الأحد. يونيو 28th, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 50 Second

متابعة هبه محمد معين ترجمان

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_سوريا اليوم عند منعطف تاريخي مهم. فبعد أكثر من أربعة عشر عاماً من النزاع، دخلت البلاد مرحلة انتقالية ستكون القرارات التي تُتخذ خلالها حاسمة في تشكيل مستقبل العدالة، والحكم الرشيد، والتماسك المجتمعي لأجيال قادمة. وقد بدأت المؤسسات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية وملف المفقودين ممارسة مهامها، في الوقت الذي يجري فيه إعداد مشروع قانون جديد للعدالة الانتقالية، من المتوقع أن يُعرض على مجلس الشعب لمناقشته خلال الفترة المقبلة.

وانطلاقاً من إدراك هذه الفرصة، أطلقت جمعية غلوبال هارموني، بالشراكة مع معهد DT، مشروع “BRIDGE – بناء الجسور، وهو مبادرة تهدف إلى وضع الضحايا والناجين في صميم جهود التعافي، والعدالة الانتقالية، وبناء السلام في سوريا. فعلى خلاف المقاربات التقليدية التي تنظر إلى الضحايا بوصفهم مستفيدين من المساعدات الإنسانية أو مجرد شهود على الانتهاكات، ينطلق مشروع BRIDGEمن اعتبارهم شركاء أساسيين في رسم مستقبل سوريا. فخبراتهم لا تقتصر على توثيق الحقيقة ودعم المساءلة، بل تسهم أيضاً في تحديد الإصلاحات المطلوبة، وأولويات جبر الضرر، والخدمات الأساسية، ومتطلبات التعافي وإعادة بناء الثقة ومنع تكرار الانتهاكات

كخطوة أولى ضمن مشروع BRIDGE، نظمت جمعية غلوبال هارموني جلسات توعية وحوار واستماع مجتمعية حول العدالة الانتقالية، تراعي الصدمات النفسية، في مدينة داريا بريف دمشق ومخيم اليرموك في دمشق.

وشارك في هذه الجلسات ضحايا وناجون من انتهاكات حقوق الإنسان، وذوو المفقودين، ومعتقلون سابقون، ونساء متضررات من النزاع، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المحلي.

وتضمنت الجلسات ثلاثة محاور رئيسية:

  • جلسة توعوية حول الرعاية المستجيبة للصدمات النفسية والصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، قدمتها منظمة Syria Bright Future (SBF)، المتخصصة في خدمات الصحة النفسية وبناء قدرات المجتمعات والعاملين في الخطوط الأمامية.
  • مقدمة حول مفاهيم العدالة الانتقالية والعدالة التصالحية، قدمها خبير متخصص في العدالة الانتقالية عمل مع الهيئة الوطنية للمفقودين، وتعاون مع منظمات وطنية ودولية في مجالات المساءلة وحقوق الضحايا.
  • جلسات استماع آمنة وسرية أدارها ميسرون مجتمعيون من أبناء المناطق نفسها، باستخدام منهجيات تراعي الصدمات النفسية وحساسية النزاع، مما وفر مساحة آمنة للمشاركين للتعبير عن تجاربهم، ومخاوفهم، وأولوياتهم، وتطلعاتهم نحو العدالة والتعافي والمصالحة.

ولم يكن الهدف من هذه الجلسات جمع الشهادات فحسب، بل إتاحة مساحة للضحايا للتعبير عن رؤيتهم لمستقبل العدالة في سوريا، وهي فرصة لم تتح للكثير منهم منذ سنوات.

وأكد المشاركون أن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، لا تكفي لمعالجة آثار النزاع إذا لم تُعالج المظالم والانتهاكات التي تعرضوا لها. كما شددوا على أن توثيق الانتهاكات يظل أساسياً للمساءلة وكشف الحقيقة ومكافحة الإفلات من العقاب، إلا أن السؤال الأهم الذي طُرح خلال الجلسات كان:

كيف ينبغي أن تبدو العدالة في سوريا المستقبل؟

وأظهرت إجابات المشاركين أن العدالة لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، والاعتراف بالضحايا، والدعم النفني والاجتماعي، والإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، والتعافي الاقتصادي، وإشراك المجتمعات المتضررة في إعادة الإعمار.

دعم الجهود الوطنية للعدالة الانتقالية من خلال المشاركة المجتمعية

يمثل إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خطوة مهمة في مسار المرحلة الانتقالية في سوريا. إلا أن حجم الاحتياجات وتنوع المجتمعات المتضررة يجعل من الصعب على أي مؤسسة وطنية تنفيذ مشاورات واسعة في جميع المحافظات والمناطق، الأمر الذي يمنح منظمات المجتمع المدني دوراً تكاملياً بالغ الأهمية. ومن خلال تنظيم جلسات استماع ومشاورات مجتمعية منظمة تراعي الصدمات النفسية، يمكن نقل أولويات الضحايا والناجين إلى صناع القرار، بما يسهم في دعم المؤسسات الوطنية عبر توثيق التوقعات والاحتياجات وتعزيز شمولية وشرعية سياسات العدالة الانتقالية، دون أن يحل ذلك محل دور الدولة، بل يعزز قدرتها على أداء مهامها.

من أصوات المجتمعات المحلية إلى الحوار مع المؤسسات الوطنية

لا تمثل هذه الجلسات نشاطاً منفصلاً، بل تشكل المرحلة الأولى من عملية أوسع تهدف إلى تحويل أصوات المجتمعات المحلية إلى حوار مؤسسي وتأثير في السياسات العامة.

وفي المرحلة التالية من مشروع BRIDGE، سيشارك الضحايا والناجون بشكل مباشر في جلسات حوار مع ممثلين عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ومنظمات المجتمع المدني، وجهات حكومية أخرى.

وستوفر هذه الجلسات مساحة لتبادل وجهات النظر، وتعزيز الثقة، ومواجهة المعلومات المضللة، ومناقشة توصيات عملية تسهم في تطوير منظومة العدالة الانتقالية في سوريا.

كما ستُستخدم نتائج هذه المشاورات في إعداد ورقة سياسات تستعرض سبل دمج العدالة الانتقالية مع العمل الإنساني، وبرامج التنمية، وبناء السلام، في إطار نهج الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام (HDP Nexus).

ماذا قال المشاركون؟

أكد المشاركون خلال الجلسات مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تشكل أساس المرحلة الانتقالية في سوريا، أبرزها:

  • ضرورة وضع الضحايا والناجين في قلب عمليات العدالة الانتقالية، بوصفهم شركاء في صنع القرار وليسوا مجرد متلقين للمساعدة.
  • أهمية الحقيقة والاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا، وخاصة بالنسبة لعائلات المفقودين والمختفين قسراً، التي لا تزال تبحث عن معرفة مصير أحبائها.
  • اعتماد برامج شاملة لجبر الضرر تشمل الدعم النفسي والاجتماعي، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص كسب العيش، والاعتراف الرمزي، والاستثمار في المجتمعات المتضررة، وليس التعويض المالي فقط.
  • دمج العدالة الانتقالية مع برامج الإغاثة الإنسانية، والتعافي المبكر، والتنمية، وبناء السلام، باعتبارها مسارات مترابطة وليست منفصلة.
  • تنفيذ إصلاحات مؤسسية تعزز سيادة القانون، والمساءلة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
  • الاعتراف بالدور المحوري للمرأة، ليس فقط كضحية للنزاع، بل كقائدة وصانعة سلام وشريك أساسي في جهود العدالة والتعافي والمصالحة.
  • التأكيد على أن إعادة تأهيل المدارس، وتحسين الخدمات العامة، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة سبل العيش، يمكن أن تشكل جزءاً من جبر الضرر والمصالحة إذا صُممت بالتشاور مع المجتمعات المتضررة، واعترفت بما تعرضت له من أذى.

بناء الجسور نحو سلام مستدام

يقوم مشروع BRIDGEعلى مبدأ بسيط لكنه جوهري: لا يمكن بناء سلام مستدام دون الاستماع إلى الأشخاص الأكثر تضرراً من النزاع.

فعندما يُشرك الضحايا بعد اتخاذ القرارات، تصبح العدالة الانتقالية بعيدة عن واقع الناس واحتياجاتهم. أما عندما يُشركون منذ البداية، فإنهم يسهمون في بناء مؤسسات أكثر شرعية وشمولاً واستجابة لاحتياجات المجتمع.

ومع دخول سوريا واحدة من أهم مراحلها التاريخية، فإن ضمان مساهمة أصوات الضحايا في صياغة التشريعات، وتصميم المؤسسات، وتوجيه جهود التعافي، لا يمثل فقط استحقاقاً للعدالة، بل استثماراً في الاستقرار طويل الأمد، والمصالحة الوطنية، والسلام المستدام.

وستواصل جمعية غلوبال هارموني، بالشراكة مع معهد DT، العمل على بناء جسور الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات الوطنية، بما يضمن أن تستند المرحلة الانتقالية في سوريا ليس فقط إلى الإصلاحات القانونية، بل أيضاً إلى أصوات الضحايا وكرامتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code