أقرّ البرلمان البلجيكي، مساء الخميس الماضي، حزمة إجراءات مالية مثيرة للجدل، في مقدّمتها نظام “السنتيم إنديكس” الذي يُقيّد الزيادات الآلية في الأجور والمعاشات اعتباراً من الأول من يونيو 2026. وجاء التصويت بعد شهور من السجال السياسي المتواصل، وسط معارضة نقابية واسعة ومظاهرات ضمّت عشرات الآلاف في بروكسل خلال مارس الماضي.
بموجب النظام الجديد، تُطبَّق الزيادة المرتبطة بمؤشر الأسعار كاملةً على الجزء الأول من الراتب حتى 4,000 يورو إجمالياً فقط، فيما يتوقف الزيادة تماماً على كل ما يتجاوز هذا الحد. ويُقدَّر عدد المتأثرين بنحو 40% من العمال البلجيكيين. وينطبق إجراء مشابه على المعاشات والمنح الاجتماعية بسقف 2,000 يورو. وتمتد موجة الإصلاح إلى نظام التقاعد، إذ يُعاقب على التقاعد المبكر دون سجل مهني كافٍ.
دافع رئيس الوزراء بارت دي فيفر عن الحزمة باعتبارها ضرورة مالية لتقليص العجز الذي تجاوز 5% من الناتج المحلي، مستهدفاً تراجعه إلى دون 3% بحلول 2029 وفق متطلبات إجراءات العجز الأوروبية المفرط. غير أن النقابات الكبرى ACV وCSC وFGTB رفضت وصف الإصلاح بـ”الميزانية المناهضة للعدالة الاجتماعية”، داعيةً إلى إضرابات منسّقة.
تكشف هذه الأزمة عن تناقض بنيوي في النموذج الاجتماعي البلجيكي: الحكومة محاصرة بين الضغط الأوروبي للتقشف والضغط الداخلي لصون مكتسبات العمل. وإذا تصاعدت الإضرابات، قد يجد دي فيفر نفسه أمام أزمة حوكمة تهدد استقرار التحالف الخماسي “أريزونا”.
أسفر إضراب مفاجئ شنّه مراقبو الملاحة الجوية في هيئة “سكايز” البلجيكية يوم 3 يونيو 2026 عن تعطّل حركة الطيران في الأجواء البلجيكية لساعات طويلة، ما أدى إلى تأخير أو إلغاء أو تحويل 6,793 رحلة عبر أربع عشرة دولة أوروبية، في أشد اضطراب واحد يشهده قطاع المراقبة الجوية في القارة خلال العام الجاري.
توقف الإضراب بعد اتفاق سريع مع الإدارة، إلا أن تداعياته امتدت إلى 4 و5 يونيو، مع بقاء طائرات وطواقم في غير مواقعها المعتادة وازدحام إضافي في مطاري بروكسل وشارلروا. وتضمّنت أكثر الرحلات تضرراً تلك التابعة لـeasyJet وRyanair.
بموجب اللائحة الأوروبية EU261/2004، يحق للمسافرين المتضررين المطالبة بتعويضات تتراوح بين 250 و600 يورو، رغم صعوبة تطبيقها في حالات “القوة القاهرة”. وقد أعرب البرلمان الأوروبي عن قلقه حيال تكرار هذه الأنماط، مطالباً بمراجعة آليات خدمات الملاحة الجوية المدنية الأوروبية.
يكشف الحادث عن هشاشة بنيوية في منظومة الفضاء الجوي الأوروبي الموحّد، إذ لا تزال الدول الأعضاء تدير هيئاتها الوطنية بصورة شبه مستقلة. ويُرجَّح أن يُضاف هذا الملف إلى أجندة مجلس النقل الأوروبي، مدفوعاً بضغط اقتصادي متصاعد من شركات الطيران منخفضة التكلفة.
أعلنت مدينة بروكسل خطة أمنية مشددة تزامناً مع استضافة قمة المجلس الأوروبي يومَي 18 و19 يونيو 2026، تشمل إقامة نطاق أمني مغلق حول مبنى مجلس الاتحاد الأوروبي في شارع لارو دو لا لوا. ولن يُسمح بالعبور إلا لحاملي تصاريح رسمية مُسبقة أو لسكان المنطقة والعاملين فيها.
تشمل الإجراءات حظر وقوف السيارات في عدة شوارع محيطة بمنطقة شومان وكورتنبرغ، وتحويل مسارات حركة المرور المحلي. ويمكن لأصحاب العلاقة طلب التصاريح عبر موقع polbru.be. وستُنسّق شرطة بروكسل مع الدرك الفيدرالي للتحكم بالمداخل طوال يومَي الذروة.
تأتي هذه القمة في سياق جيوسياسي بالغ الحساسية، إذ سيتداول قادة الـ27 ملفات كبرى: التعامل مع أزمة مضيق هرمز، وتوجهات الاتحاد في مواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية، فضلاً عن استعراض نتائج دخول ميثاق الهجرة حيز التطبيق الرسمي في 12 يونيو.
يمثّل التحكم الأمني البروكسيلي دائماً معادلة دقيقة بين المتطلبات الدبلوماسية الأوروبية وحق السكان والعمال في التنقل. وما فتئت منظمات المجتمع المدني تُطالب بشفافية أكبر في تبرير الحواجز الأمنية التي تحوّل قلب العاصمة الأوروبية إلى منطقة مقيّدة بصورة دورية.
دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيّز التطبيق الفعلي في جميع الدول الأعضاء الـ27 اعتباراً من 12 يونيو 2026، بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي أعقبت إقراره بالبرلمان الأوروبي في أبريل 2024 ومصادقة المجلس عليه في مايو من العام ذاته. وتُعدّ المفوضية الأوروبية هذا اليوم تحولاً تاريخياً نحو منظومة موحّدة لإدارة الحدود واللجوء.
يرتكز الميثاق على عدة ركائز: حماية الحدود الخارجية عبر نظام المراقبة التكنولوجي المتطور وتطبيق نظام الدخول والخروج (EES)، وإجراءات تسجيل فورية عند الحدود لكل وافد غير نظامي، ومسارات معالجة سريعة لطالبي اللجوء. كما أرسى آلية تضامن إلزامية بين الدول الأعضاء لتوزيع العبء.
أفادت المفوضية بأن عدد العبورات غير النظامية انخفض بنسبة 55% خلال عامَين. في المقابل، أبدت منظمات حقوق الإنسان قلقها من تصاعد عمليات الردّ على الحدود، وغياب ضمانات كافية لحماية الفئات الهشة، لا سيما القاصرين غير المصحوبين.
يُجسّد هذا الميثاق انتصاراً سياسياً لمنطق “السيطرة مع التضامن”، غير أن تطبيقه الميداني سيكشف جديّة الالتزامات. وتبقى بلجيكا وهولندا واليونان في دائرة الرقابة بوصفها دولاً ذات ضغط هجراتي مرتفع، وسيكون أداؤها خلال الأشهر الستة الأولى محكاً حقيقياً لمصداقية الميثاق.
تنطلق قمة مجموعة الدول الصناعية السبع في مدينة إيفيان-ليبان الفرنسية بين 15 و17 يونيو 2026. وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشاركته في القمة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها “غير مضمونة سلفاً” في ضوء توتراته المتكررة مع الحلفاء الأوروبيين، إذ يُرجَّح أن يصل في خضم احتقان متعلق بأزمة هرمز.
تتصدر أجندة القمة ثلاثة ملفات كبرى: الموقف من أزمة مضيق هرمز واستمرار تداعياتها على أسواق الطاقة العالمية، وإدارة حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترامب بنسبة 10% على واردات الحلفاء، وملف الذكاء الاصطناعي حيث تمتلك الولايات المتحدة 79% من التمويل الجديد لشركاتها مقابل 3.4% لفرنسا.
ستترأس القمة فرنسا بأجندة سبعة محاور: الشؤون الخارجية والتنمية والتجارة والتمويل والرقمنة والبيئة والأمن الداخلي. ويعمل ماكرون على توظيف الرئاسة الفرنسية لتحصين الوحدة الأوروبية في مواجهة الضغوط الأمريكية، مع وعد استثمار ياباني ضخم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الفرنسي.
يُمثّل هذا اللقاء امتحاناً عسيراً لمبدأ التعددية: إن انتهت إيفيان دون بيان جماعي موقّع، فسيكون ذلك مؤشراً على تآكل متسارع لمفهوم “الغرب” بوصفه كتلة استراتيجية متماسكة. والموقف الأوروبي الموحّد من هرمز والتعريفات قد يكون ورقة ضغط نادرة في مواجهة واشنطن.
تنعقد الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي بين 15 و18 يونيو 2026 في ستراسبورغ على وقع جدول أعمال استثنائي، تبرز فيه تصويتات نهائية على ملفات جوهرية ترسم ملامح الاتحاد الأوروبي في عالم ما بعد كوفيد وما بعد ترامب. ومن أبرزها اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في مرحلة حساسة من التفاوض.
يشمل الأجندة أيضاً التصويت على تبسيط قواعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي ضمن “الحزمة الرقمية الشاملة”، وإقرار قواعد جديدة لقطاع السيارات تتعلق بالاقتصاد الدائري، وتعزيز وضع المزارعين في سلاسل الإمداد الغذائي.
في هامش الجلسة، تستقطب كلمة الرئيس المونتينيغري ياكوف ميلاتوفيتش الاهتمامَ وسط مخاوف من ملف توسيع الاتحاد الأوروبي نحو البلقان الغربي. كما يستمع النواب إلى شهادة الصحفي البيلاروسي أندرجي بوتشوبوت، الفائز بجائزة ساخاروف 2025.
يُعكس هذا الأسبوع التشريعي قدرة المؤسسة الأوروبية على التكيّف مع تسارع الأحداث الجيوسياسية. غير أن المراقبين يُنبّهون إلى أن تعديلات قانون الذكاء الاصطناعي قد تفتح ثغرات تنظيمية لصالح شركات التكنولوجيا الكبرى الأمريكية، وهو ما دفع عدداً من البرلمانيين إلى المطالبة بتدقيق أعمق.
تواصل مضيق هرمز، الشريان الذي يُمرّر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إغلاقه في وجه الناقلات التجارية، في أطول أزمة من نوعها منذ الحرب العراقية الإيرانية. وأكدت وكالة الطاقة الدولية ومحللو “كبلر” أن أكثر من 400 سفينة لا تزال محاصرة في مياه الخليج الغربية، وأن 1,550 ناقلة تأثرت عالمياً، وما يزيد على 22,500 بحار محتجز.
تتحمّل أوروبا ثقلاً مضاعفاً من هذا الإغلاق، إذ تعتمد على الغاز القطري المسال بصورة مباشرة. وقد أعلنت QatarEnergy القوة القاهرة على صفقاتها في مطلع مارس، ما رفع أسعار LNG في أوروبا إلى مستويات قياسية. ويُقدّر خبراء DHL أن التعافي لن يتم قبل أربعة إلى ستة أشهر من أي اتفاقية وقف نار.
استجابت الدول الأوروبية بتنويع مصادر الاستيراد عبر رفع واردات الغاز الأمريكي والنرويجي وتسريع مشاريع الطاقة المتجددة. غير أن هذه الاستجابة تُخفي أزمة عميقة في نموذج الأمن الطاقوي الأوروبي الذي كان يُعوّل على الاستقرار الخليجي.
على المستوى الاستراتيجي، كشفت أزمة هرمز أن “الاستقلالية الطاقوية الأوروبية” لا تزال مفهوماً قيد البناء. وستكون هذه الأزمة محوراً رئيسياً في قمتَي G7 إيفيان والمجلس الأوروبي، مع احتمال أن تدفع نحو تسريع بنية تحتية مشتركة لتخزين الطاقة على المستوى الأوروبي.
أصدرت محكمة بلجيكية مطلع مارس 2026 قراراً بإحالة دبلوماسي بلجيكي متقاعد للمحاكمة بتهمة الاشتراك في اغتيال رئيس وزراء الكونغو الأول باتريس لومومبا عام 1961، في سابقة قضائية من الأبعد صدىً في تاريخ المحاسبة الأوروبية على جرائم حقبة الاستعمار. وتُعدّ هذه المحاكمة الأولى من نوعها أمام المحاكم البلجيكية.
تُحيط بالقضية تعقيدات قانونية استثنائية: المتهم في عقده التاسع، والوقائع تعود إلى 65 عاماً، والأدلة متفرقة بين ملفات الاستخبارات البلجيكية والأمريكية والأممية. وكان تقرير برلماني بلجيكي صدر عام 2001 قد خلص إلى أن بلجيكا تتحمل “مسؤولية أخلاقية” في عملية الاغتيال.
تشير المصادر القضائية إلى أن المحكمة ستواجه إشكاليات التقادم والاختصاص، غير أن الأهمية الرمزية للقضية تتخطى هذه التفاصيل التقنية. وقد عادت عائلة لومومبا إلى المطالبة بالحقيقة والاعتراف الكامل، مدعومةً بمنظمات حقوق الإنسان الدولية وحكومة الكونغو الديمقراطية.
يأتي هذا الملف في سياق موجة أوسع من مراجعة إرث الاستعمار البلجيكي، شملت إعادة رفات لومومبا عام 2022 إلى الكونغو ومبادرات اعتذار سياسي. وتُراقب دول أفريقية عديدة مسار هذه المحاكمة بوصفها نموذجاً محتملاً لمطالبات مشابهة في مواجهة القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة.
