في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، انطلقت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران في عملية أُطلق عليها “العملية الغضب الملحمي”، مستهدفةً المنشآت النووية والعسكرية ومراكز قيادة الحرس الثوري. وفي أوائل الأول من مارس، أعلن الإعلام الإيراني مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي مع عدد من كبار المسؤولين، من بينهم وزير الدفاع ومسؤول كبير في الحرس الثوري. وأعلنت إيران الحداد الوطني أربعين يوماً، وشُكّل مجلس قيادة انتقالي. وفي ٨ مارس، انتخبت هيئة خبراء القيادة مجتبى خامنئي، نجل المرشد المقتول، مرشداً أعلى جديداً، وهو اختيار وصفه المحللون بأنه تكريس لسلطة الحرس الثوري الذي يُقدَّر أنه سيُمسك بزمام القرار الحقيقي في المرحلة المقبلة. وتشير تقارير وكالة CIA إلى أن التيار المتشدد داخل الحرس الثوري يُسيطر فعلياً على مفاصل الدولة. وأكد علي لاريجاني كبير المسؤولين الأمنيين أن إيران “لن تتفاوض مطلقاً مع الولايات المتحدة” في ظل استمرار الغارات، رافضاً ما أعلنه ترامب من أن مسؤولين إيرانيين أبدوا رغبتهم في الحوار.
انتخاب مجتبى خامنئي يُكرّس استمرار النظام الثيوقراطي ويُقلّص فرص أي انفتاح دبلوماسي. لكن شرعيته الداخلية هشّة لافتقاره إلى مرجعية دينية راسخة؛ ما يجعل الحرس الثوري الوصيَّ الحقيقي على السلطة. وهذا يُبقي إيران في مسار التصعيد ما لم تتراكم الخسائر العسكرية إلى حد لا يُطاق.
في ٢ مارس، وبعد يومين من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، شنّ حزب الله أولى هجماته الصاروخية والمسيّرة على شمال إسرائيل منذ نوفمبر ٢٠٢٤، مُعلناً النفير العام انتقاماً لمقتل خامنئي. في المقابل، أطلق الجيش الإسرائيلي موجة قصف واسعة على مراكز القيادة ومخازن الأسلحة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأصدر أوامر إخلاء عاجلة لأكثر من مئة وخمسين قرية وبلدة في جنوب لبنان، فيما قُتل ٤٨٦ شخصاً وهُجّر قرابة سبعمائة ألف. وفي خطوة استثنائية، عقدت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام اجتماعاً طارئاً أعلنت فيه “الحظر التام على جميع الأنشطة العسكرية لحزب الله”، وطالبته بتسليم سلاحه للدولة. وطرد لبنان العشرات من ضباط الحرس الثوري الإيراني الذين كانوا يعملون مستشارين عسكريين لحزب الله. وأعلن الجيش الإسرائيلي بدء “غارات مستهدفة” باتجاه جنوب لبنان للضغط نحو توسيع الحضور العسكري في المنطقة.
حزب الله يتورّط في معركة لم يختَرها توقيتاً، وبعد خسائر ٢٠٢٤ فقد كثيراً من قدرته الهجومية. خسارته الدعم الحكومي اللبناني تحوّله من حركة “مقاومة” إلى ميليشيا منبوذة في عيون الشارع اللبناني، مما يُضعف شرعيته ويُسرّع انهياره الاستراتيجي.
مع اتساع رقعة الحرب، وجّهت إيران ضرباتٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة نحو دول الجوار التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية؛ إذ أعلنت الكويت والإمارات والسعودية والبحرين اعتراض موجات متعاقبة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. وأشعلت إحدى الضربات حريقاً في مصفاة نفط إماراتية كبرى، كما أصابت ضربة أخرى منطقة سيف التجارية في المنامة. وأعلنت الأردن اعتراض ١١٩ صاروخاً ومسيّرة إيرانية أسفرت عن إصابة ١٤ شخصاً. وتعرّضت البنية التحتية الرقمية للمنطقة لأضرار بالغة، بعد أن ضربت مسيّرات إيرانية ثلاثة مراكز بيانات تابعة لـAmazon Web Services في الإمارات والبحرين. في المقابل، نجح حلف الناتو في اعتراض أول صاروخ باليستي إيراني يعترض الأجواء التركية في تاريخه. ووصفت الكويت إسقاطها الخاطئ لثلاث مقاتلات F-15 أمريكية بأنه “حادثة تقنية بسبب فشل في التعرف على الهوية” وأكدت أن جميع الطيارين الستة بخير.
إيران تضرب دول الخليج لإرباك التحالف الأمريكي وإرغام دول المنطقة على الضغط لوقف الحرب. استهداف AWS يُثبت أنها تطوّر أسلوب “الحرب الهجينة”. لكن تفوّق منظومات الدفاع الجوي الخليجية والأمريكية يُقلّص تأثير هذه الضربات استراتيجياً.
أعلن الحرس الثوري الإيراني منذ اليوم الأول من الحرب أن المرور عبر مضيق هرمز “غير مسموح به”، مُفضياً إلى شلل شبه تام في حركة الناقلات النفطية التي تنقل نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية. قفز سعر برنت إلى ١١٩ دولاراً للبرميل قبل أن يتراجع إلى قرابة مئة واثنين دولاراً إثر قرار مجموعة G7 والوكالة الدولية للطاقة بضخ ما بين ثلاثمئة وأربعمئة مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية في أكبر عملية طوارئ من نوعها في التاريخ. وعلّقت شركة ميرسك للشحن عملياتها في المنطقة، فيما ارتفعت أقساط التأمين الحربي على ناقلات النفط إلى ٠.٤٪ من قيمة السفينة. وأعلن الرئيس الفرنسي ماكرون أن فرنسا وحلفاءها يُعدّون لـ”مهمة” لإعادة فتح مضيق هرمز. وفي سياق الأثر الاقتصادي، حذّر محللو ING من أن ارتفاع أسعار النفط قد يُعرقل التعافي الاقتصادي الأوروبي المرتقب، فيما يُقدّر الاقتصاديون أن كل ارتفاع بعشرة دولارات في سعر البرميل يكلّف الاقتصاد العالمي نقطة نمو كاملة.
إغلاق هرمز يمنح إيران ورقة ضغط اقتصادية هائلة دون خسائر عسكرية مباشرة. لكن هذه الورقة ذات حدّين: كل يوم إغلاق يستنزف الإيرادات الإيرانية الشحيحة أيضاً. إذا نجحت مهمة ماكرون لإعادة فتح هرمز، تنهار أقوى أوراق الضغط الإيرانية.
كشف الأدميرال برادلي كوبر قائد القوات البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، أن معدل إطلاق إيران للصواريخ الباليستية تراجع بنسبة تسعين بالمئة مقارنة باليوم الأول، فيما انخفض معدل إطلاق المسيّرات بنسبة ثمانين بالمئة. وأشار محللون عسكريون إلى أن الانخفاض يعكس تراجعاً في المخزون جراء الضربات الأمريكية على قواعد الإطلاق، إضافةً إلى استراتيجية إيرانية لـ”ترشيد” الذخائر لتحمّل حرب مطوّلة. وكان الحرس الثوري أعلن منذ اليوم الأول أنه أطلق أكثر من خمسمئة صاروخ باليستي وبحري وقرابة ألفي مسيّرة، مُستهدفاً سبعاً وعشرين قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط. وأكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة “لن تتوقف حتى يُهزم العدو هزيمة ساحقة وحاسمة”، مُبقياً الباب مفتوحاً أمام احتمال نشر قوات برية، وهو ما أحجم ترامب عن استبعاده نهائياً.
تراجع الصواريخ الإيرانية ٩٠٪ يُشير إلى نجاح عسكري أمريكي في تدمير مواقع الإطلاق. لكن استراتيجية الترشيد الإيرانية تعني أن طهران تتهيأ لحرب إنهاك طويلة، وليس للهزيمة السريعة. الخطر الكبير في نشر قوات برية أمريكية بريّة هو التورط في مستنقع يُذكّر بالعراق ٢٠٠٣.
على الصعيد الدبلوماسي، طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، وأعلن أن فرنسا وحلفاءها يُعدّون لمهمة لإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة. وبادر الرئيس الروسي بوتين -وروسيا ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم- بعرض استئناف صادرات النفط الروسية إلى أوروبا لمعالجة أزمة الطاقة. في المقابل، رفضت إيران أي دعوات للتفاوض في ظل استمرار القصف، مؤكدةً على لسان لاريجاني “لن نتفاوض تحت القصف”. وتباينت الحسابات الأمريكية: بينما يقول وزير الدفاع هيغسيث إن الحرب “لن تكون لا نهاية لها”، يرى وزير الخارجية ماركو روبيو أن ترامب لن يستبعد أي خيار. وتستعد قمة المجلس الأوروبي في ١٩–٢٠ مارس لمناقشة الحرب وتداعياتها على الأمن الأوروبي وسلاسل الإمداد الطاقوي.
الدبلوماسية تواجه جداراً إيرانياً صلباً. عرض روسيا النفطي يُكشف عن مناورة موسكو لتعزيز نفوذها بدلاً من نيّة صادقة للوساطة. الباب الوحيد للحل قد يكون ترتيباً أمريكياً-إيرانياً مباشراً عبر قناة خلفية، شرط وقف الضربات أولاً.
السيناريوهات المحتملة للأسابيع القادمة
يستنزف النظام الإيراني الجديد بقيادة مجتبى خامنئي ضغطَ الشارع المحلي والأزمة الاقتصادية، ويقبل التفاوض عبر قناة خلفية. تتوقف الضربات، تنفتح هرمز، ويبدأ مسار دبلوماسي برعاية قطرية وعُمانية. سعر النفط يتراجع إلى ٨٠ دولاراً ويعود الاستقرار النسبي للمنطقة.
تواصل أمريكا وإسرائيل ضرباتهما الانتقائية، وتستمر إيران في إطلاق صواريخ ومسيّرات بوتيرة منخفضة. يتحوّل الصراع إلى حرب استنزاف تستهدف البنية التحتية الإيرانية تدريجياً. يتأرجح النفط بين ٩٠ و١١٠ دولارات. حزب الله يُعاد تحجيمه عسكرياً جراء الضغطين الإسرائيلي واللبناني معاً.
يُقرر الحرس الثوري تفعيل وكلائه في العراق وسوريا واليمن بصورة منسّقة لإرهاق الأمريكيين على جبهات متعددة. يُغلق هرمز إغلاقاً شبه تام لأكثر من ثلاثة أسابيع. يتجاوز النفط ١٤٠ دولاراً، ويدخل الاقتصاد العالمي في ركود. تضطر أمريكا لنشر قوات برية محدودة، مفتتحةً صفحة جديدة من حروب المنطقة.
