الدكتور محمد أبوغزله
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_كشفت الحرب في إيران، التي اندلعت مع حملة القصف الأمريكية–الإسرائيلية في 28 فبراير 2026، عن حدودٍ بنيوية وإمكاناتٍ كامنة غير مستثمرة في العلاقات الأوروبية–الخليجية، إذ دفعت بهذه العلاقات من إطارٍ اقتصاديٍ شبه بحت إلى فضاءٍ استراتيجي أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فبعد أن ارتكزت هذه الشراكة تاريخيًا على التجارة، وترابط أسواق الطاقة، وتدفقات الاستثمار، أصبحت اليوم محكومةً باعتباراتٍ أمنية صلبة، تفرض إعادة تعريف مفاهيم الردع، والمصداقية، ودرجة التوافق الاستراتيجي بين الطرفين.
ومن أبرز التحولات التي أفرزها الصراع بروزُ حالةٍ من التعرض المشترك—وإن اتسمت بعدم التكافؤ— للمخاطر. فقد واجهت دول الخليج تهديداتٍ مباشرة تمثلت في هجماتٍ صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت البنى التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية والمراكز الحضرية. في المقابل، تجلت تداعيات الحرب على أوروبا بصورةٍ غير مباشرة، من خلال صدماتٍ في أسواق الطاقة، واضطراباتٍ في سلاسل الإمداد، وضغوطٍ تضخمية، وتآكلٍ نسبي في القدرة التنافسية الصناعية. تاريخيًا، أسهم هذا التباين في إدراكات التهديد في تقييد فرص بناء تعاونٍ أمني عميق بين الجانبين؛ غير أن هذا التفاوت ذاته قد يتحول،”بشكلٍ متناقض، إلى محفزٍ لتقاربٍ تدريجي في الرؤى الاستراتيجية، مدفوعًا بإدراكٍ متزايد لوحدة المصير في بيئةٍ دولية مضطربة.
علاوةً على ذلك، سرّعت الحرب من وتيرة إعادة النظر في الافتراضات الأساسية التي قامت عليها منظومة الأمن الدولي خلال العقود الماضية. فلم يعد من المسلّم به النظر إلى الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الأحادي والمستقر، سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي. ففي الخليج، يتصاعد الشك في موثوقية التزامات الأمن الخارجي وقابليتها للتنبؤ، بينما تدرك أوروبا بشكلٍ أكثر حدة الفجوة المتنامية بين ثقلها الاقتصادي ومحدودية قدرتها على التأثير في مخرجات التفاعلات الأمنية الصلبة في المنطقة.
ولا يقتصر أثر الصراع على الإطار الإقليمي، بل يمتد ليطال بنية النظام الدولي الأوسع. فقد أعاد إحياء النقاشات حول مستقبل الأحادية القطبية، واستدامة الهيمنة الأمريكية، واتجاهات إعادة توزيع القوة في النظام العالمي، لا سيما في ظل صعود أدوار كلٍ من الصين وروسيا. وبينما لا يُرجّح أن تحل أيٌّ من هاتين القوتين محل الولايات المتحدة بوصفها مزودًا شاملًا للأمن، فإنهما تمتلكان هامشًا متزايدًا لاستثمار الفراغات الاستراتيجية الناشئة، سواء عبر الانخراط الدبلوماسي، أو التأثير في تدفقات الطاقة أو الاضطلاع بأدوارٍ وسيطة في تسوية النزاعات الإقليمية.
من هنا، لا تمثل الحرب في إيران أزمةً ظرفية فحسب، بل تشكل نقطة انعطافٍ هيكلية تعيد تشكيل معادلات الأمن والتعاون عبر الأقاليم. فهي تكشف عن اختلالاتٍ عميقة في البنى الأمنية القائمة، وفي الوقت ذاته تفتح المجال أمام إعادة تركيب التحالفات وأنماط الشراكة. وفي ظل هذه التحولات، يُرجّح أن تتجه العلاقات الأوروبية–الخليجية نحو قدرٍ أكبر من المؤسسية والعمق الاستراتيجي، بما يتجاوز البراغماتية الاقتصادية إلى بناء شراكة متعددة الأبعاد قادرة على التكيف مع بيئة دولية تتسم بقدرٍ متزايد من السيولة وعدم اليقين.
الموقف الأوروبي المزدوج
يُفهم رد الفعل الأوروبي على الحرب في إيران بوصفه تعبيرًا عن معضلةٍ بنيوية في السياسة الخارجية، أكثر منه تجسيدًا لاستراتيجيةٍ شاملة ومتسقة. فمن حيث المبدأ، سعى الفاعلون الأوروبيون إلى انتهاج مقاربة توازنٍ دقيق، تقوم على إدانة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية، مع التحفّظ في الوقت ذاته على الانخراط في أي تصعيد تقوده الولايات المتحدة. غير أن هذا التموضع الحذر لم يلبث أن كشف عن قيدٍ هيكلي أعمق يتمثل في محدودية قدرة أوروبا على الاضطلاع بدورٍ عسكري فاعل في منطقةٍ تتشابك فيها مصالحها الاقتصادية والسياسية بشكلٍ كثيف.
ومع تطور الصراع، ازدادت هشاشة هذا التوازن وضوحًا. فقد أدّت الضربات الإيرانية المباشرة على دول الخليج—وخاصة تلك التي استهدفت البنى التحتية الحيوية والمناطق الحضرية ومنشآت الطاقة—إلى رفع كلفة الحياد، وجعل استدامته سياسيًا أكثر تعقيدًا. ونتيجةً لذلك، اتجهت الأطراف الأوروبية تدريجيًا إلى إعادة معايرة خطابها، بما يعكس تقاربًا أكبر مع مواقف دول الخليج. وقد تجلّى هذا التحول في تكثيف الاتصالات رفيعة المستوى بين الجانبين، مع التأكيد على مبادئ السيادة وسلامة الإقليم باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار.
ومع ذلك، ظل هذا التحول في معظمه ذا طابعٍ خطابي، دون أن يواكبه انخراطٌ عملي مكافئ. فقد أبرز تردد الاتحاد الأوروبي في الإسهام الفعلي في تأمين الممرات البحرية الحيوية—ولا سيما مضيق هرمز—فجوةً واضحة في المصداقية. وتكتسب هذه الفجوة دلالةً خاصة بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي تهديدٍ لحركة الملاحة فيه ذا انعكاساتٍ مباشرة على استقرار أسواق الطاقة وشبكات التجارة الدولية.
ويعكس هذا التباين بين الخطاب السياسي ومستوى الالتزام العملي قدرًا كبيرًا من التشرذم المؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي. ففي ظل غياب إطارٍ عسكري أوروبي متعدد الأطراف وفعّال لصنع القرار، تتشكل استجابات الأزمات في المقام الأول على مستوى الدول الوطنية، بدلًا من أن تنبثق عن عقيدة أمنية جماعية متماسكة. وعلى هذا الأساس، وبينما قدّمت بعض الدول—مثل فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة—أشكالًا متفاوتة من الدعم اللوجستي والمساندة الدفاعية، تبنّت دولٌ أخرى نهجًا أكثر حذرًا، إن لم يكن انكفائيًا، تجاه أي انخراط عسكري. ويُفضي هذا التباين إلى ترسيخ صورة الاتحاد الأوروبي كفاعلٍ أمني محدود الفاعلية وقابل للتشكيك في موثوقيته.
في المقابل، لا يمكن اختزال هذا التحفظ الأوروبي في العوامل المؤسسية وحدها، بل يرتبط أيضًا بحساباتٍ استراتيجية دقيقة. إذ ينطوي أي تدخل عسكري مباشر في الصراع الإيراني على مخاطر تصعيدٍ إقليمي واسع، وتقلباتٍ حادة في أسواق الطاقة، فضلًا عن تداعياتٍ سياسية داخلية مرتبطة بضغوط التضخم وتحديات أمن الطاقة، وانعكاساتٍ اقتصادية أوسع. وقد أسهمت الحرب بالفعل في تعميق صدمة الطاقة في أوروبا، من خلال ارتفاع الأسعار، وزيادة التقلب، وتعاظم عدم اليقين بشأن استدامة الإمدادات.
غير أن هذه الحسابات لا تتقاطع بالضرورة مع أولويات دول الخليج، التي تجد نفسها في موقع الاستهداف المباشر. فبالنسبة لهذه الدول، تتقدم الاعتبارات الأمنية العاجلة على غيرها عند تقييم الشركاء الدوليين. وفي هذا السياق، لم تُترجم المواقف السياسية الأوروبية إلى إجراءاتٍ ملموسة، الأمر الذي عزز الانطباع بأن أوروبا تعاني ترددًا استراتيجيًا، بدلًا من أن تمارس ضبطًا محسوبًا للنفس.
في المحصلة، يجسّد السلوك الأوروبي في هذه الأزمة إشكالية الدور الدولي للاتحاد الأوروبي في مرحلته الانتقالية: فهو لم يعد قادرًا على الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية، وفي الوقت ذاته لم يطوّر بعدُ الأدوات السياسية والعسكرية والمؤسسية التي تمكّنه من الاضطلاع بدورٍ أمني مستقل وفاعل. ومن ثمّ، شكّلت الحرب لحظة كاشفة لهذه الفجوة البنيوية، وسيعتمد مستقبل العلاقات الأوروبية–الخليجية، وكذلك موقع أوروبا في النظام الدولي الآخذ في التشكل، على مدى قدرتها على ردم هذه الفجوة والتكيّف مع متطلبات بيئة استراتيجية أكثر اضطرابًا.
تضامن محدود، وقيود بنيوية حقيقية
لا يمكن تفسير رد الفعل الأوروبي على الحرب في إيران من خلال سردية اختزالية تُرجعه إلى الضعف أو التناقض فحسب؛ بل ينبغي فهمه بوصفه نتاج توازنٍ دقيق بين قيودٍ هيكلية، وهوامش إرادةٍ سياسية، واعتباراتٍ معقّدة لإدارة المخاطر. فعلى الرغم من الانتقادات المتكررة الصادرة عن القيادات الخليجية بشأن محدودية الانخراط العسكري الأوروبي—ولا سيما التردد في المشاركة في ترتيبات الأمن البحري في مضيق هرمز—فإن الدول الأوروبية قدّمت مساهماتٍ ملموسة، وإن جاءت ضمن سقوفٍ عملياتية وسياسية محددة بوضوح.
تمثلت هذه المساهمات في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الدعم اللوجستي، وتنسيق التخطيط العملياتي، إلى جانب تنفيذ عددٍ محدود من المهام الدفاعية الانتقائية. وفي المقابل، حافظت القوى الأوروبية الكبرى على معارضةٍ صريحة لأي انخراطٍ هجومي في مواجهةٍ محتملة مع إيران. ويكتسب هذا التمييز دلالةً تحليلية مهمة، إذ يعكس استعداد أوروبا للاضطلاع بدور “شريك أمني دفاعي” في الخليج، مع تجنّب الانخراط في ديناميكيات التصعيد المرتبطة، بدرجةٍ كبيرة، بالعقيدة العسكرية الأمريكية.
ويتطلب فهم هذا التفضيل الأوروبي للمقاربة الدفاعية وضعه في سياق طبيعة العقيدة الحربية الإيرانية، التي أثبتت الحرب أنها تقوم على توظيف أدوات القوة غير المتكافئة. فقد أظهرت طهران اعتمادًا مكثفًا على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب تكتيكات تعطيل الملاحة البحرية. وتشيرالتقديرات الاستخباراتية إلى احتفاظها بمخزوناتٍ معتبرة من هذه القدرات، بما يمكّنها من فرض تكاليف استراتيجية مرتفعة دون الحاجة إلى تحقيق تكافؤٍ تقليدي في موازين القوة. وبالمثل، أبرزت الحرب قدرة إيران على التأثير في حركة الشحن عبر مضيق هرمز دون الاتكاء على قوةٍ بحرية تقليدية، وذلك من خلال عملياتٍ غير متماثلة تشمل زوارق الهجوم السريع، وتكتيكات المضايقة، واستهداف السفن التجارية، بما يُبقي مستوى التهديد للأمن البحري—ومن ثم للمصالح الاقتصادية الأوروبية—عند حدٍ مرتفع ومستمر.
تُنتج هذه المعطيات معضلةً هيكلية لأوروبا: فمن جهة، لا يمكن تجاهل المنطقة نظرًا لموقعها المحوري في منظومة الطاقة العالمية وشبكات التجارة؛ ومن جهةٍ أخرى، ينطوي تعميق الانخراط فيها على مخاطر تحويل الصراع إلى محورٍ دائم في أجندة السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية. وقد أفرزت الحرب بالفعل تداعياتٍ ملموسة على الاقتصادات الأوروبية، تمثلت في اضطراب سلاسل الإمداد، وتصاعد الضغوط التضخمية، وتزايد الهواجس المرتبطة بأمن الطاقة، لا سيما في الاقتصادات الصناعية الكبرى. ورغم غياب التهديدات العسكرية المباشرة التي تواجهها دول الخليج، تبقى أوروبا شديدة التعرض للتكاليف غير المباشرة والهيكلية لعدم الاستقرار الإقليمي، والتي تتجلى في صدماتٍ اقتصادية، وتآكلٍ في القدرة التنافسية، وضغوطٍ سياسية داخلية مرتبطة بتكاليف الطاقة.
تفسّر هذه الاعتبارات مجتمعةً إحجام أوروبا عن تبنّي دورٍ عسكري هجومي، وتدفعها بدلًا من ذلك نحو استراتيجيةٍ تقوم على الاحتواء ومنع اتساع نطاق التداعيات الإقليمية. غير أن هذا النهج، من منظور دول الخليج، قد يُحمّل أوروبا كلفةً على مستوى السمعة، إذ يعزّز الانطباعات بشأن محدودية موثوقيتها في لحظات الأزمات الحادة. ومع ذلك، كشف الصراع أيضًا عن مساحاتٍ متنامية للتقارب في إدراك التهديدات، خصوصًا فيما يتعلق بانتشار تقنيات الطائرات المسيّرة. ويفتح هذا القلق المشترك المجال أمام تطوير أشكالٍ أكثر تقدمًا من التعاون في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، وقدرات مكافحة الطائرات المسيّرة، وحماية البنى التحتية الحيوية. وفي هذا السياق، تبدو أوروبا معنيةً بتوظيف الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا لتعزيز نمطٍ من الشراكة يقوم على التكامل التكنولوجي والعملياتي.
في المحصلة، لا يُفهم الدور الأوروبي في الصراع الإيراني بوصفه تعبيرًا عن عجزٍ بقدر ما هو انعكاسٌ لاستراتيجيةٍ مقصودة—وإن اتسمت بضيق نطاقها—تشكلت تحت ضغط توازنات المخاطر والقيود المتنافسة، ضمن بيئة أمنية دولية تتسم بالسيولة والتنازع.
إعادة ضبط مستوى التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي
تُعدّ كثافة الحراك الدبلوماسي الأوروبي في أعقاب اندلاع الحرب في إيران مؤشرًا دالًا على مسارٍ آخذ في التشكل لإعادة تعريف العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة أنطونيو كوستا إلى المنطقة في أبريل 2026 أهميةً خاصة، إذ مثّلت أحد أعلى مستويات الانخراط السياسي الأوروبي مع الخليج منذ بدء الأعمال العدائية. وقد عكست تصريحاته في الدوحة تحوّلًا لافتًا من خطاب التضامن إلى توجهٍ أكثر عملية، من خلال الدعوة إلى شراكة “أعمق وأقوى” والتأكيد على ضرورة تكثيف العمل المشترك لضمان الاستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية الحيوية.
تنبع دلالة هذه الزيارة من تلاقي توقيتها مع ذروة التوتر الإقليمي، ومن مضمونها الذي ربط بشكلٍ مباشر بين أولويات الأمن الأوروبي ومخاوف الأمن الخليجي. فقد شدّد كوستا على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، محذرًا من التداعيات الخطيرة لاستمرار تعطيله، في إشارةٍ واضحة إلى إدراكٍ متزايد داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمدى ترابط أمن الطاقة الأوروبي مع استقرار الممرات البحرية في الخليج. وبذلك، لم تعد هذه الممرات—بما فيها مضيق هرمز والبحر الأحمر—عناصر هامشية في الحسابات الجيوسياسية الأوروبية، بل تحولت إلى مكوناتٍ مركزية في منظومة الأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية الصناعية للقارة.
وعلى مستوى أعمق، تعكس هذه التصريحات محاولةً أوروبية ناشئة لإعادة تموضع الاتحاد بوصفه شريكًا “موثوقًا وقابلًا للتنبؤ” في بيئةٍ إقليمية تتسم بتصاعد المخاطر العسكرية وتزايد حدة التنافس بين القوى الكبرى. كما تشير الإشارات إلى تقدم المفاوضات بشأن اتفاقية تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب احتمال إضفاء طابعٍ مؤسسي على القمم الثنائية، إلى مسعى يتجاوز إدارة الأزمات نحو بناء إطارٍ مستدام للعلاقة. غير أن هذه الطموحات تظل مقيّدة بفجوةٍ بنيوية مستمرة بين مستوى الطموح السياسي والقدرة التنفيذية الفعلية ضمن بنية السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي.
ويتضح هذا التناقض بصورةٍ أشمل عند وضعه في سياق التحولات التي أفرزتها الحرب الإيرانية، والتي لم تعد مجرد أزمة إقليمية، بل باتت عاملًا محفزًا لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، وإعادة توجيه تدفقات الطاقة، وإثارة تساؤلات جوهرية حول موثوقية الدور الأمريكي. وفي هذا الإطار، ورغم أن الصين وروسيا لا تبدوان قادرتين على استبدال الولايات المتحدة كضامنٍ أمني شامل، فإنهما تسعيان إلى استثمار الهوامش الاستراتيجية التي أتاحتها التصدعات الغربية، سواء عبر الانخراط الدبلوماسي، أو شراكات الطاقة، أو أدوار الوساطة.
في المقابل، يكشف السلوك الأوروبي عن توتراتٍ داخلية بين البعدين المعياري والاستراتيجي في سياسته الخارجية. ويتجلى ذلك في تباين الخطابات الصادرة عن مؤسساته، حيث تتراوح بين إشاراتٍ إلى تحولات سياسية داخل إيران، وتركيزٍ أكثر براغماتية على خفض التصعيد، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ويعكس هذا التباين ازدواجية هوية الاتحاد الأوروبي كفاعلٍ معياري من جهة، وكمشاركٍ في معادلات الأمن الواقعي من جهةٍ أخرى.
ومع ذلك، يظهر قدرٌ من الاتساق في دعم سيادة وأمن دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما في أعقاب الهجمات الإيرانية. فقد شمل هذا الدعم تأييد حق هذه الدول في الدفاع عن النفس، إلى جانب تقديم أشكالٍ انتقائية من المساندة، مثل تعزيز قدرات الدفاع الجوي التي طُرحت في سياقات دبلوماسية متعددة . غير أن هذا الدعم ظل متفاوتًا بين الدول الأعضاء، كما يتضح من مواقف أكثر حذرًا لدى بعض القوى الأوروبية تجاه تعميق الانخراط العسكري.
تكشف هذه الديناميكيات مجتمعةً عن قصورٍ هيكلي مستمر في السياسة الخارجية الأوروبية، حيث لا تزال آليات إدارة الأزمات ذات طابعٍ تفاعلي ودفاعي، ومقيدةً بالتباينات بين الدول الأعضاء وبالأطر القانونية والمؤسسية القائمة. ويتجلى ذلك في توسيع نطاق العمليات البحرية الأوروبية الرامية إلى حماية الملاحة، والتي، رغم أهميتها العملياتية، لا ترقى بعد إلى مستوى استراتيجية ردعٍ متكاملة قادرة على التعامل مع التهديدات المتطورة.
في الوقت ذاته، حفّزت الأزمة نقاشًا أعمق داخل الاتحاد الأوروبي حول مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”. وقد أبرزت الحرب استمرار الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة، إلى جانب محدودية القدرة الذاتية على إدارة الأزمات البعيدة وضمان استقرار أسواق الطاقة. وفي هذا السياق، يُعاد تعريف الاستقلال الاستراتيجي ليس بوصفه انفصالًا عن واشنطن، بل كقدرةٍ على تنويع الشراكات والانخراط الانتقائي، لا سيما مع شركاء إقليميين مثل دول مجلس التعاون الخليجي.
من منظور خليجي، يُنظر إلى هذا التحول بوصفه خطوةً إيجابية، وإن كانت غير كافية. فبينما يُرحب بتكثيف الانخراط الأوروبي على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي، لا يزال غياب مساهمةٍ أمنية أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات المباشرة يثير تساؤلات حول مدى موثوقية أوروبا كشريكٍ في أوقات الأزمات. وتتفاقم هذه الشكوك في ظل الطبيعة السريعة وغير المتكافئة للعمليات الإيرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية في المنطقة.
مع ذلك، يتعزز إدراكٌ متبادل لتقاطع المصالح بين الجانبين، إذ يواجه كلٌ من الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي مجموعةً من المخاطر النظامية المشتركة، تشمل أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة البحرية، وانتشار تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويُسهم هذا التعرض المشترك في إعادة تشكيل التصورات المتبادلة، ويدفع نحو تعميق التعاون بوصفه خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.
في ضوء ذلك، تتجه العلاقات بين الجانبين نحو نمطٍ يمكن توصيفه بـ”التقارب المُدار تحت الضغط”، حيث تتجاوز العلاقة إطارها الاقتصادي التقليدي دون أن تبلغ مستوى التحالف الاستراتيجي الكامل. فهي تتطور نحو نموذجٍ هجين يتداخل فيه الترابط الاقتصادي مع تقاربٍ سياسي متزايد وتعاونٍ أمني تدريجي تفرضه الضرورة.
ويبقى التحدي المركزي في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا الزخم إلى بنيةٍ مؤسسية مستدامة. إذ يتطلب الانتقال من الخطاب—كما في دعوة كوستا إلى شراكة “أعمق وأقوى”—إلى الفعل، تطوير أطرٍ مشتركة، وآلياتٍ منسقة لإدارة الأزمات، وأدوات تعاون أكثر إلزامًا. ومن دون هذا الترسيخ المؤسسي، قد تظل العلاقة رهينة التفاعلات الظرفية. أما في حال تحقيقه، فقد يشكّل الإطار الأوروبي–الخليجي ركيزةً مهمة للاستقرار ضمن نظام دولي يتسم بتزايد التشرذم، جامعًا بين منطق الترابط الاقتصادي ومتطلبات الأمن العملي.
مستقبل الشراكة
تُحفّز الحرب في إيران مسارًا لإعادة توازنٍ هيكلي في العلاقات الأوروبية–الخليجية، دافعةً إياها من إطارٍ اقتصادي في المقام الأول نحو شراكةٍ أمنية أكثر تنظيمًا وتماسكًا. ويبدو هذا التحول أقل ارتباطًا بتصميمٍ استراتيجي مُسبق، وأكثر تعبيرًا عن استجابةٍ اضطرارية لبيئةٍ دولية متقلبة، يعيد فيها الطرفان تقييم موثوقية وقابلية التنبؤ بالترتيبات الأمنية التقليدية، وعلى رأسها تلك المرتكزة إلى الدور الأمريكي. فمن منظور دول الخليج، كشف الصراع عن حدود الضمانات الأمنية القائمة: إذ، رغم عمق الشراكات طويلة الأمد مع واشنطن، بقيت هذه الدول عرضةً لتهديداتٍ مباشرة، في حين ظل تأثيرها محدودًا في دوائر صنع القرار التي تمس أمنها الحيوي. وقد عززت هذه التجربة قناعةً متنامية بأن الضمانات الخارجية، وإن كانت ضرورية، لا تكفي بمفردها لضمان الاستقرار.
بالتوازي، تشهد أوروبا عملية مراجعة استراتيجية مماثلة. فقد أبرزت الحربان في أوكرانيا وإيران حدود القدرة الأمريكية على الاضطلاع بدور الضامن الأمني الشامل. وعلى هذا الأساس، تعاظمت في أوروبا الهواجس المرتبطة بفاعلية الردع في مواجهة روسيا، بينما ركزت دول الخليج على أوجه القصور في آليات إدارة الأزمات والتنسيق الأمني. وتؤسس هذه المراجعات المتزامنة لقاعدةٍ موضوعية لتقاربٍ تدريجي، حيث يتجه الطرفان—سواء بوعيٍ استراتيجي أو بفعل الضرورة—نحو أنماطٍ أكثر تنوعًا وتعددًا في ترتيبات الأمن، بدلًا من الاعتماد على ضامنٍ واحد. ولا ينطوي هذا المسار على قطيعة مع الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس تحولًا نحو تقليل الاعتماد الأحادي وتوسيع نطاق التنويع الاستراتيجي.
في الوقت ذاته، يظل الترابط الاقتصادي—ولا سيما في قطاع الطاقة—ركيزةً مركزية في هذه العلاقة، وإن بات أكثر عرضةً لتقلبات السوق الناجمة عن الصدمات الجيوسياسية. فقد زاد اعتماد أوروبا على استقرار إمدادات الطاقة عبر الممرات البحرية في الخليج، خاصة مضيق هرمز، من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في حسابات صانع القرار الأوروبي. وفي المقابل، تُسرّع دول الخليج جهودها لتنويع اقتصاداتها، إدراكًا لهشاشة الاعتماد المفرط على عائدات النفط والغاز في ظل بيئةٍ دولية مضطربة.
ومن المرجح أن تتجاوز الشراكة في مرحلتها المقبلة حدودها الاقتصادية التقليدية، لتشمل مجالاتٍ أمنية وصناعية متقدمة، مثل الدفاع الصاروخي، وتقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة، وحماية البنية التحتية الحيوية، والأمن البحري. وقد أسهم انتشار أنماط الحرب غير المتكافئة—كما تجلى في الاستخدام المكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة—في تقارب إدراكات التهديد بين الجانبين، مما يعزز الحوافز لتطوير تنسيقٍ استراتيجي أعمق.
في هذا السياق، يمكن رصد ملامح محور تعاونٍ ناشئ بين أوروبا والخليج، يهدف إلى دعم الاستقرار في نظامٍ دولي يتسم بقدرٍ متزايد من السيولة والتنافس. ولا يقتصر هذا المسار على البعد الثنائي، بل يمتد ليشمل إمكانيات الانخراط ضمن ترتيباتٍ مرنة مع قوى دولية أخرى، مثل الهند واليابان وكندا، في إطار تحالفاتٍ وظيفية قائمة على قضايا محددة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من تحدياتٍ بنيوية. فاستمرار التباينات في المواقف الأوروبية تجاه إيران، وتشتت هياكل صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب ميل بعض الدول الأعضاء إلى تفضيل المقاربات الثنائية على حساب العمل الجماعي، كلها عوامل تعيق بلورة نهجٍ أوروبي موحد. وعلى الرغم من هذه القيود، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا: إذ شكّلت الحرب في إيران نقطة انعطافٍ حاسمة، وسرعت عمليةً قائمة بالفعل، مدفوعةً بتقاطع مواطن الضعف، وتلاقي المصالح، والتطور التدريجي لمبادرات التعاون، بدءًا من ترتيبات الأمن البحري وصولًا إلى أطرٍ أمنية إقليمية أكثر تكاملًا واستدامة ومتانة.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
