بقلمي
ربا رباعي/الاردن
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يُعدّ السلوك الإنساني، ولا سيما في علاقاته التفاعلية، مجالًا خصبًا للتأمل الفلسفي والتحليل الأدبي. ومن أكثر هذه السلوكيات التباسًا وإثارة للجدل “التجاهل”، إذ تتعدد دلالاته بتعدد السياقات النفسية والاجتماعية والثقافية. وقد نُسبت إلى كلٍّ من أفلاطون وويليام شكسبير مقولتان متعارضتان ظاهريًا حول التجاهل:
الأولى ترى فيه إعلانًا ضمنيًا للرغبة في الإقصاء، والثانية تعتبره دليلًا على شدة الاهتمام. وبين هذين الرأيين تتجلى إشكالية عميقة تستحق النقاش والتحليل.
أولًا: التجاهل في المنظور الفلسفي (المنسوب إلى أفلاطون)
يُعرف أفلاطون بنزعته العقلانية والأخلاقية التي ترى في العلاقات الإنسانية نظامًا قيميًا يقوم على الوضوح والانسجام. ورغم أن العبارة المنسوبة إليه:
“إذا تجاهلك شخص فهو يطلب منك مغادرة حياته”
لا ترد نصًا في محاوراته، إلا أن معناها ينسجم مع فلسفته في الخير والصدق والوضوح الأخلاقي.
ففي محاورة الجمهورية، يؤكد أفلاطون أن النفس السوية لا تعيش في التناقض ولا تمارس الغموض المؤذي، بل تميل إلى الانسجام بين القول والفعل. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التجاهل بوصفه فعلًا سلبيًا ذا دلالة إيجابية في المعنى؛ أي أنه رسالة غير منطوقة تعبر عن رفض أو انسحاب واعٍ من العلاقة.
كما يتقاطع هذا الفهم مع الفلسفة الرواقية لاحقًا، حيث يرى إبكتيتوس أن الصمت المتعمد شكل من أشكال الحكم القيمي على الآخر، وأنه ليس حيادًا بل اختيارًا أخلاقيًا.
ثانيًا: التجاهل في المنظور الأدبي-النفسي (المنسوب إلى شكسبير)
أما شكسبير، فهو شاعر النفس الإنسانية بامتياز، وقد بنى أعماله على التناقضات الداخلية والانفعالات المكبوتة. والمقولة المنسوبة إليه:
“إذا تجاهلك شخص فاعلم أنك الأهم لديه”
وإن لم تثبت نصيًا في مسرحياته، إلا أن معناها يتردد بوضوح في نصوصه.
في مسرحية هاملت، مثلًا، يظهر الصمت والتجاهل بوصفهما قناعًا للصراع الداخلي، حيث يخفي البطل مشاعره العميقة خلف برود ظاهري. وكذلك في الملك لير، يصبح الامتناع عن التعبير أحيانًا علامة على الحب الصادق العاجز عن الكلام.
من هذا المنظور، فإن التجاهل قد يكون آلية دفاع نفسية، أو تعبيرًا عن خوف من الفقد، أو محاولة للسيطرة على المشاعر. وهنا لا يكون التجاهل نفيًا للأهمية، بل اعترافًا غير مباشر بها.
ثالثًا: قراءة نقدية مقارنة
عند المقارنة بين الرأيين، يتضح أن الاختلاف ليس تناقضًا بقدر ما هو اختلاف في زاوية النظر:
الفلسفة تنظر إلى التجاهل كفعل اجتماعي دلالي واضح.
الأدب ينظر إليه كحالة نفسية معقدة، متعددة المعاني.
وقد أشار عالم النفس الاجتماعي إرفنغ غوفمان إلى أن الصمت والتجاهل يدخلان ضمن “إدارة الانطباع”، أي أن الإنسان قد يتجاهل الآخر لا لغياب القيمة، بل لشدتها وخطورتها على توازنه الداخلي.
خاتمة
يمكن القول إن التجاهل ليس لغة واحدة، بل لغات متعددة تُقرأ بحسب السياق والعلاقة والشخصية. فالتجاهل في علاقة سطحية غالبًا ما يعني الإقصاء، بينما قد يعني في علاقة عميقة صراعًا داخليًا أو حبًا مرتبكًا.
وعليه، لا أفلاطون ولا شكسبير يمتلك الحقيقة كاملة، بل يقدمان معًا صورتين متكاملتين للطبيعة الإنسانية:
صورة العقل الواضح، وصورة القلب المتردد.
المراجع والمصادر
أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
أفلاطون، فيدون، ترجمة عزت قرني، دار المعارف.
Shakespeare, W. Hamlet, King Lear, Oxford University Press.
Goffman, E. The Presentation of Self in Everyday Life, Anchor Books.
فرويد، سيغموند. مدخل إلى التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي.
برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، دار المعارف.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
