صفوح صادق _شاعر قلسطيني
صباحُ الخيرِ يا وطني…
من شتاتِ الأرضِ أجيءُ،
أحملُ في كفّي الجهاتِ المكسورة،
وفي صدري آخرَ أغنيةٍ
لم يُكملها المنفى.
حيثُ الشواطئُ
لفظتْ زبدَها الأبيضَ،
فامتزجَ بالدمِ الطاهر،
حتى تلوّنتْ رمالكَ
بأسماءِ الشهداءِ،
وصارَ الموجُ
يقرأُ الفاتحةَ كلَّما عادَ إلى الشاطئ.
وأعلنتِ الشمسُ حضورَها،
لا لتشرقَ على صباحٍ عابر،
بل لتشهدَ
أن الليلَ مهما طال،
لا يستطيعُ اغتيالَ الفجر.
وصهيلُ الخيلِ
ما زال يملأُ الجهاتِ كلَّها،
كأنَّ الفرسانَ
لم يغادروا السهلَ يومًا،
وكأنَّ الريحَ
ما زالت تحفظُ أسماءَهم.
وجذورُ الزيتونِ
ما تزالُ تضربُ في أعماقِ الأرض،
تقولُ للغاصبِ:
قد تُغيِّرُ وجهَ التراب،
لكنَّكَ لن تقتلعَ الذاكرة.
وبرتقالُ يافا…
ما زالت رائحتُه فواحةً،
رغمَ حزنِه،
ورغمَ أنَّ الأغصانَ
تنتظرُ يدًا تعرفُ أسماءَها،
فالعطرُ لا يعرفُ المنفى،
والثمارُ لا تنسى أصحابَها.
صباحُ الخيرِ يا وطني…
ما زلتَ تُولدُ فينا
كلَّما ظنَّ العالمُ
أن الحكايةَ انتهت.
فأنتَ لستَ أرضًا تُقاسُ بالحدود،
بل وعدٌ يسكنُ القلب،
وحين يسكنُ القلبَ وطنٌ،
لا يستطيعُ أحدٌ أن ينفيه.
صباحُ الخيرِ يا وطني…
أعرفُ… أنَّ للمدنِ أعمارًا،
وللوطنِ عمرًا آخر،
لا يُقاسُ بالسنين،
بل بعددِ الذين رفضوا
أن يبيعوا الحلم.
فإذا مرَّ الغيابُ
تركَ على الأبوابِ غبارَه،
جاءتْ أمهاتُنا ونفضنَه بالدعاءِ،
كأنَّ الدعاءَ آخرُ جيشٍ لم يُهزم.
يا وطني…
ما زالتْ نوافذُ البيوتِ تنتظرُ خُطى العائدين،
وما زالتِ المفاتيحُ تعرفُ أقفالَها،
ولو غيَّروا الأبوابَ،
فالخشبُ يشيخ،
أما الذاكرةُ فلا تشيخ.
أسمعُ القمحَ كلَّما داعبتْه الريحُ
يرفعُ رأسَه،
كأنَّه يقول: أنا ابنُ هذه الأرض،
وكلُّ سنبلةٍ تحفظُ اسمَ الزارعِ الأول.
وأرى التينَ يعرفُ أصابعَ الأطفال،
واللوزَ ينتظرُ ربيعًا لا تعوقُه الحواجز،
ولا تضلُّ طريقَه البنادق.
يا وطني…
لسنا غرباءَ عنك،
نحنُ امتدادُ ترابِك،
إذا تفرَّقنا اجتمعنا في اسمِك،
وإذا تباعدتْ بنا المنافي،
ظلَّتْ قلوبُنا تتجاورُ على خارطتِك.
سنرجعُ…
لا لأنَّ الطريقَ قصير،
بل لأنَّ الحقَّ لا يشيخ،
ولأنَّ الزيتونَ لا يُثمرُ إلا لأصحابِه،
ولأنَّ البحرَ يحفظُ وجوهَ الذين ودَّعوه على وعدِ اللقاء.
صباحُ الخيرِ يا وطني…
نمضي إليكَ ولو طالَ السفر،
فليس الوطنُ مكانًا نصلُ إليه،
بل حقيقةٌ كلَّما ابتعدنا عنها
اكتشفنا أننا لم نغادرها يومًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …._
