الأثنين. سبتمبر 7th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 30 Second

ألطاف موتي(كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي)

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_فتحت واشنطن جبهة جديدة في حربها المستمرة ضد إيران. ففي الرابع والعشرين من أغسطس، أعلنت إدارة ترامب عن حملة عقوبات واسعة النطاق مصممة لعزل طهران عن الشبكات الاقتصادية التي تدعمها، مع تهديد الدول التي تواصل تعاملاتها التجارية مع إيران بعقوبات ثنوية. وقد وصف وزير الخزانة “سكوت بيسنت” هذه الاستراتيجية بأنها محاولة لعزل إيران اقتصادياً وفرض نهاية للصراع. غير أن هذه الحملة تواجه مشكلة جوهرية: تتمثل في أن الصين، الشريك الاقتصادي الأهم لإيران وأكبر مستهلك لنفطها بفارق شاسع، قد لا تقبل مطلب واشنطن بالمساهمة في عزل طهران.
وبناءً عليه، لا تُعد الصين مجرد دولة أخرى تستطيع واشنطن الضغط عليها، بل هي الحلقة الحيوية في شريان الحياة الاقتصادي المتبقي لإيران. وقبل أحدث الإجراءات الأمريكية وتعطل حركة الشحن الإيرانية، كانت الصين تستحوذ على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، حيث تجاوزت وارداتها في بعض الأحيان 1.5 مليون برميل يومياً. ومنذ ذلك الحين، تراجعت تلك التدفقات بشدة، إلا أن المصافي الصينية المستقلة تواصل شراء الخام الإيراني عبر شبكات تجارية معقدة، وغالباً ما تستخدم العملة الصينية وتخفي مصدر الشحنات.
الصين هي الاختبار الحقيقي
بإمكان إدارة ترامب أن تجعل النفط الإيراني أكثر صعوبة وأعلى تكلفة من حيث البيع. كما تستطيع فرض عقوبات على الوسطاء، وناقلات النفط، والتجار، والوسطاء الماليين، فضلاً عن تهديد الشركات الأجنبية بالحرمان من النظام المالي الأمريكي. لكن الصين تمثل تحدياً أكبر بكثير؛ لأن بيجين تمتلك القدرة الاقتصادية والحافز السياسي معاً لمقاومة الضغوط الأمريكية.
فبالنسبة للصين، يُعد النفط الإيراني جذاباً من الناحية التجارية، غير أن الحسابات الاستراتيجية تتجاوز قطاع الطاقة. لقد رفضت بيجين باستمرار العقوبات الأمريكية أحادية الجانب، جادلةً بأن الدول يجب ألا تُجبر على إدارة تجارتها الخارجية وفقاً لقرارات واشنطن. وبالتالي، فإن القبول بالمطلب الأمريكي بشأن إيران قد يخلق سوابق خطيرة تجدها الصين مرفوضة؛ فإذا استطاعت واشنطن تحديد ما إذا كان مسموحاً للشركات الصينية شراء النفط الإيراني، فمن المرجح أن تخشى بيجين بشكل مبرر من إمكانية تطبيق ضغوط مشابهة لاحقاً على تجارتها مع روسيا أو دول أخرى تستهدفها الولايات المتحدة.
وهذا ما يفسر سبب اتسام رد فعل الصين بالحزم غير العادي؛ إذ أعلنت بيجين أن تعاونها مع إيران مشروع قانونياً، محذرةً من أنها ستتخذ إجراءات لحماية مصالحها. والرسالة واضحة تماماً: قد تقوم الصين بتعديل بعض الأنشطة التجارية لتقليل تعرضها للعقوبات الأمريكية، لكنها من المستبعد أن تقبل بالمبدأ الأوسع القاضي بأن لواشنطن الحق في إملاء علاقاتها الاقتصادية.
معضلة واشنطن
يترك هذا الوضع الرئيس ترامب أمام خيار صعب. فإذا قامت واشنطن بفرض عقوبات على المصافي الصينية بشكل أكثر شراسة، فقد يؤدي ذلك إلى تقليل إيرادات إيران النفطية بدرجة أكبر. ولكن إذا استهدفت المؤسسات المالية الكبرى في الصين، أو الشركات المملوكة للدولة، أو البنى التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية، فقد تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد بكثير من الشأن الإيراني.
ويبدو أن الإدارة تدرك جيداً هذه المخاطر؛ فقد استهدفت أحدث حملة عقوبات الكيانات المرتبطة بالصين، لكنها توقفات عند عتبة الخطوة الأكثر تأثيراً: ألا وهي فرض عقوبات شاملة على المؤسسات المالية الكبرى في الصين. ولذلك، تساءل المحللون عما إذا كانت واشنطن قادرة على تحقيق هدفها المعلن المتمثل في عزل إيران اقتصادياً دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة التي توفر لطهران سوقها الأهم المتبقي.
وهذا التوقيت يزيد المعضلة حدةً؛ فترامب يسعى للحفاظ على علاقة اقتصادية هشّة مع بيجين بينما يستعد لمزيد من المفاوضات مع الرئيس شي جين بينغ. وإن تحويل حملة العقوبات ضد إيران إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين من شأنه أن يقوض تلك الاستراتيجية الأوسع. فوواشنطن تريد من الصين المساعدة في فرض الضغوط الأمريكية على إيران، لكنها لا تريد بالضرورة دفع ثمن حرب اقتصادية أمريكية-صينية جديدة.
يمكن إضعاف إيران دون إلحاق الهزيمة بها
مع ذلك، فإن هذه العقوبات قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإیران. فالصارمة والحصار الأمريكي وتعطيل حركة الملاحة أدت بالفعل إلى تقليص صادرات النفط الإيرانية، في حين ألحقت الحرب أضراراً بالبنية التحتية للطاقة وعقّدت سبل الوصول إلى العملات الأجنبية. كما انخفضت عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين مع تزايد مخاطر النقل.
غير أن الضغط الاقتصادي لا ينتج بالضرورة استسلاماً سياسياً؛ فقد تعايشت إيران مع العقوبات لعقود طوال، وطورت أساليب واسعة النطاق للتكيف معها. فقد مكّنت شبكات التجارة غير الرسمية، والوسطاء، وآليات الدفع البديلة، ومبيعات النفط المخفضة، طهران من البقاء رغم المحاولات الأمريكية المتكررة لعزلها.
إن الصين لست بحاجة إلى استعادة الصادرات الإيرانية إلى مستوياتها السابقة لمنع الاختناق الاقتصادي التام؛ فحتى التدفق المنخفض للنفط يمكن أن يوفر لطهران عملات صعبة وثمينة ويبرهن على أن إيران تحتفظ بشريان حياة اقتصادي خارجي. هذا هو الفارق الحاسم بين إلحاق الضرر بإيران وإجبارها على الاستسلام.
المعركة الكبرى تدور حول القوة الاقتصادية
تبعاً لذلك، تحولت المواجهة إلى اختبار لمدى نفوذ القوة الاقتصادية الأمريكية. فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً هائلاً؛ نظراً لاعتماد الشركات العالمية والمؤسسات المالية على الوصول إلى الدولار والأسواق الأمريكية. وتستغل العقوبات الثانوية هذا الاعتماد عبر إجبار الشركات الأجنبية على الاختيار بين العلاقات التجارية مع الدول الخاضعة للعقوبات وبين المشاركة في النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
إلا أن الصين قادرة بشكل متزايد على مقاومة هذا الخيار؛ فهي تملك سوقها المحلية الهائلة، وعملتها، ومؤسساتها المالية، وقاعدتها التصنيعية، فضلاً عن شبكتها المتسعة من العلاقات الاقتصادية. وكلما استخدمت واشنطن العقوبات ضد الشركات الصينية، ازدادت حوافز بكين لتطوير آليات تقلل اعتمادها على البنية التحتية المالية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
وهذا يفرز مفارقة لترامب: فكلما حاولت واشنطن بضراوة أكبر إجبار الصين على تطبيق العقوبات ضد إيران، زاد احتمال تسريع تجزئة الاقتصاد العالمي إلى أنظمة مالية وتجارية متنافسة. وبالتالي، فإن سياسةً تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة الاقتصادية الأمريكية قد تسهم في ظهور بدائل لتلك الهيمنة ذاتها.
هل تستطيع واشنطن إجبار الصين على الاختيار؟
غالباً لا – ليس بالكامل.
بإمكان واشنطن الضغط على الشركات الصينية، ورفع تكلفة شراء النفط الإيراني، وتهديد المصارف والمافي وشركات الشحن التي تسهل التجارة. بل وربما تنجح في إقناع بيجين بتقييد أنشطة محددة لتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. غير أن إرغام الصين على التخلي عن إيران كلياً يمثل هدفاً طموحاً للغاية.
فبيجين تمتلك خياراً آخر: التعاون الانتقائي دون الاستسلام الاستراتيجي. فهي قادرة على السماح لبعض الشركات بتقليص تعرضها لإيران مع الحفاظ على قنوات تجارية أخرى، وتديد الرقابة على معاملات معينة دون الإقرار بشرعية العقوبات الثانوية الأمريكية، فضلاً عن دعم الجهود الدبلوماسية لإنهاء الصراع مع الحفاظ على علاقتها بطهران.
وقد يترك ذلك ترامب أمام نصر ناقص؛ فقد تنجح الولايات المتحدة في خفض إيرادات إيران وزيادة الضغط الاقتصادي على حكومتها، ولكن إذا حافظت الصين على قناة اقتصادية محدودة على الأقل، فقد تعاني واشنطن الأمرين في محاولاتها لتحويل هذا الضغط إلى استسلام سياسي.
وعليه، لم يعد السؤال الجوهري مرتبطاً بقدرة أمريكا على فرض العقوبات على إيران من عدمها، فمن الواضح أنها قادرة على ذلك. بل إن السؤال الحقيقي يكمن في مدى احتفاظ واشنطن بنفوذ اقتصادي كافٍ يجعل الصين تُطبق تلك العقوبات تعارضاً مع مصالحها الاستراتيجية الخاصة. وإذا ما رفضت بيجين ذلك، فإن حرب ترامب الاقتصادية قد تكشف في نهاية المطاف -ليس عن انهيار القوة الأمريكية- بل عن حدودها في عالم باتت فيه الصين قوية بالقدر الذي يمكنها من قول “لا”.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code