شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في ظل التحولات الاقتصادية والديموغرافية التي تشهدها أوروبا، يبرز النموذج البلجيكي كحالة فريدة تعكس توازنًا دقيقًا بين متطلبات العدالة الاجتماعية وضغوط الاستدامة المالية.
وقد أعاد الخبير الاقتصادي برونو كولمانت تسليط الضوء على هذا النموذج، استنادًا إلى أحدث البيانات التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تؤكد أن بلجيكا لا تزال من بين الدول الأعلى في العالم من حيث فرض الضرائب على العمل.
تعتمد هذه المؤشرات على قياس ما يُعرف بـ”الفجوة الضريبية على العمل”، أي الفرق بين التكلفة الإجمالية التي يدفعها صاحب العمل مقابل توظيف العامل، وصافي الأجر الذي يتقاضاه هذا الأخير.
ووفقًا لكولمانت، فإن هذه الفجوة في بلجيكا تظل مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بباقي الدول الأوروبية، رغم تسجيل تحسن طفيف في السنوات الأخيرة.
ويعني ذلك عمليًا أن نسبة كبيرة من دخل العمل تُوجَّه نحو الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي، ما يقلّص القدرة الشرائية للأفراد ويثير نقاشًا مستمرًا حول فعالية هذا النموذج.
لا يمكن فهم هذا العبء الضريبي المرتفع دون النظر إلى التحديات الديموغرافية التي تواجهها بلجيكا، وعلى رأسها شيخوخة السكان. فارتفاع متوسط العمر وتزايد أعداد المتقاعدين يفرضان ضغطًا متزايدًا على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.
ويؤكد كولمانت أن هذه الالتزامات المالية الضخمة تفسّر إلى حد كبير استمرار ارتفاع اشتراكات الضمان الاجتماعي، التي تُعد المصدر الرئيسي لتمويل دولة الرفاه.
يقوم النظام البلجيكي على مبدأ التضامن، سواء داخل الجيل الواحد أو بين الأجيال المختلفة. فالعامل اليوم يساهم في تمويل معاشات المتقاعدين وإعانات العاطلين عن العمل، على أن يستفيد هو نفسه من هذه المزايا مستقبلًا.
هذا التوازن الدقيق يشكّل جوهر العقد الاجتماعي في البلاد، ويُعد أحد أهم أسباب تمسك السلطات بمستوى مرتفع من الضرائب.
ويحذر كولمانت من أن أي خفض سريع أو غير مدروس لهذه المساهمات قد يؤدي إلى اختلال هذا التوازن، فإذا تراجعت الموارد المالية للنظام، قد تضطر الدولة إلى تقليص المزايا الاجتماعية، وهو ما قد يُضعف ثقة المواطنين، خاصة الشباب، في جدوى المشاركة في هذا النظام.
من أبرز النقاط التي أثارها التقرير، الوضع الضريبي للأفراد العزاب في بلجيكا. إذ تبلغ نسبة الضرائب المفروضة على أصحاب الدخل المتوسط حوالي 39.5%، مقارنة بنحو 25.1% في المتوسط الأوروبي.
هذا الفارق الكبير يطرح تساؤلات حول العدالة الضريبية، ومدى تأثير هذا العبء على جاذبية سوق العمل البلجيكي، خصوصًا بالنسبة للكفاءات الشابة.
تواجه بلجيكا اليوم معضلة حقيقية: كيف يمكن الحفاظ على نظام اجتماعي قوي وشامل، دون التأثير سلبًا على التنافسية الاقتصادية؟ فالضرائب المرتفعة قد تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل، مثل العمل الحر أو الانتقال إلى دول ذات أنظمة ضريبية أخف، وهو ما قد يقلّص القاعدة الضريبية على المدى الطويل.
في المقابل، فإن تقليص هذه الضرائب دون إصلاحات هيكلية موازية قد يهدد بزيادة العجز في تمويل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.
لذلك، تبدو الحاجة ملحة لإيجاد حلول مبتكرة، مثل تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتشجيع المشاركة في سوق العمل، ورفع الإنتاجية.
وكالات

