الجمعة. فبراير 20th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 33 Second

تركي المصطفى

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_ اقتحمت سجون الباشا وواجهت الفرنسيين…في زمن كانت فيه المرأة محاصرة بين جدران البيوت وأسوار التقاليد، خرجت من حارة دمشقية قديمة امرأة بعكازة في يد وقلم في الأخرى، لتصنع تاريخا لا يزال النسيان يهدد بطمسه. إنها ماري عجمي، الأديبة والصحافية المسيحية الأرثوذكسية التي آمنت بأن للكلمة روحا قادرة على تغيير الوجه القبيح للأشياء.
ولدت ماري في الرابع عشر من أيار عام 1888، في محيط الكاتدرائية المريمية بدمشق القديمة، لأب كهل من أصل حموي هو يوسف عبده العجمي، وكيل الكنيسة الكاتدرائية، الذي ورث عن أبيه لقب “العجمي” بعد رحلة تجارة الحلي إلى بلاد فارس. نشأت في بيت دمشقي عريق، وتفتحت عيناها على حب العلم والأدب، فدرست في المدرسة الإيرلندية ثم الروسية، وأتقنت العربية والإنكليزية باكرا. كتبت أول مقال لها وهي في الثالثة عشرة، تحت اسم مستعار هو “ليلى”، خوفا من مجتمع لم يألف بعد خروج المرأة إلى فضاءات الكلمة المنشورة.
سعت ماري إلى مزيد من المعرفة، فالتحقت بمدرسة التمريض في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1905، لكن صحتها لم تمكنها من إكمال المشوار. عادت إلى دمشق، وهناك اتجهت إلى التعليم في مدارسها، ثم انتقلت إلى مصر وفلسطين والعراق، تدرس وتتعلم وتوسع آفاق تجربتها الإنسانية والوطنية.
العروس.. أول مجلة نسائية في سورية
في عام 1910، وفي خطوة غير مسبوقة، أصدرت ماري عجمي في الإسكندرية مجلة “العروس” لتنقلها بعد ذلك إلى دمشق، لتكون بذلك أول مجلة نسائية تصدر في سورية والمشرق العربي. لم تكن مجرد صحيفة نسائية عادية، بل كانت منبرا للتنوير والإصلاح، مكرسة لقضايا المرأة وتحريرها من أغلال الجهل، كما كانت منصة لكبار أدباء ومفكري عصرها أمثال جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأحمد شوقي، وعباس العقاد.
كتبت ماري في افتتاحية العدد الأول: “إلى الذين يؤمنون بأن في نفس المرأة قوة تميت جراثيم الفساد، وأن في يدها سلاحا يمزق غياهب الاستبداد، أقدّم مجلتي”. وجعلت شعارها: “إن الإكرام قد أعطي للنساء ليزيّن الأرض بأزهار السماء”. استمرت المجلة في الصدور حتى عام 1926، حين أغلقتها السلطات الفرنسية بعد أن تحولت إلى منبر للخطاب الوطني الثائر، ورفضت ماري إغراءات المستعمر بالذهب لتكف عن مهاجمته.
حب في مواجهة الموت
في خضم هذا النضال، عاشت ماري أعظم قصص الحب وأكثرها مأساوية. ارتبطت بمراسل مجلتها في بيروت، المناضل اليوناني بترو باولي، الذي كان يوقع مقالاته المناهضة للعثمانيين باسم “الباتر”. تبادلا الحب والإعجاب، وتواعدا على الزواج، لكن الأقدار العثمانية كانت لهما بالمرصاد. اعتُقل باولي وأودع السجن بتهمة معاداة الدولة، فكانت ماري أول الصحافيين دخولا إلى السجون العثمانية.
كانت تدفع الرشاوى للحراس كي تلتقي بحبيبها، وعندما تعذر اللقاء، كانت تقف عند قنوات المياه الآتية من عين الفيجة إلى السجن، تطرق على الأنابيب بعكازها وتحدثه عبر حفيف الماء. لكن كل ذلك لم ينقذ باولي، فقد أُعدم مع رفاقه في قافلة شهداء السادس من أيار عام 1916. لم تتزوج ماري بعده، وارتدت السواد حتى وفاتها، وكتبت فلسفتها في الحب: “الحب معنى لست تدركه، ما لم ترَ الأنوار منبثقة”.
نواد أدبية ومؤسسات وطنية
لم تستسلم ماري لليأس، بل تحول الحزن إلى وقود للنضال. أسست عام 1920 مع نازك العابد “النادي النسائي الأدبي” في حي القصاع، وجمعية “نور الفيحاء”، ومدرسة “بنات الشهداء” لرعاية أبناء المناضلين الذين سقطوا. كانت المرأة الوحيدة المنتخبة في “جمعية الرابطة الأدبية” إلى جانب نخبة من كبار الأدباء والسياسيين، وحولت منزلها في باب توما إلى صالون أدبي وثقافي يحتضن المثقفين والساسة لمناقشة قضايا الوطن والمجتمع.
مع الفلاح والعامل
لم تقتصر كتابات ماري على الدفاع عن حقوق المرأة فحسب، بل تجاوزته إلى قضايا اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة، مثل دعم الاقتصاد المحلي وتشجيع المنتوجات الوطنية. وكان لها موقف جريئ وغير معتاد في ذلك الزمن، حين دافعت عن الفلاحين والعمال. نظمت قصيدة “أمل الفلاح” التي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة إذاعة لندن عام 1947، ومنها: “هو الزارع الفلاح لولا جهاده، لما شمت بالريحان حسن المخايل”.
الرحيل الصامت
في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 1965، رحلت ماري عجمي عن سبعة وسبعين عاما، بعد حياة قضتها في خدمة وطنها وقضايا مجتمعها. دفنت في مقبرة باب شرقي للروم الأرثوذكس في دمشق، في جنازة مهيبة لم يحضرها سوى ستة عشر شخصا من أقربائها، لم يكن بينهم أديب إلا فؤاد الشايب.
تقول عنها الأديبة كوليت خوري: “لا شك أنها حتى هذه اللحظة لم تأخذ حقها من التاريخ، ولم تحتل المكانة التي تليق بها في سجل المجد”. ويقول عبد الغني العطري: “نحن لم نقم لها تمثالا في حيها وهي جديرة بذلك، ولم نطلق اسمها على شارع وهي أهل لذلك أيضا”. لكن ماري عجمي تبقى راسخة في ذاكرة من يعرفونها، شاهدة على امرأة استثنائية آمنت بأن الحرية والكرامة أغلى من كل شيء.

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code