شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تكشف أحدث المعطيات التي نشرها موقع rtbf والمتعلقة بالتنقل في منطقة والونيا جنوب بلجيكا أن السيارة الخاصة ما زالت الوسيلة المفضلة لدى غالبية السكان، رغم الاستثمارات المتزايدة في النقل العام وتشجيع استخدام الدراجات والتنقل المستدام. ويطرح هذا الواقع تساؤلات مهمة حول قدرة السلطات على تغيير عادات التنقل في منطقة تتميز بطبيعتها الريفية واتساع مساحتها مقارنة بمناطق أخرى في البلاد.
ووفق الأرقام الرسمية، يعتمد نحو سبعة من كل عشرة سكان في والونيا على السيارة كوسيلة رئيسية للتنقل اليومي، بينما لا تتجاوز نسبة مستخدمي وسائل النقل العام 10%، في حين لا يستخدم الدراجة الهوائية سوى 3% من السكان بشكل أساسي.
اختلاف جغرافي بين والونيا وفلاندرز
يرى وزير التنقل في والونيا، فرانسوا ديسكين، أن مقارنة معدلات استخدام السيارة بين والونيا وفلاندرز لا تعكس الواقع بشكل كامل، نظراً للاختلاف الكبير في البنية الجغرافية والعمرانية بين المنطقتين.
ففي حين تتميز فلاندرز بكثافة سكانية أعلى وشبكات نقل أكثر ترابطاً، تضم والونيا مساحات واسعة ومناطق ريفية متفرقة، ما يجعل السيارة في كثير من الأحيان الوسيلة الوحيدة العملية للوصول إلى أماكن العمل أو الدراسة أو الخدمات الأساسية.
ويؤكد الوزير أن التحدي لا يتعلق فقط بإقناع المواطنين بالتخلي عن سياراتهم، بل بإيجاد بدائل حقيقية وفعالة تتيح لهم التنقل بسهولة وبتكلفة معقولة.
التمدد العمراني يزيد أزمة التنقل
أحد أبرز التحديات التي تواجهها والونيا يتمثل في التمدد العمراني وانتشار المساكن والخدمات على مساحات واسعة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الاعتماد على السيارة الخاصة.
وترى الحكومة الإقليمية أن تشجيع تطوير المراكز الحضرية والقرى بشكل أكثر تنظيماً يمكن أن يساهم في تقليل الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة يومياً. كما أن تقليص التوسع العمراني غير المنظم من شأنه أن يخفض تكاليف البنية التحتية ويجعل خدمات النقل العام أكثر كفاءة وربحية.
ويعتبر خبراء التخطيط الحضري أن تحسين تنظيم المدن والقرى يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتطوير منظومة التنقل خلال السنوات المقبلة.
النقل العام يحتاج إلى خدمات أفضل لا إلى أسعار أقل فقط
رغم المطالبات المتكررة بجعل وسائل النقل العام مجانية أو شبه مجانية، إلا أن وزير التنقل يرى أن خفض الأسعار وحده لا يكفي لجذب مزيد من الركاب.
فبحسب المسؤولين في والونيا، أظهرت التجارب السابقة أن تخفيض أسعار التذاكر لم يؤدِّ إلى زيادة ملحوظة في عدد مستخدمي الحافلات، بل ساهم في تقليص الموارد المالية المتاحة لشركة النقل العام TEC، ما أثر على قدرتها في توسيع الشبكة وتحسين وتيرة الرحلات.
لذلك تركز السلطات حالياً على تحسين جودة الخدمة نفسها من خلال زيادة عدد الخطوط، وتوسيع ساعات العمل، وتعزيز الالتزام بالمواعيد، وهي عوامل يعتبرها المواطنون أكثر أهمية من السعر في كثير من الحالات.
الدراجات الهوائية بحاجة إلى بنية تحتية آمنة
تشجع السلطات في بلجيكا بشكل متزايد استخدام الدراجات الهوائية كوسيلة نقل صديقة للبيئة، إلا أن انتشارها في والونيا ما زال محدوداً مقارنة ببعض المدن الأوروبية الأخرى.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها نقص المسارات الآمنة للدراجات في العديد من المناطق، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية لبعض المدن والقرى. ومع ذلك، ساهم انتشار الدراجات الكهربائية خلال السنوات الأخيرة في جعل التنقل بالدراجة أكثر سهولة لمسافات أطول، ما قد يفتح المجال أمام زيادة استخدامها مستقبلاً.
مشاركة السيارات خيار واعد لتقليل الازدحام
تسعى الحكومة أيضاً إلى تشجيع ثقافة مشاركة السيارات بين المواطنين، خاصة في الرحلات اليومية إلى المدارس وأماكن العمل.
وتشير السلطات إلى أن ظاهرة قيادة السيارة من قبل شخص واحد فقط تفرض أعباء مالية وبيئية كبيرة على المجتمع، وتزيد من الازدحام المروري واستهلاك الوقود.
ولهذا السبب يجري تطوير مواقف مخصصة لمشاركة السيارات في عدة مناطق استراتيجية داخل بلجيكا، بما في ذلك مداخل ومخارج المدن الكبرى، بهدف تسهيل تنسيق الرحلات المشتركة بين السائقين.
ماذا عن السيارات الوظيفية؟
أثارت السيارات الوظيفية، التي يحصل عليها العديد من الموظفين في بلجيكا كميزة إضافية ضمن عقود العمل، نقاشاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة بسبب تأثيرها على حركة المرور والانبعاثات.
إلا أن وزير التنقل لا يؤيد سحب هذه الميزة من الموظفين الذين يستفيدون منها حالياً، معتبراً أن ذلك سيشكل تغييراً مفاجئاً وغير عادل في القواعد المعمول بها.
في المقابل، يلاحظ تزايد الاهتمام بما يعرف بـ”شيك التنقل”، وهو نظام يمنح الموظف حرية اختيار وسائل تنقل مختلفة بدلاً من السيارة الوظيفية التقليدية، وهو خيار يلقى قبولاً متزايداً خصوصاً بين الأجيال الشابة وسكان المدن.
خطة جديدة للتنقل حتى عام 2050
كانت حكومة والونيا قد أطلقت في عام 2017 خطة FAST 2030 الهادفة إلى إحداث تحول كبير في قطاع التنقل والنقل بحلول عام 2030، من خلال تعزيز النقل العام والتنقل النشط ونقل جزء من حركة البضائع إلى السكك الحديدية والممرات المائية.
واليوم تعمل السلطات على تحديث هذه الرؤية لتشمل آفاقاً تمتد حتى عامي 2040 و2050، مع الأخذ في الاعتبار التطورات التكنولوجية السريعة التي يشهدها القطاع.
ومن بين المشاريع المستقبلية التي تثير الاهتمام إدخال المركبات والحافلات ذاتية القيادة ضمن شبكة النقل العام. وتشير الخطط الحالية إلى إمكانية إطلاق مشاريع تجريبية لحافلات ذاتية القيادة تابعة لشركة TEC ابتداءً من عام 2028، ما قد يمثل خطوة مهمة نحو مستقبل أكثر ذكاءً واستدامة في مجال التنقل.
مستقبل التنقل في والونيا بين الواقع والطموح
رغم الجهود الحكومية والاستثمارات المخطط لها، يبقى التحدي الأكبر أمام والونيا هو إيجاد توازن بين الواقع الجغرافي للمنطقة وأهداف التحول نحو وسائل نقل أكثر استدامة. فنجاح هذه الاستراتيجية لن يعتمد فقط على تغيير سلوك المواطنين، بل على توفير بدائل عملية وموثوقة تجعل التخلي عن السيارة خياراً ممكناً ومغرياً للكثيرين.
وكالات
