أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور على Truth Social أنه أصدر أمراً لوزارة الحرب بـ”تأجيل جميع الضربات العسكرية على محطات الكهرباء والبنية التحتية الطاقوية الإيرانية لمدة خمسة أيام، رهناً بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية”. وجاء هذا القرار قبل ساعات من انتهاء مهلة 48 ساعة أعلنها ترامب السبت لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز وإلا ضرب محطاتها الكهربائية. وقال ترامب إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا “خلال اليومين الماضيين، محادثات جيدة جداً ومثمرة بشأن حل كامل وشامل لعدائياتنا في الشرق الأوسط”. لكن طهران سارعت إلى التكذيب، إذ أكد مسؤول أمني إيراني رفيع أن “لا تواصل مباشراً أو غير مباشر مع ترامب”، مضيفاً أن “هذه الحرب النفسية لن تُعيد هرمز إلى ما كان ولن تُريح الأسواق”. وتزامن الإعلان مع تحذير إيراني بضرب محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه في دول الخليج إذا نفّذ ترامب تهديده بقصف محطات الطاقة الإيرانية — وهو ما يضع دول الخليج أمام معادلة خطيرة: ضرب إيران قد يسلب مياه الشرب وكهرباء الدول الخليجية ذاتها.
التأجيل ليس تراجعاً — إنه مناورة: ترامب يُبقي السيف مسلولاً لكنه يُعطي دبلوماسيته فرصة أخيرة. الأخطر هو التهديد الإيراني بضرب محطات تحلية المياه في الخليج — فهذا يعني أن ضرب إيران قد يُعطش السعودية والإمارات وقطر حرفياً. هذا “الردع المتبادل المائي” هو الورقة الأقوى بيد طهران.
قبيل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الإيراني يرزح تحت ضغوط العقوبات والاحتجاجات وتراجع الريال، مع تضخم تجاوز 40% في 2025. وجاءت الحرب لتُضاعف هذه الضغوط: تجاوز الريال حاجز 1.5 مليون مقابل الدولار الواحد في أدنى مستوياته التاريخية، فيما ارتفع التضخم إلى 48.6% وفق تقديرات البنك الدولي. كما أدت الضربات الأمريكية على البنية التحتية الرقمية إلى انخفاض حركة الإنترنت إلى 1% من مستواها الطبيعي، ما أشلّ قطاعات التجارة والخدمات الإلكترونية. وداخل إيران، يُعاني المواطنون من انقطاعات حادة في إمدادات الوقود والغاز المنزلي، فيما أُغلقت مصافي عديدة إثر الضربات. وتُشير التقديرات إلى أن 57% من الأسر الإيرانية باتت تُعاني من نقص تغذوي بعد اضطراب سلاسل الإمداد الغذائي. وعلى الرغم من إيران تواصل تصدير نفطها إلى الصين عبر هرمز، إلا أن العائدات تتقلص بفعل الخصومات الكبيرة التي يشترطها المشتري الصيني الوحيد.
الانهيار الاقتصادي الداخلي هو أقوى ورقة ضغط على النظام الإيراني — أقوى من الصواريخ. حين يشعر المواطن الإيراني العادي بالجوع والعتمة والعزلة الرقمية، يتصاعد الضغط الاجتماعي على القيادة للقبول بأي تسوية. هذا هو الرهان الأمريكي الحقيقي.
أعلنت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن ما يجري في الخليج يمثّل “أكبر تحدٍّ في تاريخ أمن الطاقة والغذاء العالمي”. فمنذ إغلاق مضيق هرمز في الرابع من مارس، تعطّل ما يزيد على 70% من واردات الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على المضيق في استيراد أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية، مما دفع تجار التجزئة كـLuLu إلى نقل البضائع الأساسية جواً. وبات كيلو الأرز في بعض أسواق الرياض يُباع بثلاثة أمثال سعره قبل الحرب. كما انخفض الإنتاج النفطي في المنطقة من 21 مليون برميل يومياً إلى 14 مليون برميل خلال أسبوع، مع توقعات Rystad Energy بانخفاض إضافي إلى 6 ملايين في حال استمر تجنّب الشحن للمضيق. وشهدت مدن كالدوحة وأبوظبي والكويت طوابير طويلة أمام محطات الوقود مع تقليص ساعات الضخ، فيما لجأت الحكومات إلى استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية الغذائية لتفادي الذعر الشعبي.
أزمة الغذاء في الخليج هي المتفجرة الاجتماعية التي لم يُحسب حسابها جيداً. الدول الخليجية بنت “عقداً اجتماعياً” مع مواطنيها يقوم على الأمان والوفرة — أي انكسار في هذا العقد سيُنتج ضغطاً شعبياً على حكوماتها للضغط على واشنطن لوقف الحرب بأي ثمن.
وصل سعر برنت إلى قرابة 120 دولاراً للبرميل، بعد أن كان في حدود 80 دولاراً قبيل الحرب، فيما أغلق المضيق الملاحة البحرية الدولية فعلياً عبر هرمز. وفور إعلان ترامب تأجيل الضربات اليوم، تراجع النفط إلى 112 دولاراً في تعاملات مبكرة. أما الأسواق الآسيوية فتراجعت أكثر من الأمريكية عاكسةً تعرّضها الأكبر لأزمة الطاقة، في حين ارتفعت الأسهم الروسية مستفيدةً من ارتفاع أسعار النفط. حذّرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جيورجييفا من خطر التضخم العالمي إذا طالت الحرب، مشيرةً إلى “اختبار للمرونة الاقتصادية”. وأبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير لكنه أشار إلى خطر “الركود التضخمي” — أي تضخم مصحوب بتباطؤ اقتصادي — للمرة الأولى منذ السبعينيات. ويُحذّر وزير الطاقة القطري عبدالله آل كعبي من أن استمرار الحرب قد يدفع النفط إلى 150 دولاراً مما قد “يُنهار اقتصادات العالم”.
الصدمة المالية بدأت تنتقل من “أزمة إقليمية” إلى “صدمة بنيوية عالمية”. المستفيد الأكبر: روسيا وكندا ودول المنتجين خارج الخليج. الأكثر تضرراً: آسيا وأوروبا وكل دولة تستورد النفط. معادلة ١٠ دولارات إضافية في سعر البرميل = نقطة نمو كاملة تُسحب من الاقتصاد العالمي.
يكشف شهود عيان تحدّثوا لمنظمات حقوقية عن أوضاع إنسانية متردية داخل إيران: المستشفيات تعمل بطاقة تتجاوز 180% وتعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية جراء توقف الاستيراد وتعطل المطارات. كشف تقرير NetBlocks أن حركة الإنترنت تراجعت إلى 1% من مستواها الطبيعي، فيما باتت ستة آلاف جهاز Starlink مُهرَّب هي شريان التواصل الوحيد لملايين الإيرانيين المقطوعين رقمياً عن العالم. أُغلقت الجامعات وعلّقت المدارس دراستها في 14 محافظة، فيما نزح قرابة مليون شخص من المدن المستهدفة — تبريز وأصفهان وبوشهر والأهواز — نحو القرى والمناطق الأقل استهدافاً. والأكثر لفتاً هو تصاعد التعبير الشعبي الرافض للحرب: بعض الإيرانيين يُعبّرون عبر ستارلينك عن رغبتهم في “إيران بلا حرس ثوري”، فيما يرفض كثيرون هذا التأطير معتزّين بكرامتهم الوطنية أمام الضربات الأجنبية.
المواطن الإيراني يعيش معادلة مُضنية: يرفض الضربات الأجنبية على بلده ويرفض في الوقت ذاته الحرس الثوري الذي يُزجّه في حرب لم يختَرها. هذا الانشقاق الوجداني هو الأخطر على النظام — وهو ما يجعل “الانتفاضة الشعبية” السيناريو الأكثر إرباكاً لطهران في ما بعد الحرب.
ألغت شركات الطيران 37,000 رحلة بين 28 فبراير و8 مارس وحده وفق شركة تحليلات الطيران Cirium، فيما أعلنت الإمارات إغلاقاً كاملاً مؤقتاً لمجالها الجوي، وتعطّل مطار دبي الدولي — أكثر مطارات العالم ازدحاماً — بشكل شبه كامل لساعات طويلة. وقدّر خبراء أن الخسارة المالية لقطر من شهر واحد من توقف صادرات الغاز الطبيعي المسال ستبلغ 4 مليارات دولار — وهذا في حال توقف مؤقت. أما العراق الذي يعتمد على 90% من إيراداته من النفط فإنه يُكافح لتأمين رواتب موظفيه الحكوميين وسط انقطاع الصادرات. وكان قادة الخليج قد قدّموا ترامب في زيارته الأولى بالسجادة الحمراء وضخّوا النفط وتعهدوا باستثمارات بتريليونات الدولارات — لكن لوبي إسرائيل طغى على ضغطهم لمنع الحرب. واليوم يدفعون الثمن مضاعفاً: اقتصادياً وأمنياً وسياحياً، في تجربة وصفها محللو Chatham House بأنها “أشد الضربات للعقد الاجتماعي الخليجي منذ حرب الخليج 1991”.
الخليج يدفع ثمن قرار لم يُشارك فيه. الدول الخليجية ضغطت على ترامب لتفادي الحرب — فلم تُفلح. الآن تقف أمام معادلة صعبة: كلما طالت الحرب، كبرت خسائرها، لكن الضغط على واشنطن لوقفها قد يُكلفها العلاقة الاستراتيجية مع أمريكا. الحل الوحيد في نافذة الـ٥ أيام التي فتحها ترامب اليوم.
آخر فرصة قبل الانهيار الشامل؟
المحادثات الجارية عبر مسقط تُثمر عن وقف إطلاق نار مشروط: هرمز يُفتح جزئياً، الضربات تتوقف، الريال ينتعش، النفط يتراجع إلى 85$. كل طرف يُعلن “انتصاره”.
تنتهي الأيام الخمسة دون اتفاق. ترامب يُجدد التهديد لكن يُمدّد مجدداً. حرب استنزاف بين الضربات والتهديدات. النفط بين 100 و115$. التفاوض يتحول للقناة الخلفية لأسابيع.
إيران تُنفّذ تهديدها بضرب محطات تحلية المياه وكهرباء الخليج. أزمة مياه شرب حادة في السعودية والإمارات. النفط يتجاوز 150$. ركود عالمي حاد وضغط لا يُحتمل على ترامب.
