شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تثير خطة الإصلاح الجديدة التي طرحها وزير الصحة والشؤون الاجتماعية البلجيكي فرانك فاندنبروك نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والصحية في بلجيكا، بعدما اقترح فرض قيود إضافية على الأنشطة التجارية التي تمارسها صناديق التأمين الصحي (Mutualités).
ويهدف المشروع، بحسب الحكومة، إلى إعادة تركيز دور هذه المؤسسات على مهامها الأساسية المرتبطة بالتأمين الصحي والوقاية الصحية ومرافقة المرضى، إلا أن المنتقدين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تقليص هامش الحرية الذي تتمتع به الصناديق حالياً، وربما تطرح تساؤلات قانونية مرتبطة بحرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية التي يكفلها القانون الأوروبي.
ما الذي يتضمنه مشروع الإصلاح الجديد؟
قدم وزير الصحة فرانك فاندنبروك في منتصف شهر مايو ما وصفه بـ”ميثاق إصلاح صناديق التأمين الصحي”، وهو مشروع واسع النطاق يهدف إلى تشديد الرقابة على الأنشطة والمصاريف التي تقوم بها هذه المؤسسات.
وبموجب المقترحات الجديدة، لن تتمكن صناديق التأمين الصحي من تقديم مزايا إضافية لأعضائها إلا إذا أثبتت أن هذه الخدمات مرتبطة بشكل مباشر بالصحة أو الرفاهية العامة. ويعني ذلك استبعاد المبادرات ذات الطابع التجاري البحت والتي لا ترتبط بشكل واضح بتحسين صحة المنتسبين.
كما تتجه الحكومة إلى إنهاء مشاركة بعض الصناديق في أنشطة استثمارية أو تجارية تحقق أرباحاً، مثل المساهمة في سلاسل متاجر النظارات أو منصات الصيدليات الإلكترونية.
جدل حول العلاجات البديلة
من بين أكثر النقاط إثارة للجدل في المشروع المقترح، رغبة الوزير في إنهاء تعويضات بعض العلاجات البديلة مثل المعالجة المثلية (Homeopathy) والوخز بالإبر (Acupuncture).
ويبرر الوزير هذا التوجه بغياب الأدلة العلمية الكافية التي تثبت وجود تأثير صحي فعلي لهذه الممارسات، وهو موقف أثار انتقادات واعتراضات من جانب عدد من صناديق التأمين الصحي التي تعتبر أن هذه الخدمات تلقى طلباً من بعض المنتسبين.
صناديق التأمين الصحي بين الدور الاجتماعي والنشاط الاقتصادي
تتمتع صناديق التأمين الصحي في بلجيكا بوضعية خاصة تجعلها مختلفة عن شركات التأمين التقليدية. فهي من جهة تدير جزءاً من نظام التأمين الصحي الإلزامي الممول عبر اشتراكات الضمان الاجتماعي والدولة، ومن جهة أخرى تقدم خدمات ومزايا إضافية يتم تمويلها من اشتراكات أعضائها.
ويضم النظام البلجيكي حالياً 21 صندوق تأمين صحي تابعاً لخمس اتحادات وطنية كبرى، ما يجعل هذه المؤسسات لاعباً رئيسياً في منظومة الرعاية الصحية والاجتماعية في البلاد.
هذا النموذج المزدوج كان محل نقاش سياسي منذ سنوات، خصوصاً لدى بعض الأحزاب التي تدعو إلى حصر دور الصناديق في إدارة التأمين الصحي فقط، بينما ترى جهات أخرى أن دورها الاجتماعي يتجاوز مجرد التعويض عن النفقات الطبية.
هل تتعارض الإصلاحات مع حرية ممارسة النشاط الاقتصادي؟
أحد أبرز الأسئلة المطروحة حالياً يتمثل في ما إذا كانت القيود الجديدة قد تتعارض مع مبدأ حرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية المنصوص عليه في القوانين الأوروبية.
ويشير خبراء القانون الاقتصادي إلى أن حرية المبادرة الاقتصادية ليست حقاً مطلقاً، إذ يمكن للدولة فرض شروط أو قيود عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تتمتع باعتراف رسمي وتؤدي مهاماً ذات منفعة عامة.
وبحسب مختصين في القانون الأوروبي، فإن السلطات العامة تستطيع فرض حدود على بعض الأنشطة التجارية إذا كانت هذه القيود مبررة وضرورية ومتناسبة مع الهدف المراد تحقيقه، وهو ما سيشكل أحد المحاور الأساسية للنقاش القانوني حول مشروع الإصلاح.
موقف صناديق التأمين الصحي
من جانبها، تؤكد صناديق التأمين الصحي أنها لا ترفض فكرة تحديث الإطار القانوني المنظم لعملها، لكنها تدعو إلى الحفاظ على التوازن بين الرقابة الحكومية والاستقلالية التشغيلية.
وترى هذه المؤسسات أن حرية تطوير خدمات جديدة وتجربة حلول مبتكرة تشكل أحد عناصر القوة في النظام الحالي، وتساعدها على الاستجابة لاحتياجات فئات مختلفة من المواطنين.
كما تؤكد أن دورها لا يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل يشمل مكافحة التفاوت الاجتماعي، وتسهيل الوصول إلى الحقوق الاجتماعية، ومرافقة الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
مخاوف من فقدان التنوع بين الصناديق
يحذر بعض الخبراء الاقتصاديين من أن توحيد قواعد العمل بشكل مفرط قد يؤدي إلى تقليص التنوع الموجود حالياً بين صناديق التأمين الصحي.
فبعض الصناديق تعتمد سياسات تركز على إزالة الحواجز المالية أمام المرضى عبر تعويضات إضافية، بينما تفضل مؤسسات أخرى الاستثمار في خدمات دعم ومرافقة مختلفة.
ويرى هؤلاء أن هذا التنوع يسمح لكل صندوق بتكييف خدماته مع احتياجات المنتسبين إليه، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الصحة العامة ويحد من النفقات الطبية طويلة المدى.
مفاوضات حاسمة في انتظار القطاع
من المنتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة سلسلة من الاجتماعات والمفاوضات بين ممثلي صناديق التأمين الصحي ووزارة الصحة من أجل مناقشة تفاصيل المشروع وتحديد الصيغة النهائية للإصلاحات المقترحة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن الهدف الأساسي هو توجيه الموارد بشكل أكبر نحو الخدمات الصحية والوقائية، تتمسك الصناديق بضرورة الحفاظ على هامش من الحرية يسمح لها بالابتكار وتطوير خدمات جديدة لصالح أعضائها.
وبين متطلبات المصلحة العامة واعتبارات الحرية الاقتصادية، يبدو أن مستقبل نموذج صناديق التأمين الصحي في بلجيكا سيدخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدود دور هذه المؤسسات داخل النظام الصحي البلجيكي.
وكالات
