د / صلاح محمد الشاردة
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_“أثر البعثات لدراسة الفن في ايطاليا في تشكيل الذائقة الليبية “
ليست كل الحكايات تبدأ من الداخل … بعضها يُستعار ، ثم نحاول لاحقا ان نجعله لنا .
في ليبيا ، لم يولد التشكيل الحديث من تراكم محلي متصل ، بل من شق ضيق فتح نحو الخارج . ومن هناك … دخل الضوء ، ومعه الارتباك .
الاحتلال الايطالي لم يأت ليبني وعيا فنيا .. جاء ليستقر ، لا ليعلم . ولهذا ، لم تترك ايطاليا في ليبيا ما تركته في اماكن اخرى من اثر بصري مدون .
اللوحة التي رأت الحياة الليبية من عين ايطالية ، كانت نادرة ، خجولة ، لا تشكل مرجعا يمكن البناء عليه . في الداخل ، كان الاشتغال اقرب الى الحرفة زخرفة ، تزويق ، مهارة يدوية تتقن السطح ، بمجهود معلمي ” مدرسة الفنون والصنائع العثمانية ” بطرابلس لكنها لم تؤسس لرؤية .
ثم ، في لحظة لاحقة ، بدأ شيء آخر يتشكل .
افراد على حسابهم الشخصي ، وبعض البعثاث والمنح الدراسية من جهات متفرقة ذهبوا الى ايطاليا … وعادوا … هنا ، بدأت الحكاية التي لا تزال مفتوحة . لم يعودوا بنسخة واحدة من الفن ، بل بقطع متفرقة .. هذا اقترب من الواقعية ، ذاك من التجريد ، وثالث جرب كل شيء دون ان يستقر على شيء . كانت التجارب حقيقية ، لكنها لم تتقاطع بما يكفي لتصبح تيارا . كأن كل واحد منهم عاد بروما الخاصة به ، لا بروما يمكن ان تُترجم الى سياق ليبي .
المشكلة لم تكن في التأثر … بل في غياب ما يستقبل هذا التأثر . لا مدرسة تجمعهم ، لا خطاب نقدي يقرأهم ، ولا بنية تجعل من اختلافهم طاقة ، لا تشتتا . فصار المشهد مجموعة اصوات ، واضحة كل على حدة … لكنها ، مجتمعة ، لا تقول جملة واحدة .
اللافت ان كثيرا منهم عاد الى التراث ، بحثا عن هوية تثبت هذا القلق .. الزي ، النقوش ، الوجوه ، الحكايات … كلها دخلت اللوحة ، كمرجعية .
لكن التعامل معها ، في كثير من الاحيان ، كان اقرب الى الاحتماء …لا الاشتباك . فبدل ان يتحول التراث الى مادة معاصرة ، تحول الى اطار مغلق .. زاد الحضور البصري … وتراجعت الرؤية . وفي الوقت ذاته ، كان العالم يتحرك بسرعة … اوروبا وامريكا في الستينات والسبعينات تعيش انفجارا فنيا ..
مدارس تتكسر ، مفاهيم تُعاد صياغتها ، وحدود اللوحة نفسها تختبر . لكن هذا الزخم … لم يُلتقط كما ينبغي . ما وصل ، كان جزءا … وما تُرك ، كان الاهم . ثم دخلت السياسة ، لا كخلفية ، بل كشرط .
تحول الفن ، في لحظة ما ، من مساحة حرة الى منطقة حساسة . بعض الفنانين انسحبوا ، بعضهم صمت ، وبعضهم حاول ان يتكيف . وهنا ، انقطع خيط كان يمكن ان يُبنى عليه .
في الالفية الجديدة ، عادت روما مرة اخرى . بعثات ، دراسات ، اسماء بدأت تلمع خارجيا . لكن هذه المرة ، كان الداخل مضطربا . عاد بعضهم … واختار بعضهم البقاء خارجا . وهنا ، تكررت المفارقة .. تجارب تتشكل في الخارج ، لكنها لا تعود لتُختبر في الداخل .. فنانو روما اليوم ليسوا مجرد خريجين ،
بل حالة تحتاج الى قراءة جادة . ليس احتفاء ، ولا رفضا مسبقا ، بل فحصا دقيقا . ماذا اخذوا فعلا من اساتذتهم ؟ ما الذي بقي منهم داخل اعمالهم ؟ كيف ترجموا هذا التأثر الى لغة تخصهم ؟
وهل استطاعوا ان ينقلوا شيئا منه الى طلبتهم … ام ظلوا بدورهم حالات فردية ؟
هذه الاسئلة ، لا تُطرح بما يكفي . لاننا، في كل مرة ، نقف عند الحكاية … ولا ندخل الى العمل .
روما، هنا ، ليست مدينة فقط … بل فكرة .. فكرة الانفتاح ، والتعلم ، والاحتكاك . لكن هذه الفكرة ، دون بنية تستقبلها ، تبقى معلقة .. لا يمكن تحميل التجربة الايطالية ما لا تحتمل ، ولا تبرئة خريجيها مما حدث بعدها . المشكلة لم تكن في من ذهبوا … بل في ما لم يكن موجودا حين عادوا .
في ليبيا ، لم تتحول البعثات الى مشروع ، ولا التأثر الى مدرسة ، ولا التجارب الى تراكم .
فبقيت الحكاية … تبدأ كل مرة من روما ، ولا تنتهي هنا .
والسؤال الذي لا بد ان يُطرح، خاصة اليوم :
هل كانت روما بداية حقيقية … ام مجرد محطة ،
لم نجد بعد كيف نحولها الى طريق ؟
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
