بقلم: الدكتور محمود علي بك
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_انتظرتُ على أحرّ من الجمر حتى ينقضي شهر أبريل…ذلك الشهر الذي ظلّ، على الدوام، شهر الفقد والوجع،الشهر الذي فقدتُ فيه من أحببت… واحدًا تلو الآخر.
كنتُ أؤجّل رثاء أستاذي الجليل،الدكتور أحمد مختار العبادي،الذي اختاره القدر أن يرحل هو أيضًا في هذا الشهر الثقيل،وكأن أبريل يأبى إلا أن يحمل معه شيئًا من القلب كل عام.
لم يكن أستاذي اسمًا في سجلّ المؤرخين فحسب،بل كان ذاكرةً حيّة، وعلمًا يمشي بين الناس،وكان—قبل كل شيء—إنسانًا متفردًا،يغمر من حوله بعلمه، ويحتويهم بإنسانيته الباذخة.
وأنا أستحضر هذه الذكرى المؤلمة،أعود بذاكرتي إلى البدايات…إلى المرحلة الابتدائية، حيث بدأ عشقي لمادة التاريخ،ثم ازداد ذلك الشغف في المرحلة الإعدادية،على يد الأستاذ القدير بن عيسى محمد صالح (أطال الله عمره)،الذي كان له الفضل في ترسيخ هذا الحب داخلي.
وحين التحقتُ بجامعة قاريونس،لم يكن اختياري لقسم التاريخ مصادفة،بل كان امتدادًا لشغفٍ قديم،رغم ما واجهته من صعوبات في الالتحاق به.
ومع ذلك، مضيتُ حتى تخرجتُ بتقديرٍ جيدٍ مرتفع،ثانيَ دفعتي.
ومن هناك… بدأت الرحلة الحقيقية.
لم يكن هدفي مجرد الحصول على الماجستير أو الدكتوراه،بل الوصول إلى أقصى ما يمكن بلوغه في هذا العالم الآسر… عالم التاريخ.
وكان ذلك مشروطًا بحلمٍ أكبر ,أن أتتلمذ على يد أحد أولئك الأعلام الذين شكّلوا وعيي قبل أن ألقاهم:
الدكتور أحمد مختار العبادي،
والدكتور سعد زغلول عبدالحميد،
والدكتور السيد عبدالعزيز سالم — رحمهم الله.
ولم تخذلني الأقدار…فالتحقت بجامعة الإسكندرية، وهناك التقيتُ بهم جميعًا،وكأن القدر قرر أن يمنحني ما حلمتُ به كاملًا.
درستُ على يد الدكتور سعد زغلول عبدالحميد،ثم تشرفتُ بإشراف الدكتور أحمد مختار العبادي على رسالة الماجستير،
وكان مناقشي فيها الدكتور السيد عبدالعزيز سالم…تلك لحظة أدركتُ فيها أن القدر، حين يبتسم، يهب بسخاء.
ثم كانت رحلة الدكتوراه،بإشراف الأستاذين الكبيرين العبادي وعبدالعزيز سالم،لكن الرحيل خطف الأخير مبكرًا…فخسره التاريخ، وخسرناه جميعًا.
واستمرت رحلتي مع أستاذي العبادي،حتى أتممتُ الدكتوراه،بفضل الله، ثم بفضله وعطائه.
ومن جميل المصادفات،أن تكون ضمن لجنة المناقشة الدكتورة سحر السيد عبدالعزيز سالم، في امتدادٍ إنساني وعلمي لهذا الإرث الكبير.
ماذا أقول اليوم، في ذكراك يا أستاذي؟ ربما هي المرة الأولى التي أرثيك فيها، لأنني، طوال تلك السنوات،لم أفِ بوعدي لك،الذي كان آخر ما بيننا،
في نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية،قرب قلعة قايتباي…
وها أنا اليوم،أقترب من الوفاء به،نزولًا عند رغبتك…ورغبة من أحبوني وأحبّوك.
رحلتَ، لكنك لم تغب…تركت أثرَك في الكتب،لكنّك تركت في القلوب ما هو أبقى.وهناك أناسٌ لا يتكررون كثيرًا…بل ربما لا يتكررون أبدًا.
رحمك الله، يا أستاذي الجليل،بقدر ما زرعتَ من نورٍ في العقول والقلوب،وجعل ما قدمتَه علمًا نافعًا لا ينقطع.ورحم الله أساتذتي الكبار:
الدكتور سعد زغلول عبدالحميد،والدكتور السيد عبدالعزيز سالم.
وأطال الله عمر من بقي،وحفظ من يحملون هذا الأثر من بعدهم.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
