زينب البرعصي ((درنة -ليبيا ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_“بعد يومٍ مرهقٍ وشاق، دخلتُ إلى العمارة التي أقطنها، حيث أعمال الصيانة والإعمار لا تتوقف ليلًا ونهارًا. كانت الفرشاة تضع لمستها الأخيرة من الطلاء على مدخل البناية. صعدتُ السُّلَّم، وإذا بالعامل، وقد وضع سماعاته، يردد بصوتٍ عالٍ وبحماس: أنا مش أنا… ولادة أنا….. … ولادة أنا. كاد أن يلطّخ سترتي السوداء باللون الأبيض، لكن الأغنية باتت تتأرجح في سمعي، دفعتني لأن أتجه إلي اليوتيوب لأستمع إليها بطريقتي.”
رغم أن لون عبد الباسط حمودة لا يروقني كثيرًا، إلا أن تساؤله بدا لي عميقًا، يكاد يكون فلسفيًا، وهو يقف أمام مرآته. حمودة، المطرب الذي أحيا فرح خالد يوسف في فيلم الفرح، كانت أغنيته محورًا تدور حوله الشخصيات. تدور الكاميرا على ملامحهم، كأنها مرآة فاضحة تكشف حكاياتهم وأوجاعهم. وفي قلب هذا المشهد، يقف ذلك الصوت الشعبي كأنه مايسترو ينسج الألم ويمنحه إيقاعًا يُسمَع.”
“مرآة حمودة، التي يدفن فيها أسراره، سطحٌ مستوٍ تُثيره ملامحه في أول النهار. هي تلك الثواني الأولى التي نتفقد فيها وجوهنا قبل أن نغسلها؛ النظرة التي نتساءل فيها: أنا مش عارفني… أنا مش أنا.سؤال حمودة ليس جملة عابرة في أغنية، بل سؤال يتكاثر تحت جلدنا كل يوم، يتقدّم به العمر، ويثقل به المعنى: أنا تهت مني… أنا مش عارفني… ولادة أنا؟إنها لحظة لا تجد جوابها إلا في ألبوم صورك القديم، حين تراها بروحك لا بعينيك؛ ذلك الجسد اليافع، المتربّع على عرش الطفولة والصبا. لكنك، ما إن تغلق الألبوم، حتى توقظك المرآة التي لا تكذب… مرآة الروح المعلّقة على جدار وقتك.
دفعني حمودة إلى التأمل، وأنا أقترب من العقد الخامس ببطءٍ سريع، ولا تزال ملامحي معلّقة بمرآتي التي تعرف حكايتي، وتعرفني جيدًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ متجهً إلى عملي. كان العامل قد أنهى طلاء الجدران، وخفتت أصداء صوت حمودة. غير أن جدار العمارة، الذي أبدع العامل في طلائه، ترك على سطحه تساؤلًا صامتًا… كأنه يذكّرني به دائمًا. *
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
