**نجلاء السيد ((مصر ))
حين يصبح كل شيء عاديًا…
وكيف قُتلت قدرتنا على الرفض؟
لا تنهار المجتمعات حين يكثر فيها الباطل…
بل حين يتوقف الناس عن استنكاره.
فالخطر الحقيقي ليس أن ترى الخطأ لأول مرة، بل أن تراه للمرة الألف دون أن يهتز في داخلك شيء.
هكذا يبدأ التبلد…
لا بضجيج، ولا بثورة على القيم، بل بخطوات صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
مشهد يتكرر.
وقصة تُعاد.
وكلمة تُردد.
ثم يأتي يوم يصبح فيه ما كان صادمًا… عاديًا.
لم يطلب منا أحد أن نتخلى عن أخلاقنا.
ولم يقل لنا أحد إن الحرام أصبح حلالًا.
كان الطريق أذكى من ذلك بكثير.
فما رُفض بالأمس، أُعيد تقديمه اليوم في ثوب جديد.
الخيانة أصبحت قصة حب.
والخائن أصبح ضحية يبحث عن السعادة.
والعلاقة المحرمة أصبحت حرية شخصية.
والظالم أصبح إنسانًا يستحق التعاطف.
أما المظلوم… فأصبح مطالبًا بتبرير ألمه.
لم تتغير الأفعال…
الذي تغير هو طريقة النظر إليها.
وهنا لعبت بعض الأفلام والمسلسلات ووسائل الإعلام دورًا خطيرًا في إعادة تشكيل الوعي.
ليس لأنها أمرت الناس بالخطأ…
بل لأنها كررته حتى أصبح مألوفًا.
وأحاطته بالموسيقى، والمشاعر، والبطولات، والمبررات.
فالإنسان بطبيعته يألف ما يراه كثيرًا.
ومع الألفة تسقط الدهشة.
ثم يسقط الرفض.
ثم يسقط الحياء.
وحين يسقط الحياء…
يدخل كل شيء.
أصبح العري وسيلة عادية لجذب الانتباه.
وأصبحت المشاهد المثيرة جزءًا من المحتوى اليومي الذي يدخل البيوت دون استئذان.
وأصبحت الألفاظ التي كانت تُستحى تُقال أمام الأسر والأطفال وكأنها لغة العصر.
ليس لأن هذه الأشياء أصبحت صحيحة…
بل لأننا اعتدنا رؤيتها.
ولم يكن الثمن أخلاقيًا فقط…
بل كان نفسيًا وإنسانيًا.
فالمرأة لم تعد تُقاس في كثير من الرسائل بما تحمله من عقل، أو خلق، أو كرامة…
بل بما تعرضه من جمالها.
حتى فقدت كثير من النساء ثقتهن بأنفسهن، وصرن يطاردن صورة مثالية لا وجود لها إلا خلف الكاميرات وبرامج التعديل.
وأصبح الحياء عند بعضهن يُصوَّر على أنه ضعف، والتعفف على أنه رجعية، وكأن احترام المرأة لنفسها لم يعد كافيًا، بل لا بد أن تبحث عن قيمتها في نظرات الآخرين.
وفي المقابل…
لم يسلم الرجل من هذا التشويه.
فقد صُورت له السعادة على أنها حساب مصرفي أكبر، وسيارة أفخم، وحياة أكثر ترفًا، ونساء أكثر حوله.
وكأن النجاح لا يُقاس بما يبنيه الإنسان…
بل بما يملكه.
وكأن القناعة استسلام.
والرضا فشل.
فأصبح يركض وراء المزيد دون أن يصل إلى الطمأنينة.
وهكذا خسر الجميع.
خسرت المرأة حياءها وثقتها بنفسها.
وخسر الرجل قناعته وسكينته.
وخسر المجتمع ميزانه.
ثم امتد التبلد إلى أخطر ما يملكه الإنسان…
إلى قلبه.
فأصبح الذنب يمر دون وخز.
وأصبحت الموعظة تمر دون أثر.
وأصبح تأخير الصلاة أمرًا يتكرر حتى فقد شعور التقصير.
فالقلوب لا تموت فجأة.
إنها تفقد حساسيتها شيئًا فشيئًا.
حتى يأتي يوم ترى فيه المنكر…
فلا تنكره.
وترى الظلم…
فلا يغضبك.
وترى المعصية…
فلا تخاف منها.
وتلك هي اللحظة التي ينتصر فيها التبلد.
إن المعركة لم تكن يومًا على فيلم، أو مسلسل، أو إعلان.
كانت المعركة على قدرتنا على الرفض.
على ذلك الصوت الداخلي الذي كان يقول لنا:
“هذا لا يليق.”
فإذا مات هذا الصوت…
لم يعد الباطل بحاجة إلى أن ينتصر.
يكفي أن يصبح مألوفًا.
لذلك لا تخف من كثرة الضجيج حولك…
بل خف من اليوم الذي لا يعود فيه هذا الضجيج يزعجك.
ولا تخف من رؤية الخطأ…
بل خف من اعتياده.
فالكارثة ليست أن ينتشر الباطل…
الكارثة أن يصبح عاديًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
