المذيعة.. نعيمة الطاهر
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في مدرسة الحرية التي تقابل سوق الحوت .. كنا نتواجد فيما يشبه جزيرة النساء .. الكادر التعليمي كله نساء بما في ذلك إدارة المدرسة .. الرجل الوحيد كان عمي ” علي” ذلك النحيف ضعيف النظر الذي كان يضع نظارة طبية عدستها ” قعر الطاسة ” التي كانت تجعل حجم عينيه أصغر من صغر حجمهما الطبيعي .. كان مقوس الظهر من كثر نحافته .. وعلى رأي خالتي فاطمة ” الطشة ” ” تنفخيه يطير ” !خالتي فاطمة ” الطشة ” كانت ” مباشرة ” المدرسة التي من المفترض أن تقوم بتنظيف الفصول وترتيبها ، لكنها كانت ملكة جزيرة النساء تلك ..
خالتي فاطمة ” الطشة ” اخذت اسمها من كونها كانت عضو في فرقة زمزامات .. تضرب على الطار ” البندير ” وتلم ” الترشيقة ” .. ولمن لا يعرف الترشيقة هي تلك الاوراق النقدية التي تتنافس فيها الحاضرات من ” صدارات ” و ” فراجات ” و ” الحوش صبايا مليان ” في وضعها لفرقة الزمزامات إذا طلبن منهن التغني باسم شخص بعينه .. وهو غالبا ما يكون الأخ أو الزوج أو حتى الحبيب عند ” البناويت ” و ” حتى راجللللي ” !
خالتي ” الطشة ” كثيرا ما كانت تأتي إلى المدرسة وهي مرهقة خاصة صبيحة أيام الخميس والسبت .. باعتبار أن مراسم حفلات ” النجمة ” كانت لا تقام إلا في ليلة الخميس .. و ” المحضر ” لا يكون ” راسم ” إلا يوم الجمعة ، وهما المناسبتان اللتان لا تكونان في ” القدو ” إلا بوجود الزمزامات ، حيث النوبة تجر النوبة والبداية لا تحلو إلا بنوبة ” صلى الله عليه اللي دليل العقل والع بيه ” ..
تأتي خالتي ” الطشة ” إلى مدرسة الحرية بعد ان تكتمل مراسم الطابور وتكون هي آخر الداخلات ليقوم بعدها عمي ” علي عميتشو ” كما كان يناديه المشاغبين من التلاميذ الصغار ولد الخويلدي والقزلة والفيزقا وكردلة … يقوم بقفل باب المدرسة الكبير والعالي ويضرب تلك ” المداريج ” الثلاثة في الباب ويصبح الدخول لا يتم إلا بموافقته كائن من كان القادم ..
تدخل خالتي فاطمة وتضع فراشيتها في ” دارها ” وهي عبارة عن حجرة صغيرة فيها كل ما يخصها .. بينما نحن المدرسات كنا نفتقد لحجرة خاصة بنا .. تخرج بعدها وقد لفت رداءها الباصمة “صيفا ، او حولي اللانة شتاءا على قامتها القصيرة وجسمها النحيل .. وحسب مزاجها ، ترد السلام او تمتنع ، تتحرك في خفة ورشاقة ، تجري وراء الاطفال زاجرة وناهية .. تتحدث مع الموجودات او تلتزم الصمت ، لكن الشىء الذي كانت لا تتركه هو وضعها ” طنجرتها ” فوق ” الستوفة ” لتقوم بإعداد وجبة غذاءها التي كانت إما ” مبكبكة ” أو ” محمصة بالقديد ” !!
ما زالت رائحة محمصتها تفوح في ” خشمي ” وعبير الكرافس والثومة تضوع في ” كردوري ” المدرسة الطويل ، ولأنها تعرفني ” غريبة ” حديثة التواجد في المدرسة .. كثيرا ما كانت ” تعزمني ” على ” ضوقة ” 
مرت الأيام و ” غربتنا سنين ” لكن حضور خالتي فاطمة ” الطشة ” ضل طاغيا .. وشخصيتها القوية واعتدادها بنفسها وببشرتها السمراء القانية لا يغيبون عن بالي ..
قد تكون موجودة إلى يومنا هذا .. لكنها كانت معلم من معالم مدرسة الحرية في ثمانينيات القرن الماضي كما هي ” المحمصة ” التي أخذت عنها طريقة تحضيرها بالقديد
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
