الجمعة. مايو 1st, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 4 Second

كتابة وتوثيق : الأستاذ عبد المطلب الوحيشي 

شبكة المدار الإعلاميةالأوروبية …_ ليس الفضلُ وقفًا على الرجال، ولم يكن العُلى يومًا حكرًا عليهم وحدهم؛ فإنّ النساء شقائقُهم في العقل والحكمة والمروءة، وقريناتهم في الفضل والسؤدد؛ إذ تبلغُ الماجدةُ المنزلةَ الرفيعةَ بعقلٍ ثابت، وحياءٍ مصون، وعفافٍ لا يلين، وأدبٍ يسمو بها إلى معارج الكرام والأعيان وعِلْيةِ القوم. 

ولا تزال بنغازي تتيهُ زهوًا بفضلياتها الأماجد، اللائي جعلن حياتهن دليلًا وطريقًا تمتدّ به المدينة إلى أفقٍ رحبٍ من الوعي والعلم والرقي. 

ومن بين هؤلاء الماجدات تبرز سيدةٌ نبيلةُ المقام، سامقةُ الخُلُق، طيبةُ الأثر؛ أمٌ متفانية، وأيقونةٌ من أيقونات بنغازي خاصةً، وفي الوطن عامةً؛ فأضحت الرائدةَ التي يُشار إليها بالبنان، والمثالَ الذي يُحتذى، والقدوةَ التي يُقتفى أثرُها. 

وُلدت الصبية (فتحية) في مدينة شحات أوائل عام 1942م، وعاشت في كنف أسرةٍ كريمةٍ ماجدة؛ فوالدها هو المبجل طيبُ الأثر (حسين يوسف مازق)، أحدُ رجالات المملكة وبُناتها، كريمُ الأصل والمحتد، وأمها (آمنة أحمد السنوسي الغرياني) خالصةُ النسب والشرف؛ فنشأت على قيم الدين والتقوى، والعطاء والجدّ، والبذل والإيثار. 

تفتّحت مداركُ الصغيرة بين روابي برقة، وفي شوارع بنغازي وأحيائها الدافئة، وأضحت اليافعةُ الوادعة بين أخواتها وأترابها من الصديقات زهرةً في روضات الألفة، تنسج معهنّ بيوتًا من ودّ، وتبني بدفء المحبة عالمًا صغيرًا مفعمًا بالحنان. صفّفن الظفائر، وعقصن الخصلات، فاستقرّ في قلب كلّ من عرفها ودٌّ لها لا يذبل، ومحبةٌ لا تنفد، وودٌّ ليس له انفصام. 

بدأت رحلة القلم والكتاب في مدارس «شحات»، و«المرج»، وَتوكرة»، ثم التحقت بمدرسة «الأميرة» في بنغازي، ونالت شهادة الثانوية عام 1958م، ثم خاضت غمار جامعة بنغازي لتنال شهادتها في كلية الآداب عام 1962م، ولتكون من أوائل ركب العلم وحاملات لوائه. ثم شرعت بعد ذلك في مسيرةٍ مهنيةٍ طويلةٍ زاخرةٍ بالبذل والتفاني والعطاء في رحاب العلم والتعليم، ما بين تدريسٍ وإشرافٍ وتوجيهٍ، حتى غدت آثارُ عطائها شاهدةً في كلّ محفل. فإن سألتَ مقاعدَ الدراسة في معهد المعلّمات بطرابلس أجابتك عرفانًا بفضلها، وإن استنطقتَ أروقةَ بنغازي الثانوية سبقتك طالباتُها بالثناء عليها والتبجيل. 

لم تكن رحلتها المشرقة لتكتمل دون رفيق دربها وأنيس حلّها وترحالها، زوجها الكريم السيد الفاضل (عبد المولى دغمان-رحمه الله)، السندِ والمعينِ في السراء والضراء؛ ليزدان بيتها بعقدٍ نفيس، في نظمه خمسةٌ من الأبناء: اثنان من البنين، أستاذُ العلوم السياسية (حسام)، واستشاريُّ طبّ الأشعة التشخيصية (الدكتور أنس)، وثلاثٌ من البنات الفاضلات: واسطةُ العقد طبيبةُ العيون السيدة (نجلاء)، والأخصائية الإجتماعية الأستاذة (رسيس)، وآخرُ العنقود الأستاذة (لجين) خريجةُ الأدب الإنجليزي. كانوا لها نعمَ زينةِ الدنيا والدفعِ والمفخرة، وتجملت الدارُ بأحفادٍ هم لها بهجةٌ وفرحة، فازدانت بهم أيامها كما يزدان القمر بنجومه وكواكبه. 

لم تثنِها كثرةُ الواجبات عن البذل والعطاء، فكانت رائدةً من رائدات العمل الخيري والإنساني، لها في هذا الميدان أثرٌ بيّن ودورٌ بارز أسهم في رسم ملامح مسيرته وتعزيز حضوره. فكانت من المؤسسين الأوائل بجمعية الكفيف، وعضوًا في لجنة نصرة فلسطين والجزائر، وفاعلةً في جمعية النهضة النسائية، وعضوًا في جمعية الهلال الأحمر الليبي. 

لم تُوهِن نوائبُ الدهر عزيمتها، بل زادتها صلابةً وثباتًا؛ إذ وجدت نفسها تتحمّل عبء إعالة خمسةٍ من الأبناء بعد أن زجّت ضباعُ الانقلاب بزوجها ورفيق دربها في غياهب سجون العسكر، في الوقت ذاته الذي أُودِع فيه والدُها السجن نفسه. عشرُ سنين كاملة كابدت فيهنّ قسوة الظلم والتضييق، وواجهت وحدها أعباء الحياة والطغاة بشجاعةٍ نادرة، وعزمٍ لم يكن ليلين أمام العتاة والظالمين. 

من عرفها شهد لها بالصدق والبشاشة، والشجاعة ورباطة الجأش؛ وما مشهد تكريمها إلا شاهد ودليل، إذ حين لمحت اسمها وقد أُبدل في الشهادة ، وقفت وقالت في هدوء العارف بمقامه: «سيدي، أنا معروفة باسم فتحية حسين مازق، نعم يوسف جدّي، ولكن هذا اسمي الذي عُرفت به بين الناس، فإن كان في ذلك حرج، فلا أريده، ولا حرج عليكم»! 

واليوم، لعلّ جذوةَ الحنين في قلبها إلى ماضٍ تليدٍ لم تخبتْ ولم تنطفئ.

واليوم تحنّ إلى أصوات رفيقاتها وصديقاتها، من لدن الشهيدة (فاطمة بوقعيقيص)، و(حميدة بن أحميد)، و(منى بن علي)، و(حواء الرعيض)، و(جازية الطواحني)، و(لطفية ارحومة)، و(قدرية بن صويد)، و(نجمية الطرابلسي)، و(خديجة استيتة).

واليوم قلبُها معلّقٌ بالروابي والدروب وإن تناثرت، وروحُها أسيرةٌ لكثيرٍ من الأطلال وإن حالت حوادثُ الدهر دون العناق.

واليوم، لعلّ العينين تستحثّان دمعًا خفيًا حينما تتذكّر الأمَّ الرؤوم، والوالدَ العطوف، والخليلَ الرفيق، والأخواتِ المؤنسات، والصديقاتِ الخليلات؛ ولا يملك العقلُ بدًّا من السلوى، ولعلّ القلب يئنّ، وتهمس الروح في وجعٍ قائلةً: 

“نوحن عليهم سنة.. خاطي البكا وامبات ليل أحزنه.. إن جاب نوعكن” 

هذه نبذةٌ موجزةٌ عن نفيسةٍ من نفائس الوطن، ولعلّ في هذا الإيجاز إجحافًا بحقّ مآثرها، وقصورًا عن الإحاطة بيسيرٍ من قدرها. 

هذه عينٌ من أعيان المدينة، وعَلَمٌ من أعلام الوطن؛ فاحفظوا لها قدرها، واعرفوا لها فضلها، وأجلّوا مكانتها، وسابقوا إليها بالوفاء والبر. 

حفظها الله وبارك في عمرها، وأذهب عنها كل سقم، وأسبل المولى عليها لباس الصحة والعافية، وأجزل لها الأجر العظيم، وحفظ ذريتها من كل سوء.

شبكة المدار الإعلاميةالأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code