الأحد. يناير 25th, 2026
0 0
Read Time:7 Minute, 30 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تواجه الدول الأوروبية في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية، اختبارًا لاستقلاليته الاستراتيجية، فقد كشفت قمة واشنطن وألاسكا عن واقع تُرسم فيه السياسات الأمريكية واقع الحرب ، بينما تتحمّل أوروبا التكاليف. تتصاعد الانقسامات الأوروبية حول آليات دعم أوكرانيا، وتحديدًا ما يتعلق بإرسال “قوة طمأنة”، إذ تنقسم الدول الأوروبية بين داعمة ومتحفظة، ما يعكس تباينًا استراتيجيًا يُضعف القرار الأوروبي الموحد.

هل تخلّت أوروبا عن استقلال قرارها لصالح واشنطن؟

تتبع الإدارة الأمريكية نهجًا يتمثل في “واشنطن تضع الشروط، وأوروبا تتحمل التكاليف” فبالنظر إلى قمة أوكرانيا في واشنطن في أغسطس 2025 تبين أن هذه المسارات تُشير إلى اتجاه خطير، حيث انحرف الاتحاد الأوروبي إلى دور الدافع والوسيط، مُقدّمًا ترتيبات تمويلية تخدم أولويات الولايات المتحدة، بينما تُقيد قدرته على التصرف باستقلالية. تُخاطر أوروبا في أوكرانيا، بتقليص دورها إلى تمويل الأسلحة الأمريكية ودعم صفقات ترامب، بدلاً من تحديد شروط السلام والاستقرار.

كشف معهد “كيل” للاقتصاد العالمي، في تقريره الصادر في أغسطس 2025 استنادًا إلى أحدث بيانات مشروع “تعقب دعم أوكرانيا، فبحلول نهاية يونيو 2025، بلغ إجمالي قيمة الإمدادات العسكرية التي اشترتها الدول الأوروبية لصالح أوكرانيا نحو (35.1) مليار يورو. ويعني ذلك أن أوروبا تجاوزت الولايات المتحدة في هذا المجال بفارق يبلغ (4.4) مليار يورو، وهو مؤشر مهم على تغير ميزان الدعم بين ضفتي الأطلسي. فعلى سبيل المثال، خلال مايو ويونيو 2025، خصصت الدول الأوروبية مجتمعة نحو (10.5) مليار يورو كمساعدات عسكرية، ومن هذا المبلغ، ذهب (4.6) مليار يورو على الأقل مباشرةً إلى عقود شركات الدفاع.

يقدّر “فابيان هوفمان” الباحث في جامعة أوسلو والمتخصص في شؤون الصواريخ، أن الولايات المتحدة توفّر نحو (90%) من قدرات الصواريخ طويلة المدى لحلف شمال الأطلسي. أضاف هوفمان: “إن قدرات الضربات بعيدة المدى بالغة الأهمية في الحروب الحديثة، لا أحد يرغب في أن يجد نفسه في وضعٍ كأوكرانيا من دون أسلحة كهذه في السنة الأولى من الحرب، فهذا يضعه في موقف حرج على الفور”. 

كيف يهدد تباين المواقف حول “قوة الطمأنة” وحدة الموقف الأوروبي؟

أعلنت فرنسا أن رؤساء الأركان في عدة دول يعملون بالفعل على بلورة تفاصيل إرسال “قوة طمأنة” إلى أوكرانيا ضمن إطار “تحالف الراغبين”. كما أن بريطانيا مستعدة لإرسال قوات إلى أوكرانيا، وذلك بهدف طمأنة الأوكرانيين وتعزيز ثقتهم بالتحالفات الدولية. أفادت بلجيكا ودول البلطيق، ليتوانيا وإستونيا، استعدادها الواضح للمساهمة في القوة الدولية، أما لاتفيا، الدولة الثالثة في منطقة البلطيق، فلم تحسم موقفها بعد.

أعربت السويد بدورها عن ترددها، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى مزيد من التوضيح بشأن طبيعة المهمة التي يتم الإعداد لها، سواء كانت مهمة حفظ سلام أو مهمة ردع أو طمأنة. أبدت دول أوروبية مواقف أكثر تحفظًا كألمانيا والمجر وبولندا، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل قاطع أن بلاده لن ترسل قوات برية إلى أوكرانيا

أكدت هولندا وإسبانيا عن رغبتها في المساهمة في تقوية الضمانات الأمنية، سواء من خلال الدعم الفني أو العسكري غير القتالي، لكنها أكدت أن خططها لا تشمل إرسال قوات برية إلى الأراضي الأوكرانية. أوضح “رافائيل لوس” خبير الأمن من مركز أبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “أن اختلاف النهج بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يُسبب صراعًا”.

أوروبا تبحث عن دور أمني فاعل وسط التردد الأمريكي

حدد خبراء الأمن في أوروبا عدة سيناريوهات قد تنتهى إليها مفاوضات السلام في أوكرانيا، ذكر تقرير لمعهد الخدمات الملكية المتحدة البريطاني (RUSI)، سيناريوهات لخبراء من مركز استراتيجيات الدفاع الأوكراني (CDS) يمكن تصورها لضمانات الأمن الأوروبية:

أولًا القوات الأوروبية في أوكرانيا: يعد هذا الخيار بأنه “الشكل الأكثر التزاما للمشاركة”. ومع ذلك، فإنهم يشيرون إلى أن مجرد نشر القوات البرية قد لا يكون فعالا بشكل خاص.

ثانيًا الدرع الواقي لأوكرانيا: يعطي الخبراء مع هذا الخيار، الأولوية لحماية المجال الجوي. وستقوم وحدات أوروبية بمراقبة المجال الجوي، وخاصة في غرب ووسط أوكرانيا.

ثالثًا مراقبة وقف إطلاق النار: هذا البديل يقع بالفعل ضمن نطاق المهمة الخاصة. وتتمثل فكرة الخبراء في أنه في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار عن طريق التفاوض مع الولايات المتحدة، فإن الأوروبيين سوف يقدمون التكنولوجيا وأدوات المراقبة اللازمة لضمان الحفاظ على وقف إطلاق النار.

رابعًا الدعم عن بعد: سيقدم الأوروبيون لأوكرانيا بحسب الخبراء، في هذه الحالة، في المقام الأول معلومات استخباراتية في الوقت الحقيقي، وتدريب الجنود، والمشورة الفنية، وصيانة المعدات العسكرية.

خامسًا الاحتياطيات الاستراتيجية لأوكرانيا: السيناريو الأخير يتضمن قيام الأوروبيين بتخزين المعدات العسكرية والموارد الأخرى بالقرب من أوكرانيا حتى يمكن إدخالها بسرعة إلى البلاد في حالة وقوع هجوم جديد.

يتمسك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمطالبه بأن تتخلى أوكرانيا عن طموحاتها في حلف شمال الأطلسي، وبالحصول على تعهد ملزم قانونًا من التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بأنه لن يتوسع شرقًا أكثر، فضلًا عن فرض قيود على الجيش الأوكراني، والاتفاق على عدم نشر أي قوات غربية على الأرض في أوكرانيا كجزء من قوة حفظ السلام، ويبدو أن ترامب يميل إى الموافقة على هذه المطالبات.

الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، ألمانيا نموذجًا

أكد “بوريس بيستوريوس” وزير الدفاع الألماني في يوليو 2025: “إن ألمانيا لن ترسل صواريخ توروس طويلة المدى لدعم المجهود الحربي في أوكرانيا”، ويتمتع صاروخ “توروس”، كنظام بعيد المدى، بمدى أكبر بكثير يصل إلى (500) كيلومتر. كان قد أبدى المستشار الألماني “فريدريش ميرز” دعمه لإرسال أنظمة “توروس” إلى أوكرانيا، إلا أن ألمانيا غيّرت موقفها منذ ذلك الحين، معتبرةً أن دعم أوكرانيا لتطوير قدراتها الدفاعية بعيدة المدى أمرٌ غير مقبول.

وافقت ألمانيا على دفع ثمن أنظمة “باتريوت” الأمريكية لأوكرانيا، ودعا وزير الدفاع الألماني إلى مشاركة دول أخرى في حلف شمال الأطلسي في عملية شراء صواريخ “باتريوت” للدفاع الجوي وأسلحة أخرى لأوكرانيا. أعلن “بيستوريوس” :أن ألمانيا تنوي شراء صاروخ تايفون الدقيق بعيد المدى من الولايات المتحدة، والذي يمكنه إطلاق صواريخ يصل مداها إلى حوالي (2000) كيلومتر.

سجل الجيش الألماني وفقًا لوزارة الدفاع في 31 يوليو 2025، تطورًا “إيجابيًا للغاية” مقارنة بالعام 2024، حيث نما عدد الأفراد بنحو (2000). هكذا، يبلغ عدد القوات الآن (183000) جندي. النمو قوي بشكل خاص بين عدد الخدمة العسكرية التطوعية، التي ارتفع عددها بنحو (%15) إلى (11350). تستهدف الخدمة العسكرية الجديدة ما مجموعه حوالي (460000) جندي (260000) منهم في الخدمة الفعلية، وحوالي (200000) في الاحتياط.

يعمل الجيش الألماني على تعزيز استقلاليته العسكرية والتقنية، عبر تنفيذ خطة شاملة لتوسيع قدراته في مجال الفضاء. وتتمثل إحدى أبرز ركائز هذه الاستراتيجية في تطوير شبكة وطنية خاصة من الأقمار الصناعية، تمكّنه من تأمين اتصالات مستقلة وآمنة، بعيدًا عن الاعتماد على مزودي الخدمات الأمريكيين. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى برلين بأهمية امتلاك بنية تحتية سيادية في مجال الاتصالات الفضائية، خاصة في ظل تسارع التطورات الجيوسياسية العالمية، وزيادة التهديدات السيبرانية والعسكرية، وظهور تحديات جديدة في ميدان الحرب الحديثة.

أعلن “أولاف شولتز” المستشار الألماني (100) مليار يورو من الأموال الإضافية للجيش الألماني من صندوق خاص ممول بالديون بعد حرب أوكرانيا في فبراير 2022. يتم إنفاق المبلغ المخصص على “طائرات مقاتلة شبحية من طراز F-35A، وطائرات هليكوبتر قتالية، ومركبات قتالية للمشاة، وطائرات استطلاع بحرية، وفرقاطات وأنظمة دفاع صاروخي باتريوت، وعلى العديد من أنظمة الأسلحة الأكثر كفاءة ولو كانت مرتفعة الثمن”.

فرنسا تقود مشروع الاستقلال الدفاعي الأوروبي

تلعب فرنسا دورًا محوريًا في استقلالية قطاع الدفاع الفرنسي الأوروبي، لكن الخبراء يحذرون من أنه سيتعين على البلاد تجاوز العقبات، ولا ينبغي لها أن تمضي قدمًا بمفردها. كان قد بدأ الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بالفعل في الترويج لما أسماه “الاستقلال الاستراتيجي” في عام 2017. أعلن الرئيس الفرنسي: “أنه سيتم استثمار (6.5) مليار يورو إضافية في الدفاع في عامي 2026 و2027، مما يرفع ميزانية الدفاع في البلاد إلى (64) مليار يورو بحلول نهاية ولايته في عام 2027”.

أكد “سيباستيان ليكورنو” وزير القوات المسلحة الفرنسي: “أن العواصم، وليس المفوضية الأوروبية، هي التي يجب أن تتولى القيادة عندما يتعلق الأمر بالدفاع. وأضاف: “توجيه الأولويات يجب أن يظل في أيدي الدول الأعضاء، التي تتمتع بالسيادة في تحديد متطلباتها التشغيلية والقدراتية”.

يقول “إيمانويل دوبوي” المحلل العسكري ورئيس معهد الدراسات الأمنية والمنظور الأوروبي (IPSE): ” لقد أصبحنا المصدر الرئيسي للأسلحة في أوروبا من خلال بيع طائرات رافال المقاتلة ومدافع سيزار، ومع ذلك فإننا نعاني من نقص الذخيرة لأننا لم نعد نملك القدرة على تصنيعها في فرنسا”. أوضح “دوبوي”: “نحن بحاجة إلى الاستثمار في قدرات نشر القوة طائرات النقل الثقيلة لنشر عدد كبير من القوات والمركبات المدرعة في الخارج”.

تقييم وقراءة مستقبلية

تعكس التطورات تزايد الخلافات بين الدول الأوروبية وواشنطن بشأن مستقبل مفاوضات السلام لإنهاء حرب أوكرانيا، وتحديدًا بعد قمة ألاسكا وواشنطن2025.

تتراوح مواقف الدول الأوروبية بشأن “قوة طمأنة” في أوكرانيا من دعم إلى تحفظ، في مقابل انسحاب أمريكي واضح من الالتزامات، ما يخلق أزمة توازن إستراتيجي تهدد تماسك الموقف الغربي ككل.

تلعب فرنسا وألمانيا دورًا محوريًا في الدفع نحو “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، ففرنسا تسعى لذلك عبر الصناعة والتسليح، لكنها تعاني من ضعف القدرات اللوجستية.

تركز ألمانيا على تقوية البنية الدفاعية والتقنية، خاصة في مجالي الفضاء والاتصالات، لكنها تبدي حذرًا كبيرًا في الانخراط المباشر في الجبهات، كما يتضح من رفضها إرسال صواريخ “توروس”.

تميل واشنطن الأمريكية إلى نهج “براغماتي” أكثر تقاربًا مع موسكو، ما يزيد من تهميش الدول الأوروبية ويدفعها لتحمل أعباء دفاعية أكبر تجاه دعم أوكرانيا.

بات من المتوقع أن يكون هناك اختبارًا فعليًا لمشروع “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، خاصة في حال تكرّست الانسحابات الأمريكية من الالتزامات الأمنية في أوروبا.

من المرجح مع تباين مواقف أوروبا بشأن مفاوضات السلام في أوكرانيا قد تنشأ تكتلات دفاعية فرعية داخل أوروبا، ما قد يضعف وحدة القرار الأوروبي في حال غياب تنسيق شامل.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code