شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_كشفت نتائج “التحقيق الوطني 2026” الذي أجرته وسائل الإعلام البلجيكية الناطقة بالفرنسية عن تغيرات سياسية لافتة في المزاج الانتخابي داخل بلجيكا، خاصة في منطقتي والونيا وبروكسل، حيث بدأت خريطة القوى الحزبية تشهد إعادة تشكيل تدريجية قبل الانتخابات المقبلة.
الاستطلاع أظهر تراجعًا واضحًا لشعبية حزب MR الليبرالي، مقابل صعود ملحوظ لكل من حزب “Les Engagés” الوسطي وحزب العمال البلجيكي PTB، في وقت يحاول فيه الحزب الاشتراكي PS استعادة جزء من نفوذه التقليدي داخل الشارع الفرنكوفوني.
ولا يتعلق الأمر فقط بالأرقام والنسب، بل بحركة انتقال الناخبين بين الأحزاب، وهي النقطة التي يعتبرها محللون سياسيون أكثر أهمية من نسب التصويت نفسها، لأنها تكشف الاتجاهات المستقبلية للمشهد السياسي في بلجيكا.
انهيار ملحوظ لشعبية حزب MR في والونيا وبروكسل
بحسب نتائج الاستطلاع، تراجعت شعبية حزب MR بشكل كبير مقارنة بانتخابات 2024. ففي والونيا انخفضت نسبة الحزب من 28% إلى نحو 20% فقط، وهو التراجع نفسه تقريبًا الذي سُجل في بروكسل.
هذا الانخفاض يعني عمليًا أن الحزب فقد ما يقارب ثلث قاعدته الانتخابية خلال فترة قصيرة نسبيًا، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية حول قدرة الحزب على الحفاظ على موقعه كقوة رئيسية داخل اليمين الفرنكوفوني.
اللافت أن جزءًا كبيرًا من ناخبي MR السابقين اتجهوا نحو حزب “Les Engagés”، حيث أظهرت البيانات أن حوالي 12% من المصوتين الذين دعموا MR في الانتخابات الماضية باتوا يفضلون اليوم التصويت للحزب الوسطي.
كما كشف الاستطلاع عن انتقال جزء آخر من ناخبي MR نحو حزب العمال PTB اليساري الراديكالي، وهو تطور غير متوقع يعكس حالة من عدم الرضا لدى بعض الناخبين تجاه الخط السياسي الحالي للحزب الليبرالي.
حزب “Les Engagés” يرسخ حضوره في الوسط واليمين المعتدل
رغم أن حزب “Les Engagés” لم يسجل قفزة ضخمة في نسب التصويت، إلا أنه تمكن من تثبيت موقعه كأحد أكثر الأحزاب استقرارًا في المشهد السياسي البلجيكي الناطق بالفرنسية.
الحزب استفاد بشكل أساسي من تدفق ناخبين قادمين من MR، وهو ما ساهم في تعزيز صورته كخيار بديل لليمين المعتدل والناخبين الوسطيين الذين يبحثون عن خطاب أقل حدة وأكثر توازنًا.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس نجاح الحزب في تقديم نفسه كتيار يجمع بين المبادئ الاقتصادية الليبرالية وبعض الجوانب الاجتماعية المعتدلة، خاصة بعد حديث قياداته مؤخرًا عن مفهوم “الليبرالية ذات المعنى”.
في المقابل، تشير نتائج الاستطلاع إلى أن العلاقة السياسية بين MR وLes Engagés قد تصبح أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة بسبب التنافس المباشر على القاعدة الانتخابية نفسها.
PTB يواصل التوسع على حساب الحزب الاشتراكي
على الجهة اليسارية، يواصل حزب العمال البلجيكي PTB تعزيز حضوره داخل المشهد السياسي، مستفيدًا بشكل واضح من تراجع جزء من ناخبي الحزب الاشتراكي PS.
الاستطلاع أظهر أن PTB نجح في استقطاب نسبة معتبرة من ناخبي PS سواء في بروكسل أو والونيا، إلى جانب حصوله على أصوات من ناخبين كانوا قد امتنعوا عن التصويت أو اختاروا أوراقًا بيضاء خلال الانتخابات الماضية.
هذا التطور يعكس استمرار المنافسة القوية داخل اليسار البلجيكي، خاصة مع تنامي شعبية الخطابات الاجتماعية والاقتصادية الراديكالية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والأزمات الاقتصادية التي تشهدها أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
الحزب الاشتراكي يحاول استعادة التوازن
رغم خسارته جزءًا من أصواته لصالح PTB، فإن الحزب الاشتراكي PS تمكن في المقابل من جذب ناخبين جدد قادمين من الوسط واليمين المعتدل، إضافة إلى استعادة بعض الناخبين الذين كانوا مترددين أو امتنعوا عن التصويت سابقًا.
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن القاعدة الانتخابية للحزب الاشتراكي أصبحت أكثر تنوعًا وأقل ارتباطًا باليسار التقليدي فقط، وهو ما قد يدفع قيادة الحزب إلى إعادة صياغة خطابها السياسي خلال الفترة المقبلة.
كما أظهر الاستطلاع أن الحزب الاشتراكي يمتلك أكبر “إمكانات انتخابية” في والونيا، أي عند احتساب الناخبين المترددين الذين يميلون نحوه، وهو ما يمنحه هامشًا مهمًا قبل أي انتخابات مقبلة.
إيكولو و Defi يواجهان مرحلة صعبة
في المقابل، تبدو الأحزاب البيئية والوسطية الصغيرة أمام تحديات حقيقية. فقد واصل حزب Ecolo تراجعه ليسجل نتائج تعتبر من بين الأضعف في تاريخه السياسي الحديث.
جزء كبير من ناخبي الحزب الأخضر انتقلوا نحو PS وPTB وLes Engagés، بينما تحول قسم آخر إلى فئة الناخبين المترددين.
أما حزب DéFI، فرغم ضعف نتائجه الحالية، إلا أنه لا يزال يحتفظ بهامش انتخابي قد يسمح له بالبقاء داخل المشهد السياسي في بروكسل.
المشهد البلجيكي لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات
الرسالة الأهم التي يحملها هذا الاستطلاع هي أن الناخب الفرنكوفوني في بلجيكا أصبح أكثر تقلبًا وأقل ارتباطًا التقليدي بالأحزاب التاريخية.
فالتحولات التي بدأت منذ انتخابات يونيو 2024 لم تتوقف بعد، سواء داخل معسكر اليمين أو اليسار، ما يعني أن الأشهر المقبلة قد تشهد مفاجآت سياسية جديدة وتغيرات إضافية في موازين القوى.
ويرى متابعون أن الحملات الانتخابية المقبلة ستكون حاسمة للغاية، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين الأحزاب الكبرى على أصوات الناخبين المترددين الذين قد يحددون مستقبل الحكم في والونيا وبروكسل.
