شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يرصد تحقيق “عربي بوست” مسار تهريب للنفط الإيراني عبر الإمارات وصل إلى الحوثيين في اليمن، متتبعاً خيطاً بدأ بضبط الهند لثلاث ناقلات نفط تبين أنها مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، ليكشف من خلال تتبعها بصور الأقمار الصناعية والوثائق والبيانات الملاحية، تفاصيل عن شبكة أوسع لهذا النشاط المستمر حتى بعد الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026.
اعتمد التحقيق على تحليل بيانات تتبع السفن خلال فترة زمنية تمتد من مارس/آذار 2023 حتى أبريل/نيسان 2026، بالاستناد إلى إشارات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS)، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، وبيانات الغاطس، إلى جانب مراجعة سجلات الملكية والبيانات التجارية المرتبطة بالناقلات.
في السابع من فبراير/شباط 2026، أوقفت الهند ثلاث سفن مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، وُجّهت إليها شبهات التورط في تهريب النفط الإيراني. ما بدا في ظاهره عملية ضبط روتينية، سرعان ما تحول إلى نقطة انطلاق لمسار تتبع أوسع، قاد إلى ما هو أبعد من مجرد ثلاث سفن معزولة.
انطلق تحقيق “عربي بوست” من تتبع بيانات حركة الناقلات الثلاث عبر أنظمة AIS، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، ما كشف أنماطًا غير اعتيادية في مساراتها وسلوكها التشغيلي، تشير إلى استخدام أساليب لإخفاء عمليات نقل النفط، وتدعم فرضية وجود شبكة منظمة تعمل خارج الأطر التقليدية.
ومع توسيع نطاق التحليل، قادت مراجعة سجلات الملكية والبيانات التجارية إلى كشف شبكة أوسع من السفن والشركات المرتبطة بكيانات تتخذ من الإمارات مقرًا لها، رغم اختلاف الأعلام والأسماء. ويُظهر التداخل بين الملكية المسجلة والفعلية بنية تشغيلية تعتمد على تغيير الأسماء والأعلام واستخدام شركات واجهة لتقليل قابلية التتبع.
الناقلة “Asphalt Star”، الحاملة للرقم البحري الدولي “IMO: 9463528″، ترفع علم دولة مالي ومسجلة في دولة بنما، لكن مراجعة بيانات الملكية على منصة “MarineTraffic” تُظهر أن المالك المستفيد هو شركة “GLORY INTERNATIONAL FZLLC” ومقرها رأس الخيمة في الإمارات.
كما تُظهر السجلات أن المالك المسجل للسفينة هو شركة “GLOBAL STAR SHIPPING LINES INC”، ويقع مقرها أيضًا في رأس الخيمة. ويظهر في سجل السفينة أنها بدلت اسمها أربع مرات خلال الفترة ما بين 2023 و2026، وهو مؤشر شائع في أساطيل الظل التي تسعى إلى إعادة تعريف هويتها الملاحية باستمرار.
السفينة الثانية “Stellar Ruby”، الحاملة للرقم البحري “IMO: 9555199″، لا تختلف كثيرًا عن سابقتها، فهي ترفع العلم الإيراني، لكن بيانات الملكية تُظهر أن المالك المستفيد هو الشركة ذاتها، “GLORY INTERNATIONAL FZLLC”، في حين تعود الملكية المسجلة لشركة “ROYAL PRINCESS SHIPPING INC”.
كما تشير البيانات إلى أن شركة ELITE SHIPPING & TRADING FZC تتولى دور المالك التجاري والمدير التقني للسفينة، مع ملاحظة أن جميع هذه الكيانات مسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
أما السفينة الثالثة “Chiltern” المعروفة أيضًا باسم “Al Jafzia”، والحاملة للرقم البحري الدولي “IMO: 9171498″، ترفع علم دولة نيكاراغوا، لكن بيانات الملكية تؤكد مرة أخرى أن المالك المستفيد هو شركة “GLORY INTERNATIONAL” أيضًا.
وتظهر السجلات أن المالك المسجل هو شركة “CHIL 1 SHIPPING LINES INC”، بينما المدير التجاري والمشغل هما شركة “MILLENNIUM SHIPS MANAGEMENT & OPERATION FZE”، وجميع هذه المؤسسات تتخذ من الإمارات مقرًا لها.
هذا التشابه الكبير بين الناقلات الثلاث لا يتعلق فقط بالاسم أو العلم أو نوعية العقوبات، بل يكشف عن بنية ملكية متماثلة، تتخذ من الإمارات قاعدة تشغيلية وتجارية، وتستخدم تعدد الأعلام وتغيُّر الأسماء وتوزيع الملكيات المسجلة بين أكثر من شركة لتقليل قابلية التتبع.
وهو ما يدفع إلى الاستنتاج بأن التحقيق لا يتعلق بثلاث ناقلات منفصلة بقدر ما يتعلق بشبكة واحدة، تتوزع واجهاتها القانونية والإدارية بين شركات مختلفة لكنها تعمل ضمن منظومة مصالح واحدة.
تفكيك أنماط التلاعب في شبكة نقل النفط
قبل الغوص في تفاصيل المسارات البحرية لهذه الناقلات، لا تكشف البيانات عن تحركات عشوائية أو مخالفات منفصلة، بل عن سلوك متكرر يتبع منطقًا واحدًا: إخفاء مصدر النفط ومسار نقله وإعادة تدويره داخل شبكة معقدة. فالتدقيق في إشارات التتبع، وبيانات الغاطس، وصور الأقمار الصناعية، لا يُظهر فقط ما حدث، بل يكشف كيف تم ذلك عبر مجموعة من الأساليب التقنية المتداخلة.
النقل من سفينة إلى سفينة في عرض البحر
قبل أن تتحرك الناقلة Chiltern نحو الساحل الغربي للهند حيث أوقفها خفر السواحل الهندي، لم تكن رحلتها خطًا ملاحيًا عاديًا، بل سبقتها واحدة من أكثر الإشارات وضوحًا على الانخراط في شبكة نقل نفط خاضعة للعقوبات: عملية نقل مباشر في عرض البحر.
ففي 29 ديسمبر 2025، وبالعودة إلى بيانات التتبع الملاحية على منصة MarineTraffic، رُصدت تحركات غير اعتيادية قبالة ميناء خورفكان في الإمارات. أظهرت البيانات اقتراب السفينة Global Dominance (رقم IMO: 9672301) من الناقلة Chiltern حتى تقلصت المسافة بينهما إلى 17 مترًا فقط، وهو اقتراب لا يحدث في الملاحة الطبيعية إلا في سياق عمليات منسقة.
في الساعة 03:43 بالتوقيت العالمي، سجّل النظام بداية عملية نقل سوائل بين السفينتين، بينما كانتا تتحركان في الاتجاه نفسه وبسرعة منخفضة متطابقة تقريبًا. هذا النمط — الاقتران الحركي المتزامن مع المسافة الضيقة — يُعد من المؤشرات التقنية المعتمدة في تحليل OSINT البحري على حدوث عملية نقل نفطي مباشر بين سفينتين.
استمرت العملية نحو ثلاث ساعات كاملة، حتى الساعة 06:28، قبل أن تنفصل السفينتان، كلٌ في مساره.
هذا النوع من العمليات، المعروف باسم Ship-to-Ship Transfer (STS)، يُستخدم بشكل واسع داخل ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، إذ يسمح بنقل النفط دون المرور عبر الموانئ، وبالتالي دون تسجيل رسمي أو خضوع لرقابة جمركية.
اللافت أن السفينة Global Dominance نفسها مدرجة على قوائس العقوبات الأمريكية بتهمة نقل النفط الإيراني، ما يربط العملية بسياق أوسع يتجاوز مجرد حادثة منفردة، ليضعها ضمن شبكة منظمة.
تبين أن سفينة Global Dominance هي الأخرى مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية.
ولا يقتصر نمط STS على هذه الواقعة. ففي حالة الناقلة Asphalt Star (Glory Star 1)، يظهر النمط نفسه لكن بصيغة أكثر تعقيدًا تعتمد على تعدد الوسطاء.
خلال توقفها قبالة خورفكان في أكتوبر 2023، رُصد اقتراب قارب يُدعى Baraka 1 منها، حيث التصق بها وتوقف بمحاذاتها، دون الكشف عن رقمه البحري، ثم غادر. وتكرر هذا السلوك ثلاث مرات. بعد ذلك، سلكت السفينة Anastasiia 11 (IMO: 9188192) المسار نفسه، مقتربة من الناقلة ومتوقفة بمحاذاتها.
أظهر تتبعنا لـ Baraka 1 و Anastasiia 11 عن رسو متكرر في ميناء خورفكان قبل أن ينطلقا لملاقاة الناقلة.
تتبع حركة هاتين السفينتين أظهر أنهما كانتا ترسيان مرارًا في ميناء خورفكان قبل التوجه إلى موقع الناقلة، ما يشير إلى نموذج “النقل المرحلي”، حيث يتم نقل النفط على دفعات صغيرة من الميناء إلى الناقلة الرئيسية.
ولتأكيد هذا النمط بصريًا، تمت مراجعة صور الأقمار الصناعية للمنطقة، حيث أظهرت صورة بتاريخ 25 أكتوبر سفينتين راسيتين جنبًا إلى جنب على بعد 5 كيلومترات فقط من الميناء.
بمقارنة بيانات Chiltern مع إشارات AIS المسجّلة على منصة MarineTraffic للسفن المجاورة، جاء توزيعها مطابقاً لما تُظهره صور الأقمار الصناعية.
بمطابقة صور القمر الصناعي مع بيانات MarineTraffic للموقع ذاته في التاريخ نفسه تبين أن السفينتين اللتين رصدناهما متلاصقتين كانتا ASHLEY و ELOISE.
وعند مطابقة الصورة مع بيانات MarineTraffic في التوقيت نفسه، تبيّن أن السفينتين هما ASHLEY (9258466) وELOISE (9233234)، والأخيرة مدرجة ضمن برنامج العقوبات الأمريكية IRAN-EO13846، وترفع علم الغابون، ومرتبطة بشركة VROOM MARINE VENTURE FZE المسجلة في الإمارات.
أظهر البحث عن السفينة ELOISE أنها مدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية.
وبتوسيع نطاق التحليل، أظهرت بيانات الملاحة وجود كثافة غير طبيعية للسفن في النقطة نفسها، مع مسارات متقاطعة بشكل متكرر بين الميناء وهذه السفن، ما يشير إلى أن هذه المنطقة قبالة خورفكان تحولت إلى محطة تحميل بحرية غير رسمية.
راجعنا حركة الملاحة في المنطقة حيث ظهر حشد كبير من السفن وعدد كبير من المسارات المتقاطعة.
عربي بوست
