شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نقطة تحول في طبيعة الصراعات العالمية، نظرًا لأنها أظهرت جانبًا جديدًا لمفهوم الأمن الدولي، وأكدت على أن النزاعات لم تعد تدار عبر الآلة العسكرية فحسب، بل انضمت أدوات أخرى حديثة مثل الضغط الاقتصادي والهجمات الإلكترونية والتجسس، إلى الصراع بين طهران من جانب وواشنطن وتل أبيب من جانب آخر. وتنعكس هذه التغيرات في ساحة المعركة على طبيعة التحالفات الدولية، وحجم نفوذ بعض الدول، فإلى أي مدى تعد حرب إيران مؤثرة، في تشكيل النظام العالمي المرحلة المقبلة؟
تحول مفهوم الأمن الدولي
تختلف حرب إيران في طبيعة الأهداف والأدوات بين أطراف الصراع، عن صراعات العقد الأخير. ومنذ 28 فبراير 2026، شنت واشنطن وتل أبيب هجمات مفاجئة واسعة النطاق، على مخازن للصواريخ، ومواقع الدفاع الجوي، والمرافق العسكرية والإمدادية بإيران. لم يكتفيا بهذه الأهداف، بل طالت الهجمات قادة النظام الإيراني في مقدمتهم، المرشد الإيراني علي خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد الباسيج غلام رضا سليماني. وامتدت إلى المنشآت النووية والنفطية والطاقة. كان الرد الإيراني مفاجئًا أيضًا، بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة على قواعد أمريكية ومطارات، ومنشآت نفط وطاقة بالمنطقة، وأهداف عسكرية ومدن بإسرائيلية، مع إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز
توسع نطاق الصراع وأهدافه تدريجيًا في مارس 2026، وحتى الإعلان عن هدنة وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران في 8 أبريل 2026. شمل أبعادًا أخرى غير العسكرية، مثل الهجمات السيبرانية. حيث اخترقت إسرائيل تطبيقات إيرانية دينية، لإرسال رسائل تحريضية بالداخل. في المقابل شنت إيران هجمات إلكترونية لتعطيل شبكة الاتصالات واختراق البنية التحتية لإسرائيل. انتقلت المواجهات إلى الضغط الاقتصادي، بحصار إيران لمضيق هرمز، وشنت الولايات المتحدة ضربات، على جزيرة خرج الإيرانية، التي تمثل المصدر الرئيسي للنفط الإيراني. وهددت باستهداف البنية التحتية للطاقة والنقل بإيران، في حال عدم فتح مضيق هرمز.
رغم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار والمباحثات بين واشنطن وطهران في إسلام آباد في 11 ـ 12 أبريل 2026، والتي انتهت دون التوصل لتفاهم، أعلنت واشنطن حصار الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، للضغط على طهران والقبول بشروط المباحثات، مع تشديد العقوبات على النفط والتمويل الإيراني. لم يركز هذا النزاع على القوة العسكرية التقليدية فقط، بل اتجه إلى الحرب بالوكالة، بدخول حزب الله في 2 مارس 2026، على خط المواجهات، بشن هجمات على إسرائيل التي ردت بهجمات مماثلة. وتوجيه فصائل عراقية موالية لإيران، في مارس وأبريل 2026، لضربات على مطارات وقواعد عسكرية أمريكية بالعراق. وإعلان الحوثيون في 28 مارس 2026، مساندتهم لإيران ولبنان، بإطلاق صواريخ على إسرائيل، مع تهديد إيران بإغلاق باب المندب في حال توسع الهجمات.
لقد غيرت حرب إيران مفهوم الأمن الدولي، من المفهوم العسكري إلى المفهوم الشامل، الذي يجمع بين الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأيضًا الاجتماعية والتكنولوجية، ما يعني أن الحروب في السنوات المقبلة لن تقف عند المواجهات العسكرية المباشرة، بل تنشأ من هجمات سيبرانية وأزمات اقتصادية وأخرى اجتماعية وكوارث بيئية. أوضحت وكالة “يوروبول” أن الصراع في الشرق الأوسط، سيرفع التهديدات الإرهابية والسيبرانية على الأمن الأوروبي. يشير دخول وكلاء إيران بالمنطقة إلى الحرب، إلى توسع مفهوم الأمن، وأن حسابات أمن إيران باتت ترتبط بتهديد أمن الخصوم، باستخدام كافة الأدوات التقليدية والحديثة. مع الإعلان عن هدنة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، شنت إسرائيل غارات غير مسبوقة على لبنان، وتعد هذه الغارات هي الأعنف منذ بداية الحرب، وفي الوقت نفسه أكدت الولايات المتحدة أن الاتفاق لا يشمل لبنان، ردًا على تهديد إيران بالانسحاب من الاتفاق في حال استمرار الغارات على لبنان. عقب فشل المفاوضات في إسلام آباد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 12 أبريل 2026، فرض حصارًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، كوسيلة ضغط للقبول بالشروط الأمريكية.
مضيق هرمز ـ أمن الطاقة كمحرك للعلاقات
– تأثير مضيق هرمز: إن تبعات الحرب لم تقف عند التبعات العسكرية والسياسية، بل كانت التبعات الاقتصادية أكثر تأثيرًا، ووسيلة ضغط يلجأ لها أطراف الحرب، مثل تعطيل مضيق هرمز من قبل إيران، بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على السفن التجارة وناقلات النفط المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها داخل المضيق، ودرس البرلمان الإيراني في أبريل 2026، مشروع قانون لتنظيم الملاحة بالمضيق. قيدت طهران حركة السفن بشكل كبير، معتبرة المضيق وسيلة للضغط على الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز بالعالم. أدت هذه الخطوة إلى انخفاض تدفق النفط عبر أهم ممر مائي إلى النصف تقريبًا، وتعرض تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا للخطر، وارتفعت الأسعار لتتجاوز (120) دولارًا للبرميل. توقعت وكالة الطاقة الدولية، في 14 أبريل 2026، تراجعًا في الطلب العالمي على النفط بمتوسط (80) ألف برميل يوميًا في 2026، وسط أزمات في الإمدادات، بعد انخفاض العرض (10) ملايين برميل يوميًا.
يقدر بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، أن إغلاق مضيق هرمز قد يخفض نمو الاقتصاد العالمي، بنسبة (2.9) نقطة مئوية سنويًا في الربع الثاني من 2026. ورفع بنك “غولدمان ساكس” احتمالية حدوث ركود بالولايات المتحدة إلى (25%) في 2027. كما حذرت مؤسسة “إكسفورد إيكونوميكس” من أن استمرار أسعار النفط عند (140) دولارًا للبرميل، قد يدفع منطقة اليورو والمملكة المتحدة واليابان، إلى انكماش حاد، وقد بلغت أسعار البنزين بالولايات المتحدة (4) دولارات للجالون في 13 مارس 2026. امتد تأثير الإغلاق على قطاعات أخرى، حيث تواجه دول آسيا الكبرى المستوردة للطاقة، مثل كوريا الجنوبية واليابان قيودًا حادة على الإمدادات، بينما تواجه اقتصادات دول أوروبا ضغوطًا اقتصادية ركودية، لارتفاع تكاليف الوقود واضطرابات سلاسل التوريد.
– التنافس على طرق الإمداد: تسببت حرب إيران في تأثر طرق الإمدادات، نظرًا للهجمات المتتالية على البنية التحتية للنفط والغاز بدول الخليج، ما خلق أزمة طاقة عالمية أكثر خطورة من أزمات أعوام (1973، و1979، و2022) مجتمعة، بحسب رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول. رغم انخفاض أسعار الطاقة، عقب اتفاق وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، فإن مدى سرعة واستجابة الانخفاض يعتمدان على مسار الاتفاق ومخرجات الجولة الثانية من المفاوضات المرتقبة، وتداعيات حصار واشنطن للموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، لإعادة فتح المضيق مجددًا، لاسيما وأن إيران فرضت رسوم عبور بقيمة “مليوني دولار” على السفن العابرة للمضيق، وفقًا لوكالة بلومبرغ. وتتجه التوقعات إلى أن إعادة تشغيل خطوط إمداد النفط المعلقة ستستغرق شهورًا.
تراجعت الإمدادات العالمية من الكبريت، حيث تمثل دول الخليج نحو (45%) من الإنتاج العالمي، ونقصت الإمدادات العالمية من الهيليوم، ومواد خام الألومنيوم، والأسمدة. ارتفعت أسعار اليوريا بنحو (50%) منذ بدء الحرب. حذرت منظمة “الفاو” من تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي. وتواجه عدد من دول شرق أفريقيا، وبنغلاديش وباكستان والهند، خطر أزمة أمن غذائي قد تستمر حتى 2027، نظرًا لاعتمادها على وارادات الأسمدة من الخليج. في منتصف مارس 2026، تعطلت (20%) من واردات المنطقة من الغذاء، مما أدى لارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين (40%- 120%). تضررت محطات تحلية المياه بالمنطقة من الهجمات، ما رفع التوقعات إلى ظهور شبح أزمة مياه تهدد نحو (62) مليون نسمة. حذر نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، من أن سلاسل الإمداد الإنساني تقترب من أشد اضطراباتها منذ جائحة “كوفيد-19” وحرب أوكرانيا، إذ ارتفعت تكاليف الشحن لبرنامج الأغذية العالمي بنسبة (18%)، وقدرت الأمم المتحدة أن الصراع قد يدفع (45) مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد.
التنافس داخل حلف الناتو
– تباين المواقف: ظهرت الانقسامات داخل حلف الناتو، مع اندلاع حرب إيران، حيث تجنب حلفاء الولايات المتحدة الدخول على خط الأزمة، وأدانت بريطانيا وألمانيا وفرنسا، في 28 فبراير 2026، الضربات الإيرانية المضادة، داعين لاستئناف الحوار الدبلوماسي. أكد رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، أن بلاده لن تشارك في الحرب، رغم نشرها لسفن حربية ومروحيات للدفاع عن المجال الجوي القبرصي. رفض وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في 5 مارس 2026، بشكل قاطع أي مشاركة للجيش الألماني بالحرب. أكد إيمانويل ماكرون، في 9 مارس 2026، أن فرنسا لا تشارك في النزاع الدائر بالمنطقة. وانتقد المستشار الألماني فريديرش ميرتس، في 9 مارس 2026، غياب رؤية استراتيجية لإنهاء النزاع الحالي بين واشنطن وتل أبيب وطهران.
عند مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 15 مارس 2026، (7) دول للانضمام إلى تحالف عسكري لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن هذه الدول المستفيد الأكبر من نفط المنطقة، ويجب أن تشارك في حمايته. قال كير ستارمر، إن بريطانيا لن تُسحب إلى حرب أوسع بإيران، لكنها ستعمل مع الحلفاء لإعادة فتح مضيق هرمز. شكك وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، في توسيع مهمة “أسبيدس” الأوروبية بالمضيق، ما يعكس حذرًا أوروبيًا من تحول الناتو لأداة اشتباك مباشر مع إيران. أوضح إيمانويل ماكرون، في 8 أبريل 2026، أن (15) دولة تعمل على تسهيل عودة الملاحة بالمضيق، مؤكدًا على أن المهمة دفاعية ومنسقة مع إيران، الأمر الذي يؤكد حرص باريس وأوروبا على احتواء الأزمة دون تحويلها إلى حملة عسكرية أطلسية. على الفور انتقد دونالد ترامب، حلفاء الناتو، لعدم فعل ما يكفي تجاه المنطقة، لاسيما وأن الأمين العام للحلف مارك روته، أبلغ بعض العواصم بأن ترامب يريد التزامات ملموسة خلال أيام بخصوص تأمين هرمز.
– مستقبل الناتو: تعد الأزمة الراهنة التي تواجه الناتو، أسوأ أزمة للحلف منذ تأسيسه، نظرًا لتباعد سياسات واشنطن وباقي أعضاء الحلف بشأن حرب إيران، لاسيما وأن تصريحات مسؤولي الدول الأعضاء بالحلف، أكدت أن قرار شن الحرب كان منفردًا من واشنطن، مشددين على عدم رغبتهم في الانخراط في الهجمات. كشفت الحرب عن خلل جوهري في رؤية الدول بالناتو، إذ بررت واشنطن الحرب، بأن إيران كانت تخطط لهجمات وشيكة ضد مصالح أمريكية وإسرائيلية، بينما تنظر أوروبا وتحديدًا دول “الترويكا”، إلى أن الصراع عمل أمريكي أحادي الجانب، تم شنه خلال مفاوضات جارية، وتعتبر دول أوروبا الشرقية مثل بولندا، أن الأولوية هي روسيا، ولن يعيدوا نشر أصول الدفاع الجوي بالشرق الأوسط. في 20 مارس 2026، وصف ترامب الحلفاء الأوروبيين بـ”الجبناء”، لرفضهم المشاركة بالحرب. لم تغير هذه التصريحات من موقف الأوروبيين، بل أعلنت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا، في 30 و31 مارس 2026، منع الطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة بإمدادات عسكرية أمريكية من عبور أجوائها، ما يؤكد على اتساع الفجوة بين واشنطن وباقي دول الحلف.
انعكاسات الحرب على النظام الدولي
– صعود قوى أخرى: تشير صحيفة “فايننشال إكسبريس”، إلى تبني الصين وروسيا مواقف داعمة لإيران، حريصتين على تجنب التدخل العسكري، رغم تقديم دعمًا دبلوماسيًا وماديًا لاستمرار المواجهات. يقول ويليام تشيب أوشر، مسؤول استخباراتي أمريكي سابق، إن “روسيا هي المستفيد الأكبر بشكل مباشر، لاعتمادها في ميزانيتها الفيدرالية لعام 2026، على النفط بسعر يقارب 60 دولارًا للبرميل، ووفر الكرملين الإيرادات اللازمة لمواصلة حرب أوكرانيا”. قد حققت روسيا مليارات الدولارات، بفضل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وتخفيف الولايات المتحدة القيود المفروضة على النفط الروسي. أفاد مسؤولون أمريكيون، أن روسيا تزود إيران بصور الأقمار الصناعية ومعلومات استخباراتية، حول مواقع السفن الحربية والطائرات الأمريكية، وهي مرحلة عالية من التعاون العملياتي والاستخباراتي يتجاوز عتبة مهمة محددة. إن تحويل أنظمة الأسلحة الأمريكية والأصول الاستخباراتية للشرق الأوسط، يقلص الضغط الأمريكي على روسيا للتفاوض بشأن أوكرانيا. وقد تستغل موسكو انشغال واشنطن بالأوضاع الراهنة، لتعيد ترتيب المشهد في حرب أوكرانيا لصالحها، وإدارة الحرب الهجينة ضد الغرب بصورة أوسع دون رقابة.
يوضح ديف بيتس، مسؤول تنفيذي سابق رفيع المستوى بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أن روسيا والصين تعملان على تحقيق مكاسب استراتيجية أكبر على حساب الولايات المتحدة، وأن الدولتان تفضلان حربًا طويلة الأمد، للتأثير على واشنطن واحتياطاتها العسكرية، وتحالفاتها ونفوذها العالمي وقدرتها على الردع. يجمع بكين وموسكو هدفًا مشتركًا، هو تحويل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى نكسة استراتيجية ومكلفة لواشنطن دون تدخل عسكري علني. يقول ديف بيتس، إن ” الصين تسفيد من حرب إيران، كونها مختبرًا حيًا لدراسة القدرات العسكرية الأمريكية، وأنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيرة، وقوة التحالفات والخدمات اللوجستية العالمية، في ضوء تطلعاتها نحو تايوان”. تعد الصين المستفيد الرئيسي من النفط الإيراني، فهي لا تحصل على خصومات كبيرة فقط، بل تتجه لتقويض الدولار الأمريكي، بتسوية العقود باليوان الصيني. أشارت تقارير إلى تزويد الصين إيران سرًا، بتقنيات ذات استخدام مزدوج مثل “أنظمة الملاحة” التي مكنتها من توجيه ضربات ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية.
من المتوقع أن الصراع بالمنطقة، قد يدفع العلاقات الروسية الصينية إلى مرحلة تحالف منظم بدلًا من تنسيق حذر، وتعكس خطة التنمية الصينية للفترة (2026-2030)، التي قُدمت للمجلس الوطني لنواب الشعب في مارس 2026، زخمًا متجددًا لمشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2”. تعمل الصين على بناء احتياطات نفطية استراتيجية تغطي احتياجاتها من الواردات لمدة (104) أيام تقريبًا، لتجاوز إغلاق مضيق هرمز لفترة متوسطة. وتتبادل بكين وموسكو، المواد الهيدروكربونية، برأس المال والتكنولوجيا والغطاء الدبلوماسي الصيني.
– إعادة توزيع النفوذ العالمي: بدأ النزاع الحالي في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وبرز دور حزب الله اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران، بجانب الحوثيين، كأدوات ضغط في يد إيران ضد خصومها، ما قد يدفع المنطقة إلى أن تصبح ساحة توترات لفترة زمنية طويلة. يوضح ويليام تشيب أوشر، مسؤول استخباراتي أمريكي سابق، أن بقاء النظام الإيراني ترجمة لعقيدته الاستراتيجية، ما يعني انتصار التيار المتشدد على التيار الإصلاحي، نظرًا لأن الحرس الثوري هو من يقود المشهد الآن، ما قد يدفع النظام إلى سياسات أكثر تشددًا، ويجعل إيران رقمًا مؤثرًا في المعادلة الجيوساسية إقليميًا ودوليًا.
تقول سارة يركيس، زميلة ببرنامج كارنيغي للشرق الأوسط ، إن “الحرب تعيد صياغة العلاقات بين الخليج وإيران، ويدفع الخليج إلى سياسة أبعد عن الحياد، بعد تضرر اقتصاده جراء الضربات الإيرانية”، متوقعة أن الحرب قد تعيد صياغة التعاون بين واشنطن ودول الخليج، لاسيما وأن الشرق الأوسط تراجع، في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025. في الوقت نفسه باتت الهند أكثر براغماتية في أمن الطاقة، وفي 4 أبريل 2026، اشترت الهند نفطًا إيرانيًا للمرة الأولى منذ (7) سنوات، ما يعني أن التحالفات الدولية قد تتغير، وفقًا للمصالح الاقتصادية والسياسية. في السياق نفسه، أصبحت باكستان شريكًا إقليميًا موثوقًا، ووسيطًا بين الولايات المتحدة وإيران، ما يمنح الدولة الواقعة في جنوب آسيا وضعًا على الساحة الدولية، حيث تمكنت باكستان من التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين، واستضافت إسلام آباد الجولة الأولى من المباحثات، وفضل دونالد ترامب، أن تستضيف باكستان الجولة الثانية من المفاوضات.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تتشابه حرب إيران 2026 مع غزو العراق 2003، من حيث سوء التخطيط والتقدير الاستخباراتي، لتداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي والداخل الأمريكي، وتبعات ما حدث على النظام السياسي في الدولتين، حيث اعتمدت التقارير الاستخباراتية على معلومات مغلوطة بشأن العراق وإيران، وكلف غزو العراق، الولايات المتحدة خسائر مادية وبشرية جسيمة، وبالمثل تكبدت خسائر كبيرة في حرب إيران التي استمرت (39) يومًا، رغم عدم دخولها بريًا لإيران. في الوقت نفسه دفعت العمليات العسكرية الأمريكية بالعراق، إلى انزلاقه في أزمات أمنية وسياسية، ما سمح لإيران باستقطاب وكلاء لها ونشر نفوذها هناك، واليوم وبعد استهداف المرشد الإيراني، من المتوقع أن تتجه إيران لسياسات أكثر تشددًا، وتوسيع نفوذها بالمنطقة عبر الوكلاء الحاليين واستقطاب قادة جدد لهذه الفصائل، ما يعني أن الحرب الراهنة فرضت واقعًا جيوسياسيًا جديدًا بالمنطقة، ومفهومًا جديدًا للأمن الدولي والصراعات الدولية.
– إن رد فعل إيران في الحرب والمفاوضات، يشير إلى أن حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن دقيقة، بشأن انهيار النظام الإيراني عقب اغتيال المرشد وبعض المسؤولين، ورغم انخفاض وتيرة الهجمات الصاروخية لإيران بعد الأسبوع الأول للحرب، فإن استمرارها في الهجمات والضغط على الاقتصاد العالمي، دليلًا على نجاح استراتيجية طهران في عدم الاستسلام وقبول شروط واشنطن من أول جولة مباحثات، واعتمدت على نهج منع انتصار الخصوم بدلًا من السعي لتحقيق نصر حاسم، ومن المحتمل أن الجولة المرتقبة للمباحثات، لن تسير طوال الوقت لصالح واشنطن، بل ستسعى طهران لإعادة تموضع نفسها بالمنطقة بصورة جديدة.
– إن حرب إيران تصب في صالح الصين، نظرًا لأن القوات الأمريكية وحاملات الطائرات ومخزونات الذخيرة وأجهزة الاستخبارات منتشرة بالمنطقة، ومن المرجح أن تضع الصين خططًا مستقبلية للتعامل مع أي تهديدات أمريكية مرتقبة في تايوان، ما قد يخفف الضغط على الصين في أي أنشطة عسكرية بالقرب من تايوان.
– كشفت الحرب لدول الجنوب العالمي، عن أن النهج الذي تقوده واشنطن، لا يستطيع ضمان أمن واستقرار المصالح العالمية المشتركة، بعد إغلاق مضيق هرمز ولجوؤها لحصاره، ما قد يفقد هذه الدول الثقة في قدرات الولايات المتحدة، على التعامل مع أي تغيرات سياسية وعسكرية مرتقبة بالصراع الحالي، ويؤثر على مصداقيتها تدريجيًا السنوات المقبلة.
– رغم أن حلف الناتو لن يتحول إلى إطار تنسيق فقط، فإنه لم يعمل كتحالف هجومي موحد في حرب إيران، وسيبقى تحالفًا عسكريًا فعالًا في الردع والدفاع. ومن المرجح أن تظل الانقسامات بين الدول الأعضاء قائمة، بشأن الملف النووي الإيراني والتعامل مع طهران، أو تفويض قوة عسكرية أطلسية في المنطقة، ما قد يضعف الحلف في ملفات أخرى مشتركة مثل حرب أوكرانيا، والإنفاق الدفاعي المشترك، والتواجد الأمريكي بأوروبا.
– من المحتمل أن تسرع أوروبا من سياسات الاستقلال الاستراتيجي، تحسبًا لأي سياسات متهورة من جانب الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو، لاسيما وأن دونالد ترامب لوح مرارًا بالانسحاب من الناتو، وفي الوقت نفسه قد تتجه أوروبا إلى فتح قنوات اتصال مع روسيا، تمهيدًا لتقديم مقترحات لتسوية الوضع في أوكرانيا، لاسيما وأنهم يدركون خطورة استغلال روسيا الصراع بين إيران والولايات المتحدة، لتحقيق مكاسب واسعة في أوكرانيا، بجانب تخوفهم من أي رد فعل أمريكي بشأن الصراع الروسي الأوكراني، في حال تسوية الأزمة مع إيران.
الهوامش
While the U.S. Focuses on Iran, Russia and China See Strategic Gain
How the Iran War Is Reordering the World, Second and Third-Order Effects
What America Has Lost in the War With Iran
The Iran War Is Making America Less Safe
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
