السبت. أبريل 4th, 2026
0 0
Read Time:12 Minute, 15 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

مؤتمر ميونخ للأمن 2026، ماذا نترقب ؟

تنعقد الدورة الثانية والستون من مؤتمر ميونخ للأمن خلال الفترة من 13 إلى 15 فبراير 2026 في فندقي “بايريشر هوف وروزوود ” في مدينة ميونخ الألمانية. ويأتي المؤتمر هذا العام في لحظة توصف بأنها مفصلية في مسار النظام الدولي، في ظل تصاعد النزاعات، وتآكل الثقة بالتحالفات التقليدية، واشتداد المنافسة بين القوى الكبرى. وبوصفه المنتدى الأبرز عالميًا لمناقشة قضايا الأمن والسياسة الخارجية، يوفر المؤتمر منصة مركزية تجمع قادة الدول وصناع القرار والخبراء لمناقشة مستقبل النظام الدولي وتحدياته.

يشارك في أعمال المؤتمر نحو خمسين رئيس دولة وحكومة، إلى جانب وفود حكومية رفيعة المستوى، يتقدمها وفد الحكومة الألمانية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس. ويقود المؤتمر السفير فولفغانغ إيشينغر، الذي أكد أن دورة 2026 ستشكل محطة مهمة لتعميق الحوار الاستراتيجي، مستندة إلى سلسلة لقاءات تحضيرية عُقدت في واشنطن والعُلا، ومهدت لنقاشات أوسع حول إعادة صياغة مقاربات الأمن الدولي. 

ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 في لحظة مفصلية من تاريخ النظام الدولي، لحظة تتسم بتراجع المسلمات التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتصاعد أنماط جديدة من التنافس والصراع وإعادة التموضع الاستراتيجي. فلم يعد الجدل يدور فقط حول إدارة الأزمات أو احتواء النزاعات الإقليمية، بل بات يتمحور حول شكل النظام الدولي ذاته: من يقوده، وعلى أي قواعد يقوم، وكيف تُوزع الأعباء والمسؤوليات بين القوى الكبرى والمتوسطة.

تأتي الدورة الثانية والستون للمؤتمر في ظل بيئة استراتيجية مضطربة؛ حرب مستمرة في أوكرانيا تعيد رسم خرائط الأمن الأوروبي، تصاعد المواجهة الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تآكل الثقة في مؤسسات النظام الدولي متعدد الأطراف، وتزايد استخدام أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية كسلاح في الصراعات بين الدول. وفي الوقت نفسه، تشهد العديد من الديمقراطيات الغربية تحولات سياسية داخلية عميقة تعكس حالة من السخط الشعبي على أداء المؤسسات، وهو ما ينعكس بدوره على السياسات الخارجية والتزامات التحالفات.

ويكتسب مؤتمر ميونخ هذا العام أهمية مضاعفة لأنه يُعقد في ظل نقاش عالمي متصاعد حول مستقبل “النظام القائم على القواعد”، ودور الولايات المتحدة فيه، وحدود قدرة أوروبا على التحول من مستهلك للأمن إلى مزود له. كما تتقاطع أعمال المؤتمر مع تحولات بنيوية في النظام الاقتصادي العالمي، وأزمات متفاقمة في منظومة المساعدات الإنسانية والتنموية، ما يعكس اتساع نطاق التحديات من المجال العسكري الصرف إلى مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والاستقرار المجتمعي.

وعليه، فإن تقرير ميونخ للأمن 2026، المعنون بـ”تحت الهدم”، لا يكتفي بوصف التحديات، بل يضعها في إطار أوسع يتمثل في انتقال العالم من مرحلة الإصلاح التدريجي للنظام الدولي إلى مرحلة إعادة تشكيله، وربما تفكيك بعض ركائزه الأساسية. وهو ما يجعل من مؤتمر ميونخ 2026 منصة حوار حاسمة لاختبار مدى قدرة الفاعلين الدوليين على احتواء موجة التفكيك، أو على الأقل إعادة توجيهها نحو مسار أكثر استقرارًا. يسعى تقرير مؤتمر ميونخ 2026 إلى قراءة تحليلية، واستشراف الاستراتيجيات، وتقييم انعكاساتها المحتملة على الأمن الأوروبي، والعلاقات عبر الأطلسي، وتوازنات القوى العالمية في مرحلة تتسم بقدر غير مسبوق من السيولة وعدم اليقين.

أجندة مؤتمر ميونخ 2026: الأمن العالمي في لحظة تصدّع استراتيجي

تنعقد نسخة 2026 من مؤتمر ميونخ للأمن في ظل بيئة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، حيث لم يعد النقاش محصوراً في إدارة الأزمات، بل بات يتمحور حول مستقبل النظام الدولي ذاته. ويمكن تحديد أبرز محاور الأجندة على النحو الآتي:

ـ مستقبل النظام الدولي وتآكل “النظام القائم على القواعد” : يحتل موضوع تصدّع النظام الدولي موقع الصدارة في نقاشات المؤتمر، مع تصاعد مؤشرات الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى مرحلة تنافسية متعددة الأقطاب. يركّز المؤتمر على:

  • تراجع فاعلية المؤسسات الدولية.
  • تصاعد منطق القوة ومناطق النفوذ.
  • اهتزاز الثقة في قواعد القانون الدولي.
  • تنامي الشعبوية والقومية وتأثيرها على الالتزامات الدولية.

يسعى المؤتمر نسخة 2026  إلى “إعادة صياغة القواعد” لا مجرد الدفاع عنها.

ـ العلاقات عبر الأطلسي وأزمة الثقة الاستراتيجية: يمثل الخلاف بين ضفتي الأطلسي أحد أبرز العناوين السياسية للمؤتمر. فالتباينات بين الولايات المتحدة وأوروبا لم تعد تكتيكية، بل طالت:

  • تقاسم الأعباء داخل حلف الناتو.
  • الموقف من الحرب في أوكرانيا.
  • أولويات الردع تجاه روسيا.
  • السياسات التجارية والتكنولوجية العابرة للأطلسي.

ويُطرح سؤال جوهري في هذا السياق: هل تتجه أوروبا نحو استقلال استراتيجي فعلي، أم أن الخلافات الراهنة ستُحتوى ضمن الإطار الأطلسي التقليدي؟

ـ الحرب في أوكرانيا وإعادة تعريف الردع الأوروبي : تظل الحرب الروسية-الأوكرانية محوراً مركزياً، لكن النقاش تجاوز مسألة الدعم العسكري إلى قضايا أوسع، منها:

  • استدامة الدعم الغربي لكييف.
  • مخاطر التصعيد المباشر بين روسيا والناتو.
  • مستقبل الردع الأوروبي.
  • إعادة هيكلة الصناعات الدفاعية الأوروبية.
  • احتمالات التسوية السياسية وشروطها.

أوروبا تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في المواجهة أو البحث عن مخرج تفاوضي لا يُفسَّر كتنازل استراتيجي.

ـ الأزمات الإقليمية وانعكاساتها على الأمن الأوروبي: يشمل جدول الأعمال ملفات الشرق الأوسط، والتوترات في آسيا، وعدم الاستقرار في أفريقيا، باعتبارها ملفات تؤثر مباشرة على:

  • أمن الطاقة.
  • الهجرة غير النظامية.
  • الإرهاب العابر للحدود.
  • أمن البحر الأحمر والممرات البحرية.

ويبرز إدراك متزايد بأن الأمن الأوروبي لم يعد منفصلاً عن التفاعلات الجيوسياسية خارج حدوده.

ـ التحديات الأمنية غير التقليدية: يحضر بقوة ملف:

  • الأمن السيبراني والهجمات الهجينة.
  • الذكاء الاصطناعي وتسليح التكنولوجيا.
  • حماية البنى التحتية الحيوية.
  • أمن سلاسل التوريد.
  • الأمن المناخي والطاقي.

وهنا يتبلور مفهوم “الأمن الشامل” الذي يتجاوز البعد العسكري التقليدي.

ما يميز أجندة ميونخ 2026 أنها تعكس انتقال المؤتمر من منصة لإدارة الأزمات إلى منتدى لتشخيص أزمة النظام الدولي نفسه. فالعالم لا يواجه صراعات منفصلة، بل يعيش لحظة إعادة تشكيل شاملة، يتداخل فيها التنافس بين القوى الكبرى مع تصدّع التحالفات التقليدية. وعليه، فإن ميونخ 2026 يمكن وصفه بأنه مؤتمر “القلق الاستراتيجي”، حيث لم يعد السؤال: كيف نحل الأزمة؟ بل أصبح: أي نظام عالمي سيتشكل بعد هذه الأزمات؟

تقرير ميونخ للأمن 2026: عالم في طور الهدم

يعتمد المؤتمر ما يُعرف بـ”قاعدة ميونخ” التي تقوم على مبدأ الانخراط المتبادل والحوار المتكافئ، بعيدًا عن الخطابات الأحادية أو التجاهل المتبادل. ويهدف هذا النهج إلى خلق مساحة نقاش مباشرة، تتيح التفاعل بين القادة والخبراء والجمهور، بما يعزز فرص الفهم المتبادل في بيئة دولية تزداد استقطابًا.يحمل تقرير هذا العام عنوان “تحت الهدم”، في إشارة إلى مرحلة دولية يغلب عليها منطق التفكيك السريع بدل الإصلاح التدريجي. ويرى التقرير أن العالم دخل مرحلة يمكن وصفها بسياسات “كرة الهدم”، حيث أصبحت الرغبة في كسر الهياكل القائمة وإعادة بنائها من جديد أكثر جاذبية لدى قطاعات سياسية واسعة، لا سيما في الغرب.ويشير التقرير إلى أن النظام الدولي الذي تأسس بعد عام 1945 بقيادة الولايات المتحدة، والذي استند إلى مؤسسات متعددة الأطراف وقواعد قانونية ناظمة للعلاقات الدولية، يواجه اليوم عملية إعادة تشكيل جذرية، بل وربما تفكيكًا تدريجيًا. فبعد أكثر من ثمانين عامًا على بنائه، يبدو أن هذا النظام لم يعد يحظى بالإجماع ذاته الذي كان قائمًا في العقود السابقة.

صعود قوى تفضل الهدم على الإصلاح

يربط التقرير هذا التحول بتراجع الثقة في أداء المؤسسات الديمقراطية، وبانتشار شعور واسع بالإحباط من بطء الإصلاحات ومن تعقيد البيروقراطيات الوطنية والدولية. ففي العديد من دول مجموعة السبع، تظهر استطلاعات الرأي أن نسبة محدودة فقط من المواطنين تعتقد أن سياسات حكوماتها الحالية ستؤدي إلى تحسين أوضاع الأجيال المقبلة. وفي هذا السياق، تكتسب القوى السياسية التي تتبنى خطابًا تصادميًا ضد المؤسسات القائمة زخمًا متزايدًا، إذ تقدم نفسها بوصفها القادرة على كسر الجمود وفرض حلول حاسمة. ويعكس ذلك مناخًا سياسيًا جديدًا تُستقبل فيه سياسات التفكيك أحيانًا بإعجاب حذر، باعتبارها وسيلة لتجاوز حالة الشلل المؤسسي.

الولايات المتحدة وإعادة تعريف القيادة الدولية

يعتبر التقرير أن الإدارة الأمريكية الحالية تمثل أبرز تعبير عن هذا التوجه، من خلال تبني سياسات تعيد النظر في التزامات الولايات المتحدة تجاه النظام الدولي القائم على القواعد. ويرى أنصار هذا النهج أن المقاربة الجديدة تكسر حالة الجمود وتفرض إعادة توزيع للأعباء داخل التحالفات، كما ظهر في النقاشات المتعلقة بزيادة الإنفاق الدفاعي داخل الناتو، أو في بعض التحركات الدبلوماسية المرتبطة بملفات الشرق الأوسط.غير أن التقرير يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسات تؤسس فعلًا لمرحلة أكثر استقرارًا وازدهارًا، أم أنها تمهد لعالم تحكمه الصفقات الثنائية والمصالح الضيقة بدل التعاون المؤسسي القائم على المبادئ. فبدل نظام متعدد الأطراف يستند إلى قواعد مشتركة، قد يتشكل نظام يتسم بتغليب منطق القوة والمساومات الظرفية.

أوروبا بين المواجهة مع روسيا وتراجع الضمانة الأمريكية

في السياق الأوروبي، يؤكد التقرير أن القارة دخلت مرحلة طويلة من المواجهة في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وتصاعد أنشطة الحرب الهجينة. ويتزامن ذلك مع ما يُنظر إليه كتراجع تدريجي في الدور الأمريكي التقليدي كضامن رئيسي للأمن الأوروبي، وهو ما يعمق الإحساس بعدم اليقين داخل العواصم الأوروبية. أمام هذه المعادلة، تسعى الدول الأوروبية إلى الحفاظ على الانخراط الأمريكي، وفي الوقت نفسه تعزيز قدراتها الذاتية. وقد انعكس ذلك في زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير صيغ تعاون مرنة بين الدول الأوروبية، وتكثيف الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة أوروبا على سد الفجوة في حال استمرار تراجع الالتزام الأمريكي.

المحيطان الهندي والهادئ بين صعود الصين وغموض الموقف الأمريكي

في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يتناول التقرير تصاعد النفوذ الصيني وتنامي طموحات بكين الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بتايوان. ومع تنامي القوة العسكرية والاقتصادية الصينية، تزداد المخاوف بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي.ورغم أن الولايات المتحدة تعلن التزامها بمواجهة النفوذ الصيني ودعم حلفائها، إلا أن السياسات المتبعة توصف أحيانًا بالتذبذب، مما يدفع دول المنطقة إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. وفي ظل غياب أطر مؤسسية إقليمية بحجم الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى موازنة علاقاتها بين واشنطن وبكين في بيئة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.

النظام التجاري العالمي بين التفكك وإعادة التشكل

يشير التقرير إلى أن النظام التجاري العالمي يواجه تحديات غير مسبوقة، مع تصاعد النزاعات التجارية واستخدام أدوات الضغط الاقتصادي بشكل واسع. وقد اتخذت الولايات المتحدة خطوات أعادت النظر في التزاماتها تجاه قواعد منظمة التجارة العالمية، في حين واصلت الصين سياسات يُنظر إليها باعتبارها مشوهة للمنافسة.ورغم أن التجارة العالمية لم تنهَر بالكامل، فإن مخاطر التفكك الاقتصادي وتراجع العولمة باتت أكثر وضوحًا. وفي المقابل، ظهرت مبادرات وشراكات تجارية جديدة تسعى للحفاظ على إطار قانوني يستند إلى قواعد منظمة التجارة العالمية، غير أن مستقبل هذا النظام يظل مفتوحًا بين مسار إصلاحي جزئي أو انتقال نحو نظام أكثر تجزؤًا.

أزمة النظام الإنساني والتنموي

يتناول التقرير كذلك الضغوط المتزايدة على منظومة المساعدات الإنسانية والتنموية، في ظل تقليص الميزانيات وارتفاع النزعات الشعبوية داخل الدول المانحة. وقد أدى تراجع التمويل، خصوصًا من جانب الولايات المتحدة، إلى تعميق التحديات التي تواجهها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، مما انعكس على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وفي حين تسعى بعض القوى الصاعدة إلى توسيع نفوذها داخل المؤسسات الدولية، فإن فجوات التمويل لا تبدو قابلة للردم بسهولة. ويشير التقرير إلى أن مستقبل هذه المنظومة يعتمد على قدرتها على تنفيذ إصلاحات تعزز الكفاءة والمصداقية، وتعيد بناء الثقة لدى الرأي العام في الدول المانحة. يعكس تقرير ميونخ للأمن 2026 صورة عالم يمر بمرحلة انتقالية عميقة، تتراجع فيها المسلمات التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبينما تتصاعد سياسات التفكيك وإعادة التعريف، تحاول القوى الداعمة للنظام القائم على القواعد إعادة تنظيم صفوفها وتطوير صيغ تعاون جديدة أكثر استقلالية. وفي هذا السياق، يبدو أن مؤتمر ميونخ 2026 لن يكون مجرد منصة للنقاش، بل ساحة اختبار لرؤى متنافسة حول شكل النظام الدولي القادم، وحدود القيادة الأمريكية، ومستقبل التعددية في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتحول البنيوي.

قراءة مستقبلية: هل يمثل مؤتمر ميونخ 2026 نقطة تحول؟

ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 في سياق مختلف نوعيًا عن كثير من دوراته السابقة. فعلى الرغم من أن المؤتمر اعتاد منذ سنوات أن يعكس أجواء التوتر الدولي والتحولات الجيوسياسية، إلا أن دورة 2026 تبدو أقرب إلى مؤتمر يُعقد في ظل أزمة ثقة عميقة داخل المعسكر الغربي نفسه، وليس فقط في مواجهة خصومه التقليديين.

من إدارة الخلافات داخل التحالف إلى إعادة تعريفه: في الدورات السابقة، حتى في ذروة الخلافات عبر الأطلسي خلال مرحلة ترامب الأولى أو أزمة العراق سابقًا، ظل الإطار العام للتحالف الغربي قائمًا على افتراض استراتيجي مشترك: الحفاظ على النظام الدولي الليبرالي بقيادة أمريكية. أما اليوم، فالسؤال لم يعد حول كيفية إدارة الخلافات داخل هذا الإطار، بل حول طبيعة الإطار ذاته. تزايدت الشكوك الأوروبية بشأن استمرارية الالتزام الأمريكي طويل الأمد بأمن القارة، خصوصًا في ظل الخطاب الأمريكي المتقلب تجاه أوكرانيا، وقضايا الإنفاق الدفاعي، بل وحتى ملفات حساسة تمس الأمن الأوروبي المباشر. وفي المقابل، تنظر واشنطن بقلق إلى ما تعتبره بطئًا أوروبيًا في تحمل أعباء الدفاع والاستقلال الاستراتيجي. هذا التحول يجعل مؤتمر ميونخ 2026 مختلفًا، لأنه قد يشهد نقاشًا صريحًا حول إعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي، وليس فقط تنسيقها

 أوروبا بين خيارين استراتيجيين : من المتوقع أن يبرز في أروقة المؤتمر نقاش أوروبي داخلي حول خيارين رئيسيين: إما الاستمرار في الرهان على بقاء المظلة الأمريكية كضامن نهائي للأمن الأوروبي، أو تسريع مسار “الاستقلالية الاستراتيجية” من خلال تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتطوير صناعات عسكرية أوروبية وتقليل الاعتماد على واشنطن.لكن هذا التحول ليس سهلًا. فالأمن الأوروبي ما زال مترابطًا هيكليًا مع الناتو، والناتو بدوره يعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الأمريكية. وبالتالي، فإن أي تحول جذري يحتاج إلى سنوات من الاستثمار السياسي والمالي والعسكري. ومن هنا قد يتحول مؤتمر ميونخ إلى مساحة لقياس مدى الجدية الأوروبية في الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ.

ـ اختبار مصداقية الناتو: من المرجح أن يكون ملف الردع في مواجهة روسيا أحد أبرز الاختبارات العملية للتحالف. فاستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد أنشطة الحرب الهجينة، يضعان الناتو أمام سؤال مركزي: هل هو تحالف دفاعي متماسك طويل الأمد، أم إطار سياسي قابل للتأثر بتغير الإدارات والسياسات الداخلية؟ مؤتمر ميونخ 2026 قد يشكل مؤشرًا على تماسك الحلف، خصوصًا إذا صدرت عنه رسائل واضحة بشأن الالتزام الجماعي، أو على العكس، إذا برزت تباينات حادة في المواقف.

ـ اختلاف جوهري عن المؤتمرات السابقة : ما يميز مؤتمر 2026 عن كثير من سابقاته هو أنه يُعقد في ظل تآكل نسبي لفكرة “الغرب الموحّد”. في دورات سابقة، كان التهديد الخارجي  سواء من روسيا أو الإرهاب أو الصين  هو العامل المحرك للنقاش. أما اليوم، فجزء من النقاش يدور حول الداخل الغربي نفسه: حول شرعية النظام الليبرالي، وحدود العولمة، وتوازن العلاقة بين السيادة الوطنية والتعددية. أن البعد الاقتصادي والتجاري بات حاضرًا بقوة في النقاشات الأمنية، في ظل تصاعد استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والقيود التجارية كسلاح جيوسياسي. وهذا يوسّع مفهوم الأمن من نطاقه العسكري التقليدي إلى أمن سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة. 

مسارات رئيسية لمؤتمر ميونخ للأمن: يمكن تصورمسارات رئيسية لما قد يعكسه مؤتمر ميونخ 2026: يتمثل في احتواء التوتر عبر الأطلسي من خلال إعادة صياغة تفاهمات جديدة حول تقاسم الأعباء، بما يعزز استمرارية الشراكة مع قدر أكبر من الاعتماد الأوروبي على الذات. المسار الثاني، يتمثل في بروز تباينات علنية دون قطيعة، ما يعني استمرار التحالف لكن في إطار أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. أما المسار الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه غير مستبعد، فيتمثل في اتساع الفجوة بين ضفتي الأطلسي، بما يسرّع خطوات أوروبية نحو استقلالية استراتيجية أوسع، ويعيد رسم ملامح الأمن الأوروبي خلال العقد المقبل.

ـ إن مؤتمر ميونخ 2026 ليس مجرد محطة سنوية للنقاش، بل يمكن اعتباره اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا لمستقبل العلاقات عبر الأطلسي ولقدرة الغرب على التكيف مع بيئة دولية متغيرة. فإذا كان تقرير هذا العام يتحدث عن “مرحلة الهدم”، فإن السؤال الذي سيحكم أجواء ميونخ هو: هل سيبدأ الغرب بإعادة البناء المشترك، أم أننا أمام مرحلة طويلة من إعادة التموضع والتباعد التدريجي؟ وفي ظل تصاعد الشكوك وتراجع اليقين الاستراتيجي، قد يكون مؤتمر ميونخ 2026 أقل احتفالية بالتحالفات التقليدية، وأكثر واقعية في الاعتراف بأن النظام الدولي، بما فيه الشراكة عبر الأطلسي، يدخل مرحلة إعادة تعريف عميقة.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code