جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تدرس إمكانية خفض عدد القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا خلال الأسبوع الأخير من شهر أبريل 2026 في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين ضفتي الأطلسي، مؤكداً أن القرار سيُتخذ قريباً. ويأتي هذا الإعلان في سياق سياسي متوتر أعقب انتقادات مباشرة وجهها ترامب للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، على خلفية مواقفه المرتبطة بالاستراتيجية الأميركية تجاه إيران. هذا التطور أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا، وما إذا كان ما يجري يعكس تحولاً استراتيجياً في الانتشار العسكري الأميركي داخل أوروبا، أم أنه يدخل في إطار الضغط السياسي على الحلفاء وإعادة صياغة موازين العلاقة داخل حلف الناتو.
أن التوتر بين ألمانيا والولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب لا يُفهم كخلافات ظرفية، بل كتحول بنيوي في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي. ففي دراسة صادرة عن مركز European Parliament Research Service (EPRS) عام 2026، تم التأكيد على أن العلاقات الأميركية – الأوروبية منذ عام 2025 دخلت مرحلة عدم يقين استراتيجي، حيث لم يعد يُنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً أمنياً يمكن التنبؤ بسلوكه، بل طرفاً يعيد تعريف التزاماته داخل حلف الناتو وفق أولويات داخلية متغيرة .
خلفية التوتر بين ترامب وميرتس
شهدت الأيام الأخيرة من أبريل 2026 تصعيداً كلامياً لافتاً بين واشنطن وبرلين، تركز بشكل أساسي حول الملف الإيراني ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فقد انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس النهج الأميركي، معتبراً أن غياب استراتيجية واضحة تجاه إيران يفاقم الأزمة ويضعف الموقف الغربي. في المقابل، رد الرئيس ترامب بهجوم مباشر، منتقداً التصريحات الألمانية ومعتبراً أنها تعكس فهماً غير دقيق لطبيعة التهديدات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. هذا السجال، وإن بدا محصوراً في الملف الإيراني، سرعان ما امتد إلى ملفات أوسع تتعلق بالعلاقة الثنائية بين البلدين ودور ألمانيا داخل المنظومة الغربية.
رغم حدة التصعيد، حاولت برلين الحفاظ على خطاب متوازن. فقد شدد المستشار الألماني على أهمية استمرار الشراكة مع الولايات المتحدة ضمن إطار حلف الناتو، مؤكداً أن العلاقات الشخصية والسياسية مع واشنطن لا تزال قائمة، رغم الخلافات في وجهات النظر. ومع ذلك، فإن تصريحات ميرتس حملت في طياتها انتقادات غير مباشرة للسياسة الأميركية، خاصة فيما يتعلق بطريقة إدارة الأزمات الدولية، ما عكس حالة من التوتر السياسي المتزايد بين الجانبين، دون الوصول إلى مرحلة القطيعة أو المواجهة المباشرة.
القواعد الأميركية في ألمانيا ودورها الاستراتيجي
تُعتبر القواعد العسكرية الأميركية في ألمانيا أحد أهم ركائز الوجود العسكري الأميركي في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تحولت ألمانيا إلى مركز لوجستي وعملياتي رئيسي يدعم العمليات الأميركية داخل القارة وخارجها. وتضم هذه القواعد منشآت استراتيجية بارزة مثل قاعدة رامشتاين الجوية، التي تُستخدم كمحور رئيسي للنقل العسكري والاتصالات وإدارة العمليات، إضافة إلى كونها نقطة ارتكاز لدعم العمليات الأميركية في الشرق الأوسط وأفريقيا. ويجعل هذا الدور من ألمانيا عنصراً محورياً في البنية العسكرية الأميركية العالمية، وفي الوقت نفسه نقطة حساسة في العلاقات السياسية بين واشنطن وبرلين.
سبق للرئيس ترامب أن طرح فكرة إعادة توزيع القوات الأميركية في أوروبا خلال ولايته الأولى، بما في ذلك تقليص الوجود العسكري في ألمانيا وتوجيه جزء من هذه القوات نحو بولندا ودول أوروبا الشرقية. وجاء هذا التوجه في إطار انتقاداته المتكررة لبرلين بشأن مستويات الإنفاق الدفاعي، مقابل إشادته بدول أخرى اعتبرها أكثر التزاماً داخل حلف الناتو. هذا التوجه عكس رؤية تقوم على إعادة توزيع الأعباء داخل التحالف الأطلسي، وربط الالتزامات الأمنية بمساهمات مالية وعسكرية أكبر من جانب الحلفاء الأوروبيين.
قاعدة رامشتاين الجوية
تُعتبرّ قاعدة رامشتاين الجوية (Ramstein) واحدة من أهمّ الركائز الاستراتيجية للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، وتقع في جنوب غرب ألمانيا قرب ولاية راينلاند-بفالتس. تمثّل القاعدة مركزًا حيويًا لعمليات القيادة والدعم اللوجستي التابعة للقوات الأمريكية، حيث تُستخدم كنقطة عبور رئيسية للقوات والمعدات بين الولايات المتحدة ومناطق العمليات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. كما تلعب دورًا محوريًا في تنسيق عمليات الناتو، بما يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين وقد اكتسبت القاعدة أهمية متزايدة في سياق إعادة التموضع العسكري الأميركي، إذ تسهم في تعزيز سرعة الاستجابة والانتشار، فضلًا عن دورها في إدارة العمليات الجوية والاتصالات الاستراتيجية. وبذلك، تمثل رامشتاين عنصرًا محوريًا في بنية الأمن الأوروبي الأطلسي، وتُجسّد التداخل بين المصالح الدفاعية الأميركية والألمانية ضمن إطار تحالفي أوسع.
التداعيات الأمنية على ألمانيا
أن أي خفض محتمل للقوات الأميركية في ألمانيا قد يترك تداعيات أمنية مهمة على برلين. فعلى مدى عقود، شكّل الوجود الأميركي جزءاً أساسياً من منظومة الردع الغربية في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ما وفر لألمانيا مظلة أمنية مستقرة ضمن إطار حلف الناتو. ومع أي تقليص محتمل، قد تجد ألمانيا نفسها أمام ضرورة تعزيز إنفاقها الدفاعي وتسريع تطوير قدراتها العسكرية الذاتية، إلى جانب تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي، في محاولة لتعويض أي فراغ استراتيجي محتمل.
يشير تحليل صادر عن معهد Chatham House – Royal Institute of International Affairs إلى أن أوروبا بدأت تتعامل مع إدارة ترامب باعتبارها تحولاً دائماً وليس استثناءً سياسياً، وهو ما يدفع دولاً مثل ألمانيا إلى إعادة تقييم اعتمادها العسكري والاقتصادي على واشنطن، مع توقعات بزيادة التباعد في ملفات الأمن والدفاع، حتى مع استمرار التعاون الرسمي داخل الناتو .
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
لا يقتصر أثر الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا على الجانب الأمني فقط، بل يمتد أيضاً إلى الاقتصاد المحلي في المناطق التي تستضيف القواعد العسكرية. إذ يشكل الجنود الأميركيون وعائلاتهم جزءاً من الدورة الاقتصادية المحلية، من خلال الاستهلاك اليومي والخدمات والبنية التحتية المرتبطة بالوجود العسكري .وإن أي تقليص في هذا الوجود قد يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي في بعض المناطق، مع ما يرافق ذلك من تأثيرات على سوق العمل المحلي والخدمات المرتبطة بالقواعد العسكرية.
الدعم اللوجستي الأميركي في أوروبا
تمثل ألمانيا القلب اللوجستي للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، حيث تعتمد واشنطن على بنيتها التحتية في النقل والإمداد والتحرك العملياتي. وتعد قاعدة رامشتاين وغيرها من المنشآت العسكرية نقاط عبور رئيسية للقوات والمعدات المتجهة إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وأي تقليص في هذا الوجود قد يؤدي إلى إعادة هيكلة معقدة لسلاسل الإمداد العسكرية الأميركية، وإلى الحاجة لنقل جزء من هذه القدرات إلى دول أخرى مثل بولندا، وهو ما يتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة ولا يمكن تنفيذه بشكل فوري دون تأثير على كفاءة العمليات العسكرية.
الرأي العام الألماني ومواقف الأحزاب السياسية
تعكس استطلاعات الرأي في ألمانيا انقساماً واضحاً حول الوجود العسكري الأميركي. ففي حين تُظهر أغلبية من الألمان رفضاً لوجود الأسلحة النووية الأميركية على أراضيهم، يسود في الوقت نفسه قبول براغماتي للقواعد العسكرية باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الأوروبي. أما على المستوى السياسي، فتتباين مواقف الأحزاب الألمانية، حيث تدعم الأحزاب الحاكمة بقاء القواعد الأميركية ضمن إطار الناتو، في حين يطالب حزب اليسار بإغلاقها، ويدعو تحالف BSW إلى تقليص النفوذ العسكري الأميركي، بينما يتبنى حزب البديل من أجل ألمانيا موقفاً متذبذباً بين النقد والدعوة لإعادة التوازن في العلاقات مع واشنطن.
يرى معهد Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP) – Berlin، وهو أحد أهم مراكز الفكر الألمانية في السياسة الخارجية، أن سياسة الدفاع الأميركية في عهد ترامب تتسم بـتناقضات بين الانعزالية والسعي للهيمنة، ما يضع أوروبا أمام معضلة استراتيجية، حيث لم يعد واضحاً إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الضمانات الأميركية التقليدية. ويؤكد التقرير أن ألمانيا تجد نفسها مضطرة للتعامل مع احتمال أن حلف الناتو بصيغته الحالية قد لا يصمد دون تغييرات جوهرية في سلوك واشنطن
تٌشير استطلاعات الرأي خلال العقد الأخير إلى أن الموقف الشعبي في ألمانيا من القواعد العسكرية الأميركية يتسم بانقسام واضح يميل تدريجياً نحو التحفظ أو الرفض الجزئي، دون أن يصل إلى رفض شامل للوجود العسكري الأميركي. فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة YouGov ونشر عام 2020، أيد نحو 47% من الألمان فكرة تقليص عدد القوات الأميركية في البلاد، فيما رأى قرابة ربع المشاركين أن على القوات الأميركية مغادرة ألمانيا بالكامل، مقابل حوالي 28% فقط أيدوا بقاء الوضع على ما هو عليه دون تغيير يُذكر .
وتشير بيانات أخرى إلى اتجاه أوسع نحو تقليل الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، حيث أظهر استطلاع منفصل أن 55% من الألمان يفضلون أن تعتمد دول الناتو الأوروبية على نفسها في الدفاع دون الحاجة إلى دعم أميركي مباشر، وهو ما يعكس تزايد النزعة نحو الاستقلال الاستراتيجي الأوروبيداخل الرأي العام الألماني .
تُظهر دراسات مقارنة أن النظرة الألمانية للوجود العسكري الأميركي تختلف عن النظرة الأميركية نفسها، إذ يعتبر حوالي نصف الألمان فقط أن القواعد الأميركية مهمة لأمن بلادهم، بينما لا يرى النصف الآخر ضرورة حاسمة لها، في حين ترتفع نسبة التأييد بشكل كبير داخل الولايات المتحدة نفسها لاستمرار هذه القواعد كجزء من الأمن القومي الأميركي . تكشف الاتجاهات العامة أن الدعم الشعبي الأميركي للوجود العسكري في ألمانيا لا يزال نسبياً مرتفعاً، إذ تؤيد أغلبية أميركية استمرار أو تعزيز هذا الوجود، بما يعكس التباين بين رؤية الجانبين لأهمية هذه القواعد داخل منظومة الأمن الأطلسي.
ورغم أن هذه الأرقام لا تعكس رفضاً ألمانيا موحداً للوجود الأميركي، فإنها تشير بوضوح إلى تحول تدريجي في المزاج العام داخل ألمانيا نحو مزيد من التشكيك في جدوى الانتشار العسكري الأميركي، مقابل تصاعد الدعوات السياسية والشعبية لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على واشنطن. ويأتي هذا التحول في سياق أوسع من النقاش داخل ألمانيا حول مستقبل حلف الناتو، وحدود الدور الأميركي في الأمن الأوروبي، وهو نقاش يتعمق كلما تصاعدت التوترات السياسية بين برلين وواشنطن، كما هو الحال في الجدل الحالي حول مستقبل القوات الأميركية في ألمانيا.
هل يٌعاقب ترامب ألمانيا؟
يبقى السؤال الأبرز في ظل هذا التصعيد هو ما إذا كان تهديد ترامب بخفض القوات الأميركية في ألمانيا يمثل نوعاً من “العقوبة السياسية” لبرلين. ورغم عدم وجود إعلان رسمي يؤكد هذا السياسي يفتحان الباب أمام قراءات متعددة، من بينها أن الأمر قد يكون أداة ضغط لإعادة صياغة العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين وفق رؤية أميركية جديدة تقوم على تقاسم أكبر للأعباء داخل الناتو.يشير تحليل صادر عن Cato Institute إلى أن الولايات المتحدة في عهد ترامب تتجه نحو دعم محدود وأكثر انتقائية لأوروبا، مع ضغط متزايد على الحلفاء الأوروبيين لتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر، وهو ما يعزز فكرة انتقال العلاقة من حماية أميركية شبه تلقائية إلى شراكة مشروطة تقوم على تقاسم الأعباء وليس الضمانات المطلقة .
قراءة مستقبلية
ـ تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا أمام مرحلة دقيقة من إعادة الاختبار. فبين اعتبارات الأمن، والحسابات السياسية، والخلافات حول الملفات الدولية، يواجه التحالف الأطلسي تحدياً حقيقياً يتعلق بإعادة تعريف أدواره وحدوده في عالم يشهد تحولات متسارعة.ومع استمرار الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التطورات تمثل بداية إعادة تموضع استراتيجي داخل أوروبا، أم مجرد فصل جديد من فصول الضغط السياسي داخل واحدة من أهم الشراكات الدولية في العالم.
ـ تبدو العلاقات الأميركية ـ الألمانية مقبلة على مرحلة إعادة تعريف أكثر من كونها مرحلة قطيعة أو انهيار. فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد علاقة سياسية ظرفية، بل هي جزء من البنية الأمنية التي تأسست منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يجعل أي تغيير فيها عملية تدريجية ومعقدة وليست قراراً آنياً.
ـ من المرجح أن تستمر ألمانيا في الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأميركية، لكنها في المقابل ستتجه بشكل متسارع نحو تعزيز قدراتها الذاتية. هذا التوجه ليس جديداً، لكنه اكتسب زخماً أكبر خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تزايد الدعوات داخل أوروبا لبناء “استقلال استراتيجي أوروبي”. وفي هذا السياق، قد تكون هناك زيادة في الإنفاق الدفاعي الألماني، وتطويراً أكبر لقواتها المسلحة، مع التركيز على الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، والجاهزية اللوجستية، بما يقلل تدريجياً من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ـ أما داخل حلف NATO، فإن العلاقة بين واشنطن وبرلين ستبقى محورية، لكن طبيعتها مرشحة للتغير. الولايات المتحدة ستواصل الضغط باتجاه تقاسم أكبر للأعباء الدفاعية، سواء عبر زيادة الإنفاق الأوروبي أو عبر إعادة توزيع الأدوار العملياتية داخل الحلف. وفي المقابل، ستسعى ألمانيا إلى الحفاظ على تماسك الناتو، لكنها ستدفع في اتجاه توازن أكبر في اتخاذ القرار، بحيث لا تبقى أوروبا مجرد متلقٍ للاستراتيجية الأميركية، بل شريكاً أكثر تأثيراً في صياغتها.
ـ مجال الانتشار العسكري الأميركي داخل ألمانيا، تشير الاتجاهات العامة إلى احتمال إعادة تموضع تدريجي وليس انسحاباً شاملاً. فالقواعد الأميركية، مثل رامشتاين، ما تزال تمثل عقدة لوجستية لا غنى عنها للعمليات الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. لكن في المقابل، قد تتجه واشنطن إلى تقليص جزئي أو إعادة توزيع بعض الوحدات نحو دول أوروبا الشرقية، خصوصاً بولندا، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز الردع في الجناح الشرقي للناتو.هذا التحول، إن حدث، لن يلغي الدور الألماني، لكنه سيعيد توزيعه داخل الجغرافيا العسكرية الأوروبية.
ـ من المتوقع أن تستمر حالة التذبذب في العلاقات بين برلين وواشنطن، خصوصاً في ظل اختلاف الرؤى بين الإدارات الأميركية المتعاقبة والتيارات السياسية الألمانية. فبينما تميل بعض الإدارات الأميركية إلى نهج أكثر براغماتية يقوم على الضغط وإعادة التفاوض حول الالتزامات، تميل ألمانيا إلى الحفاظ على الاستقرار المؤسسي في العلاقات عبر الأطلسي، حتى في ظل الخلافات.
ـ إن الاتجاه العام في ألمانيا يشير إلى تزايد النقاش حول حدود الاعتماد على الولايات المتحدة، مع بقاء دعم واسع لفكرة الناتو كإطار أمني أساسي. لكن هذا الدعم أصبح مشروطاً أكثر، بمعنى أنه مرتبط بإصلاح التوازنات داخل الحلف وليس برفضه. وفي المقابل، داخل الولايات المتحدة، يتصاعد الجدل حول كلفة الانتشار العسكري في أوروبا، ما يعزز احتمالات إعادة النظر في حجم القوات المتمركزة خارج الأراضي الأميركية على المدى المتوسط.
ـ تتجه العلاقة بين البلدين نحو نموذج شراكة أقل تلقائية وأكثر تفاوضاً. فبدلاً من التحالف القائم على المسلّمات التاريخية، ستصبح العلاقة أكثر ارتباطاً بالمصالح اللحظية والتفاهمات المرحلية، خاصة في ملفات مثل الأمن الأوروبي، الحرب في أوكرانيا، التهديدات السيبرانية، والطاقة.
ـ سوف تشهد العلاقة الأميركية ـ الألمانية تحولاً تدريجياً نحو شراكة أكثر توازناً أكثر من التفكك، فيها قدر أقل من الاعتماد الأحادي على واشنطن، وقدر أكبر من تحمل أوروبا لمسؤولياتها الأمنية فقد تؤدي الخلافات السياسية المتكررة إلى تسريع إعادة توزيع القوات الأميركية داخل أوروبا، ما يفتح الباب أمام إعادة هندسة جزئية للوجود العسكري الأميركي في القارة.
ـ لن يٌحسم بعد مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وألمانيا داخل إطار الأمن والدفاع والناتو وسوف يتشكل عبر مسار طويل من التكيف المتبادل. لا تزال واشنطن ترى في أوروبا شريكاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، وألمانيا لا تزال ترى في الولايات المتحدة ضمانة أمنية أساسية، لكن كليهما يتجه نحو إعادة تعريف هذا الاعتماد بطريقة أكثر توازناً وأقل تلقائية من الماضي.
ـ أن شخصية دونالد ترامب وسياساته تجاه ألمانيا خاصة في ملفات الإنفاق الدفاعي والوجود العسكري في القواعد الأميركية سرّعت من نقاش أوروبي داخلي كان قائماً أصلاً حول الاستقلال الاستراتيجي. فبينما ترى واشنطن أن أوروبا يجب أن تتحمل عبئاً أكبر داخل الناتو، ترى برلين أن التوازن الحالي يهدد استقرار التحالف إذا تم فرضه بشكل أحادي.
أن ما يحدث لا يمثل أزمة مؤقتة، بل إعادة ضبط طويلة الأمد للعلاقة عبر الأطلسي، قد تنتج عنها ثلاثة مسارات محتملة: إما استمرار التحالف مع توزيع أدوار جديد، أو تزايد الاستقلال الأوروبي تدريجياً، أو بقاء التوتر السياسي مع استمرار التعاون الأمني كحد أدنى. أن العلاقة بين ألمانيا وإدارة ترامب تمثل نقطة تحول في تاريخ الناتو نفسه، حيث لم يعد السؤال يدور حول قوة التحالف، بل حول شكله المستقبلي وحدود الاعتماد المتبادل بين ضفتي الأطلسي.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
