نور الدين العلوي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_دخل العالم هدنة هشة ولا يدري متى ينقضها المعتدون، فالمفاوض الإيراني أشد بأسا من المحارب وقد يكسب بالتفاوض أكثر مما يكسب بالحرب. لذلك وقبل الخروج إلى حالة سلام مرغوبة في المنطقة (وفي العالم) نؤجل الحديث عن النصر والهزيمة ونتأمل الدروس المرمية على قارعة الطريق، فهذه حرب تقدم ألف كتاب للتحليل وأكثر من ذلك دروسا تاريخية وسياسية لمن يرغب في التعلم. نتجنب حديث الخبرة في الحرب احتراما للقارئ، ولكن دروس السياسة والتاريخ قريبة من اليد والقلم نحاول النظر من زاوية العربي الجانح للسلم والعاجز دونها رغم الأماني العراض في خلاص دائم.
لا سلام بوجود الكيان المعتدي
لو بحثنا عمن قال لأول مرة هذه البديهة الأولى لعسر علينا تحديده ومعرفته، فقد حصل اتفاق شامل بين كل من تحدث من العرب عن الشرق الأوسط؛ أن لا سلام ولا استقرار ولا تنمية ولا حرية ولا أمل في غد مشرق بوجود الكيان الصهيوني مغروسا في قلب الشرق. لذلك نقول بأن الدرس الأول من هذه الحرب هو التذكير بهذه البديهة القاعدة السياسية والتاريخية، والتذكير من وراء ذلك بأن الاتفاق في التحليل لم يُنتج اتفاقا في الموقف السياسي بين سكان هذا الشرق المغرم بالخلافات البينية. ما كان لهذه الحرب أن تقوم لولا رغبة الكيان في شنها وتخطيطه لها منذ أربعين سنة، وهي ليست الحرب الأولى ولن تكون الأخيرة (وهذا ليست نبوءة).
رغم هذا الإجماع العربي والإسلامي القديم (الأزلي) فإن إيران حاربت وحدها، وقبلها حاربت غزة، وحدها وحارب لبنان وحيدا (ولا يزال). لماذا لم تنتج البديهية الأولى موقفا سياسيا وعسكريا موحدا ضد الكيان، رغم أن مهج الشعوب متفقة إلا قليلا نادرا يتحجج بأن العين لا تعاند المخرز (وهؤلاء عاهة كل تاريخ)؟ لماذا يسارع خطاب التقسيم والشحن إلى المشهد فيطمس أصواتا مؤمنة بوحدة المصير في المنطقة، برغم اختلافات كانت ذابت واضمحلت ونُسيت فأوقضت ففعلت فعلها التقسيمي بنجاح (مثل الخلاف المذهبي بين المسلمين)؟
أليس هذا درسا جديرا بالتقديم فوق كل طاولة نقاش تنصب الآن والحرب معلقة في شعرة من مزاج عدو يعيش بالحرب؟ الحرب ضد الكيان لا تدار بهذه الطريقة، وإن كانت إيران قد أثخنت فيه وكسرت هيبته وكشفت هوانه. ماذا لو ناصر العرب والمسلمون إيران؟ (هنا دخل المقال في التمني).
رغم ذلك فأمريكا قابلة للهزيمة
ألم الفرقة لا يحجب عنا رؤية الإمكان التاريخي الذي تحقق في هذه الحرب، وهي أن المعتدي الصهيو-أمريكي قابل للهزيمة، بل يمكنه أن يهرب من الحرب مثل كل معتد جبان. لقد تألم كثيرا وخسر سلاحا وجنودا وموقفا سياسيا؛ تخلى عنه حلفاؤه التقليديون الذين شاركوه الاعتداء الغاشم على العراق فوجد نفسه بلا سند، وظهر بجواره أقوياء آخرون لا يخشون نقده بل يسعون إلى التعاون ضده وانتظار انهياره. وهذا مشهد جديد آخذ في التشكل لمن يبحث عن أحلاف ومنافذ سلاح وقوة.
تبين له أن “جمهوره” لا يتفق معه بل يخذله في الحرب، وقائل منه لن نموت من أجل طبقة إبستين (وهذه جملة مصيرية لا يمكن بعدها بناء جيش ينتصر). ولقد تبين لهذا الجمهور (بفضل غزة الشهيدة) أن الكيان ليس الولايات المتحدة وأن مصيرهما ليس واحدا، أي أن واجب نصرة الكيان ليس محمولا على دافع الضرائب الأمريكي المسكين (شكرا آنَّا كسبريان). هذه حقائق وجب أن تخرج منها بديهة جديدة الولايات المتحدة قابلة للهزيمة وربيبتها (أو الحقيقة مالكتها الصهيونية) ليست قادرة بنفسها بل مقتدرة بغيرها على البقاء.
كيف لهذا البديهة أن لا تتحول إلى موقف قتالي عربي إسلامي ضد الكيان؟ لقد سقطت في ظننا حجة ترددها الأنظمة القائمة في المنطقة، وهي الرأفة بشعوبها أن تموت في الحرب. لقد انكشف أن الشعوب مستعدة لدفع الأثمان من أرواحها وليس فقط من خبزها اليومي لتبلغ مبلغ الحرية والانعتاق.
إلى اللقاء في حرب قادمة
بلغنا في حرب الطوفان المقدسة إلى قناعة أن هذا الكيان قادر بغيره عاجز بنفسه، وترسخت هذه القناعة في العدوان على إيران؛ سلاحه أقل من عداونيته وجيشه أجبن من حرب رجل لرجل، وشعبه يحسب كل صيحة عليه.
سوريا الهشة قريبة جدا من حرب تحاول تأجيلها لمداواة جراح سابقة، ومصر قريبة تعقلن موقفا سياسيا لا ينتج عنه أمن دائم ولا تنمية ولا حريات. هناك بقية من فلسطين يجري احتلالها بالقضم اليومي اسمها الضفة، وبعد الضفة يقترب القارض من الأردن الذي يظن نفسه بمنجاة. ونرى الكيان يتحرش بتركيا ويصطنع أسبابا للحرب لا تنتهي (وقد بلغت التهديدات الجزائر في أقصى الغرب الإسلامي)، لذلك نرى حربا قادمة.
متى وأين؟ كل من ذُكر أعلاه مهدد بالحرب في أية لحظة، وأمر الحرب متعلق بمزاج قيادة الكيان، وليس فقط بالشخص القائم الآن انطلاقا من بديهة مكشوفة؛ لا يمكن للكيان أن يعيش بسلام مع جيرانه لأن أصله عدوان مستمر وقد زُرع هناك لهذه الوظيفة. لقد طبّع بعض الجيران علاقته معه بنية مضمرة (التخلي عن الفلسطيني)، فلم ينالوا من التطبيع غير امتهان أنفسهم وشعوبهم. محاولات السلام مع الكيان لم تنتج سلاما ولن تنتجه، لذلك فالحرب قادمة وإن تجنبها العرب والمسلمون.
إن ما يؤلم مواطنا عربيا (ليتني بلغت المواطنة فعلا) أن البديهات التي سردتها أعلاه معروفة وهي من الواضحات الفاضحات، ولست أبتدع الحديث فيها. ويشتد الألم مع كل حرب تذكر بها ولا يخرج من كل تذكير موقفا دفاعيا مشتركا.
لا داعي لألف درس؛ نكتفي بواحد: الكيان قابل للهزيمة والمحو. من وعى هذا وعمل به فاز بمجد عظيم.
عربي21
