رجب أبو سرية_قاص من فلسطين
– قهوة سادة من فضلك
يتأمل العم أبو صالح البخار المتصاعد ، قبل أن يلقّم الإناء بملعقة القهوة، وتدور به الأيام ، التي تتالت دون أن يقوَ على فهم ما رافقها من تطورات، كان يمكن أن تبقى طيّ القدر، لولا أن طال به العمر صدفة ، وأخطأتة أكثر من قذيفه ، وطاشت عنه غير مرّة رصاصات القنص ، حين كانت الدنيا ، ليست أكثر من ساحة قتال ، وليست سوى مغامرة ، لا أحد يدري ما ستؤول اليه بعد يوم ، ولا حتى بعد ساعة.
القدر وحده…كان سيداً ، يتحكم بكل شئ ، ليس بأعمارنا فقط ، وإنما أيضاً بصداقتنا ورفقتنا …كانت الأيام لحظات متصلّة من الوقت عديم المعنى ، لكن الأمر لم يخلُ دائماً من نزوهٍ عابره ، أو متعةٍ ما كان أحد يضمن أن لا تنتهي بفاجعة…
رغم ذلك كنا … نتقاسم السيجارة واللقمة والحياة … ، فالخندق الذي كان يجمعنا وقت الإشتباك كان يحتمل خياراً واحداً فقط من اثنين لا ثالث لهما : أن يكون قبراً …أو ملاذاً للسلامة…
كنا جميعاً أخوة … وكنا جميعاً أصدقاء ، أما هذا – يا للقدر- فكان أكثرهم رفقه لي
– أبا صالح هيا بنا!
ثم نسهر الليل بطوله
أبا صالح هل تبقى لديك شئ من نقود؟
ويفتش جيوبك واحداً واحداً
أخي حمداً لله على سلامتك …على سلامتنا.
وبالمناسبة تحتفلان معاً ، حتى مطلع الفجر…يتوسط فنجان القهوة الصينية الفضيّة ، فيما الأصابع ترتعش بفعل إرهاصةٍ داخلية تفجّرت فجأة ، حين فرّت من العين اليسرى ، التي طالما أغلقها صاحبها لحظة التصويب ، دمعةُ أسى…
– آهٍ أيها السيد ، ماذا فعل القدر بنا؟
تقدم الساعي من السيّد المدير العام خطوة إثر أخرى ، كان يتحدث بالهاتف والسيجار الفاخر في فمه، فيما كان رفيق الأيام التي مضت ، يؤدي مهمته بصمت ، ويحرص على أن لا ترتعش يدُه وهو يضع فنجان القهوة برفقٍ على الطاوله ، ثم يمضي بخاطره:
– تقاسمناه حلماً …ثم واقعاً ،ولكن على أساس القليل …القليل من المساواة….
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
