ربا رباعي-الاردن
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تتأسس العلاقة بين العقل والإنجاز والهوية على جدلية مركّبة تتجاوز التحديدات السطحية، لتغدو بنية دينامية تتداخل فيها أبعاد الوعي الفردي مع شروط الواقع التاريخي والاجتماعي. فالعقل ليس مجرد أداة إدراك محايدة، بل هو فاعل تأويلي يعيد إنتاج العالم عبر تمثّلاته، بينما يتجلّى الإنجاز بوصفه الترجمة العملية لهذه التمثلات، في حين تتشكّل الهوية بوصفها الحصيلة التراكمية لهذا التفاعل المستمر. وتُعدّ رواية ذاكرة الجسد نموذجًا سرديًا غنيًا يسمح باستكشاف هذه الجدلية في أفقها الجمالي والفلسفي.
أولًا: العقل بوصفه أفقًا تأويليًا للوجود
في الإطار الفلسفي، يمكن استحضار تصورات رينيه ديكارت حول مركزية العقل، حيث يغدو التفكير أساسًا للوجود، إلى جانب مقاربات إيمانويل كانط الذي ربط المعرفة بالبنية القبلية للذهن. ضمن هذا السياق، يظهر “خالد” في الرواية بوصفه ذاتًا مفكّرة تستعيد ماضيها عبر الذاكرة، لا بوصفها أرشيفًا جامدًا، بل كآلية لإعادة إنتاج المعنى.
إن العقل هنا لا يكتفي بوظيفة التحليل، بل ينخرط في عملية تفكيك للزمن، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحاضر لتشكّل وعيًا نقديًا بالذات وبالعالم. وهذا ما ينسجم مع تصورات بول ريكور حول “الهوية السردية”، حيث تتشكّل الذات عبر الحكي وإعادة التأويل.
ثانيًا: الإنجاز كتحقق أنطولوجي للذات
لا يُفهم الإنجاز في الرواية ضمن أفقه المادي الضيق، بل يتجاوز ذلك ليصبح فعلًا وجوديًا يثبت الكينونة. فالفن التشكيلي الذي يمارسه خالد ليس مجرد نشاط جمالي، بل هو وسيلة لإعادة بناء الذات المتصدعة بفعل الحرب والفقد.
يمكن هنا الاستئناس بمفهوم “العمل” عند كارل ماركس، حيث يُنظر إلى الإنتاج بوصفه تحققًا للإنسان في العالم، وكذلك برؤية جان بول سارتر الذي يرى أن الإنسان يُعرّف من خلال أفعاله. وبذلك، يصبح الإنجاز الفني في الرواية فعل مقاومة رمزية، يعيد من خلاله البطل صياغة واقعه، ويحوّل المعاناة إلى قيمة جمالية.
ثالثًا: الهوية كتشكل دينامي متحوّل
تتبدّى الهوية في ذاكرة الجسد بوصفها بنية متحركة، تتشكل عند تقاطع الذاتي بالجمعي. فهي ليست معطى جاهزًا، بل مشروعًا مفتوحًا يعاد بناؤه باستمرار. وتتجلى هذه الرؤية في تداخل الهوية الشخصية لخالد مع الهوية الوطنية الجزائرية، حيث يصبح الجسد الفردي استعارة للجسد الجمعي.
وتتقاطع هذه الرؤية مع أطروحات ستيوارت هول الذي يرى الهوية سيرورة لا جوهرًا ثابتًا، وكذلك مع مقولات بيير بورديو حول تأثير البنى الاجتماعية والثقافية في تشكيل الوعي الفردي.
رابعًا: جدلية التفاعل بين العقل والإنجاز والهوية
تكشف الرواية عن بنية جدلية قائمة على التأثير المتبادل بين العناصر الثلاثة:
العقل يُنتج التأويل ويعيد قراءة التجربة.
الإنجاز يترجم هذا التأويل إلى فعل ملموس (الفن).
الهوية تتشكل من خلال هذا الفعل، ثم تعود لتؤثر في طريقة التفكير والإنتاج.
إنها حلقة جدلية مستمرة، حيث لا يمكن فصل أي عنصر عن الآخر. وهذا ما ينسجم مع المنظور الجدلي في الفلسفة، خاصة عند هيغل، الذي يرى أن الحقيقة تتشكل عبر الصيرورة والتناقض.
خامسًا: البعد الجمالي للجدلية
تُضفي اللغة الشعرية التي تعتمدها مستغانمي بعدًا جماليًا على هذه الجدلية، حيث يتحول السرد إلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة مع الرمز، والتاريخ مع العاطفة. فاللغة ليست مجرد أداة نقل، بل هي نفسها إنجاز يساهم في تشكيل الهوية الثقافية للنص.
خاتمة
تُبرز رواية ذاكرة الجسد أن الإنسان كائن جدلي، يتحدد وجوده عبر تفاعل معقد بين العقل والإنجاز والهوية. فالعقل لا ينتج معرفة فحسب، بل يصوغ رؤية، والإنجاز لا يحقق فعلًا فقط، بل يؤسس معنى، والهوية لا تعكس انتماءً وحسب، بل تعيد تشكيل الذات في ضوء هذا التفاعل.
وبذلك، يمكن القول إن جدلية العقل والإنجاز والهوية ليست مجرد إطار نظري، بل هي بنية وجودية تتجسد في التجربة الإنسانية، حيث يصبح الأدب مرآة تعكس هذا التعقيد، وتعيد صياغته في شكل جمالي قادر على مساءلة الواقع وإعادة إنتاجه.
مراجع مقترحة (عربية وأجنبية)
ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي
تأملات ميتافيزيقية – رينيه ديكارت
نقد العقل المحض – إيمانويل كانط
الوجود والعدم – جان بول سارتر
الهوية
قواعد الفن – بيير بورديو
الذاكرة، التاريخ، النسيان – بول ريكور
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
