًا بمبادرات مستقلة تقودها قوى إقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذه التحالفات ستظل محكومة بحدود القدرة على التنسيق السياسي وتوحيد الرؤى الاستراتيجية بين الدول المشاركة. إيران
ـ سوف تسعى أوروبا إلى تعزيز مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، من خلال تطوير قدراتها البحرية والتكنولوجية، خاصة في مجالات مثل المراقبة البحرية وإزالة الألغام وحماية خطوط الإمداد. غير أن هذا التوجه سيصطدم بعدة تحديات، أبرزها استمرار الاعتماد على القدرات الأمريكية، والتباينات السياسية داخل أوروبا، إضافة إلى القيود القانونية المرتبطة بشرعية التدخل العسكري.
ـ يبدو إن إيران تتجه إلى تكثيف أدوات الحرب غير المتماثلة، مثل استهداف السفن عبر الوكلاء أو استخدام الطائرات المسيّرة والألغام البحرية، بدلًا من المواجهة المباشرة. وهذا النمط من التهديدات سيجعل من الصعب على أي تحالف بحري تحقيق أمن كامل، ما يفرض الانتقال من مفهوم الحماية المطلقة إلى “إدارة المخاطر”.
ـ ستظل الممرات البحرية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، نقاط توتر دائمة، نظرا لأهميتها في نقل الطاقة والتجارة العالمية. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى عسكرة متزايدة لهذه الممرات، يقابلها في الوقت نفسه محاولات دبلوماسية لإبقائها مفتوحة أمام الملاحة الدولية.
ـ سيبقى دور الأمم المتحدة حاسما في تحديد شرعية أي تحالف أو تدخل بحري، إلا أن التباينات بين القوى الكبرى قد تحدّ من فعالية هذا الإطار، ما قد يدفع بعض الدول إلى العمل خارج المظلة الأممية، وهو ما يهدد بتآكل النظام الدولي القائم على القواعد.
ـ إن مستقبل التحالفات البحرية سيتحدد وفق ثلاثة مسارات رئيسية: نجاح أوروبا في بناء قدرة مستقلة نسبيًا تتيح لها قيادة عمليات محدودة النطاق. استمرار الاعتماد على الشراكة عبر الأطلسي، خاصة في العمليات الكبرى. وتصاعد نماذج الأمن البحري الهجين التي تجمع بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والدبلوماسية. فإن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كان الغرب سيشكل قوة دولية لحماية الملاحة، بل حول شكل هذه القوة وحدودها، ومدى قدرتها على التكيف مع بيئة أمنية متغيرة تتسم بالتعقيد وعدم اليقين.
– بالرغم من تدهور العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، بعد حرب إيران وأزمة مضيق هرمز، وما خلفته من تداعيات أمنية واقتصادية قاسية على المشهد العالمي، إلا أن أوروبا استطاعت انتزاع مكاسب استراتيجية، أولًا: لأول مرة يصبح القرار الأوروبي مستقلًا عن القرار الأمريكي بشكل واضح، بشأن رفض الانضمام لعملية عسكرية في مضيق هرمز، في الوقت الذي يشكل فيه المضيق أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة لأوروبا وشركاءها بالمنطقة، ثانيًا: أعادت أوروبا تموضعها على الساحة الدولية، كقوة دولية فاعلة محايدة تمثل ثقلًا سياسيًا وأمنيًا، ولديها قدرة على التفاوض والوساطة بشكل أفضل بين الأطراف المتحاربة، ثالثًا: ترميم العلاقات بين الحكومات الأوروبية ومواطنيها، حيث جاءت التوجهات السياسية الرسمية متناغمة مع الرفض الشعبي، للانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة بالمنطقة.
– تمثل أزمة مضيق هرمز وحرب إيران اختبارًا لقدرات أوروبا العسكرية، أمام ضغوط الولايات المتحدة، حيث رفضت عدد من دول أوروبا فتح مجالها الجوي أمام العمليات العسكرية الأمريكية، وتبنت أوروبا موقفًا موحدًا، بشأن عدم الانضمام لعملية عسكرية بالمضيق ومن المتوقع أن الخطة الدفاعية المقدمة من أوروبا، لحماية الملاحة والمرور بمضيق هرمز، قد تصبح ضمن الخيارات التي يلجأ لها مجلس الأمن، لضمان حركة العبور بالمضيق، في حال التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران، أو جمود الصراع بينهما، في ظل تدهور الاقتصاد العالمي. وتعد هذه الأزمة كاشفة، لحجم النفوذ الأوروبي لدى الولايات المتحدة، ونظرة الإدارة الأمريكية للحلفاء، ما قد يدفع أوروبا لتسريع خطوات الاستقلال الدفاعي والأمني، واتخاذ خطوات أكثر صرامة مع واشنطن داخل الناتو.
– إن إدراك أوروبا لرغبة إدارة دونالد ترامب، بشأن الانسحاب من الناتو في إطار الضغط عليها في ملفات متعددة، وتحول العلاقة بينهما من المصالح المشتركة والتحالف، إلى المصالح المتضاربة والتوترات، قد يدفعها إلى ترتيب أولويات حلف الناتو، وتوحيد المواقف بداخله أمام الموقف الأمريكي، لاسيما وأن واشنطن باتت بمعزل عن باقي الدول الأعضاء، في القرارات والمواقف، ولتخوفهم من تبعات التصعيد العسكري في مضيق هرمز، على أمن الحلف وقدراته العسكرية، في ظل حرب أوكرانيا والتهديدات الروسية.
– من المرجح أن تستغل أوروبا تفوقها في مجال إزالةالألغام، كوسيلة داعمة لمقترحها بشأن تأسيس مهمة دفاعية لتأمين المضيق، خاصة وأن هذه العملية مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، في ضوء الغموض حول مسار الجولة الثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، ومع ذلك، يظل موقف واشنطن من أوروبا، عائقًا أمام دخول أوروبا على خط الأزمة، عبر بوابة الدبلوماسية والتهدئة، ولكن تصاعد الضغوط الاقتصادية مع استمرار إغلاق المضيق، ربما قد يدفع الوسطاء الحاليين إلى إقناع واشنطن، بأهمية دور أوروبا لتأمين الملاحة وتولي مهمة إزالة الألغام من مضيق هرمز، لإعادة فتحه أمام الملاحة بصورة آمنة.
– من المتوقع أن تتوصل أوروبا خلال الفترة المقبلة، إلى اتفاق حول تأسيس عملية دفاعية تتضمن عدد كبير من دول أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، للضغط على طهران وواشنطن، لإنهاء الحصار المفروض على المضيق. وقد لجأت أوروبا إلى توسيع نطاق الدعوة، وضم دول من خارج القارة، لإرسال رسالة واضحة لدونالد ترامب، بأنه أخطأ عندما أعلن رفضه مساعدة الحلفاء، ولكن يتوقف هذا السيناريو المحتمل، على إمكانية التوصل لاتفاق مستدام بين طرفي الأزمة، ما يعني أن أوروبا قد تفتح قنوات تواصل مباشرة مع الوسطاء مثل باكستان وتركيا ومصر، للدفع نحو جولة مباحثات جديدة، والتوصل لصيغة تفاهم بين طهران وواشنطن.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
