شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تشهد الساحة السياسية في بروكسل تصاعداً جديداً للتوتر بعد الاتفاق على إنشاء لجنة تحقيق برلمانية للنظر في ملف “فواييه أندرلخت” الخاص بإدارة المساكن الاجتماعية، وهو الملف الذي أثار جدلاً واسعاً خلال الأسابيع الأخيرة وأعاد إلى الواجهة النقاش حول الشفافية وإدارة قطاع السكن الاجتماعي في العاصمة البلجيكية.
ورغم موافقة أحزاب الأغلبية الحكومية على إطلاق التحقيق البرلماني، فإن الحزب الاشتراكي البلجيكي (PS) لا يزال يعارض هذه الخطوة، معتبراً أن الملف أصبح محل تجاذبات سياسية تتجاوز البحث عن الحقيقة، وهو ما عبّر عنه القيادي الاشتراكي ووزير السلطات المحلية في بروكسل أحمد لعوّج، الذي أكد أن حزبه لم يكن مؤيداً لإنشاء لجنة التحقيق منذ البداية.
خلفية القضية: شبهات حول إدارة المساكن الاجتماعية
تعود جذور القضية إلى تحقيق إعلامي بثته القناة الفلمنكية VRT، تضمن اتهامات بوجود ممارسات محسوبية وتفضيل لبعض الأشخاص داخل مؤسسة “فواييه أندرلخت”، وهي شركة إسكان اجتماعي تدير نحو 3800 وحدة سكنية مخصصة للأسر ذات الدخل المحدود في بلدية أندرلخت.
وتركزت الشبهات بشكل خاص حول لطفي مصطفى، رئيس المؤسسة والمسؤول عن ملف السكن في البلدية، حيث تم تداول اتهامات تتعلق بطريقة إدارة بعض الملفات والإجراءات الخاصة بالحصول على السكن الاجتماعي.
وعلى إثر هذه المعطيات، فتح مكتب المدعي العام في بروكسل تحقيقاً قضائياً رسمياً من أجل التحقق من صحة الادعاءات وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات قانونية تستدعي الملاحقة القضائية.
الحزب الاشتراكي يرفض لجنة التحقيق
ورغم التطورات الأخيرة، شدد أحمد لعوّج على أن الحزب الاشتراكي لا يرى مبرراً لإنشاء لجنة تحقيق برلمانية بالتزامن مع وجود تحقيق قضائي جارٍ بالفعل.
وأكد الوزير أن احترام مبدأ قرينة البراءة يجب أن يبقى أساسياً في التعامل مع القضية، معتبراً أن بعض الأطراف السياسية تسعى إلى استغلال الملف سياسياً قبل صدور أي نتائج رسمية تثبت الاتهامات الموجهة للمسؤولين المعنيين.
كما أشار إلى أن لطفي مصطفى كان قد طلب المثول أمام البرلمان لتقديم توضيحاته والدفاع عن نفسه، إلا أن هذا الطلب لم يحظ بالموافقة، الأمر الذي اعتبره الاشتراكيون مؤشراً على رغبة بعض الأحزاب في الذهاب مباشرة نحو لجنة التحقيق بدلاً من الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.
مهلة زمنية قصيرة أمام اللجنة
في حال انطلاق أعمال اللجنة البرلمانية، ستكون أمامها مهمة معقدة خلال فترة زمنية محدودة للغاية. فالموعد النهائي المحدد لإنهاء أعمالها هو 21 يوليو المقبل، ما يمنحها ما بين خمسة وستة أسابيع فقط لعقد جلسات الاستماع، وجمع الشهادات، ودراسة الوثائق، ثم صياغة التوصيات النهائية.
ويرى عدد من المسؤولين السياسيين أن هذه الفترة قد لا تكون كافية للتعامل مع ملف بهذا الحجم والحساسية، خصوصاً أن القضية تشمل مسؤولين سياسيين وإداريين وهيئات رقابية مختلفة.
ومع ذلك، أكدت بعض الأطراف الداعمة للتحقيق أنها قد تطلب تمديد أعمال اللجنة إذا تبين أن الملف يحتاج إلى مزيد من الوقت للوصول إلى نتائج دقيقة وشاملة.
اتهامات بازدواجية المعايير
ومن أبرز النقاط التي أثارت الجدل في تصريحات أحمد لعوّج اتهامه لبعض الأحزاب السياسية بتطبيق معايير مختلفة حسب طبيعة الملفات والأشخاص المعنيين بها.
وأشار إلى أن ملفات أخرى على المستوى الفيدرالي شهدت مطالب مماثلة بإنشاء لجان تحقيق برلمانية، لكنها لم تحصل على الدعم السياسي نفسه، ما يطرح تساؤلات حول دوافع التحركات الحالية المتعلقة بملف أندرلخت.
ويرى لعوّج أن بعض القضايا الكبرى التي شغلت الرأي العام لم تؤدِّ إلى تشكيل لجان تحقيق مشابهة، رغم خطورتها السياسية والإدارية، الأمر الذي يعزز، بحسب رأيه، فرضية وجود تعامل انتقائي مع الملفات المثيرة للجدل.
هل تهدد القضية استقرار حكومة بروكسل؟
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الأغلبية الحكومية في بروكسل تحديات سياسية متزايدة، بعد أشهر من الخلافات والمفاوضات المعقدة بين مكوناتها.
ويرى مراقبون أن ملف “فواييه أندرلخت” تحول من قضية مرتبطة بإدارة السكن الاجتماعي إلى اختبار سياسي حقيقي لقدرة أحزاب الأغلبية على الحفاظ على تماسكها، خصوصاً في ظل الاتهامات المتبادلة بين الشركاء الحكوميين.
كما يخشى الحزب الاشتراكي أن يتحول التحقيق إلى منصة لإعادة فتح النقاش حول مستقبل السكن الاجتماعي في بروكسل، وهو القطاع الذي يعتبره أحد أهم ركائز السياسة الاجتماعية في العاصمة.
السكن الاجتماعي في بروكسل تحت المجهر
تعاني بروكسل منذ سنوات من ضغط متزايد على قطاع السكن الاجتماعي نتيجة ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وازدياد أعداد الأسر المحتاجة إلى مساكن مدعومة.
وتنتظر آلاف العائلات حالياً دورها في قوائم الانتظار للحصول على سكن اجتماعي، ما يجعل أي شبهات أو أزمات إدارية داخل مؤسسات الإسكان قضية ذات حساسية كبيرة بالنسبة للرأي العام وصناع القرار على حد سواء.
ومع انطلاق لجنة التحقيق المرتقبة واستمرار التحقيق القضائي بالتوازي، تبقى الأنظار موجهة نحو النتائج التي قد تكشفها الأسابيع المقبلة، والتي قد يكون لها تأثير مباشر على مستقبل إدارة السكن الاجتماعي وعلى التوازنات السياسية داخل حكومة بروكسل.
وكالات
