ربيع نعيم مهدي
شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_في أيام النظام السابق كنت اتابع ما يُذاع على أثير “صوت العراق الحر”، وأغلب ما تبثه تلك الإذاعة كان أخباراً وشعارات تندد بسياسات البعث، حالها حال ما كنت أقرأه على صفحات الكتب المستنسخة لمُعارضين ومنشقين عن مائدة صدام.
والغريب.. أن أطراف المعادلة المتمثلة الحاكم من جهة والمُعارض بمختلف توجهاته من جهة أخرى، لم تكن لديهم منهجية للعمل أو برنامج سياسي واضح، فالنظام الذي حكم لأكثر من ثلاثة عقود اتسم بالارتجالية في اتخاذ القرارات السياسية دون النظر في تبعاتها الاقتصادية وتأثيراتها على المجتمع، ودون النظر في مدى اتفاقها أو مخالفتها للخطط والبرامج المعلنة.
والمفارقة.. أن فوضى التطبيل للخطط والتهليل للتخبط السياسي والتمجيد في محاولات الترقيع، جعلت من التخطيط الاستراتيجي والبرنامج الحكومي مجرد أوراق مكتوبة بأقلام الرصاص، يسهل معها إجراء المسح والتعديل بما يتفق مع صوت الأبواق والطبل المرتفع.
وعند إعادة النظر إلى خطابات قوى المعارضة في تلك الفترة، أجد ان الغالبية وإن اختلفت لكنها اتفقت على إطلاق الشعارات فقط، ولم أجد في خطاباتها أي رؤية لما بعد صدام ولا حتى مجرد مقترحات لمعالجة أخطاء حكم البعث.
أن هذه الإشكالية رافقت القوى الحاكمة للعراق بعد ترحيل نظام البعث ظاهرياً عن سدة الحكم، فالحقائب الوزارية التي بدأت بحكومة أياد علاوي وصولاً إلى حكومة مصطفى الكاظمي لم تضع برنامجاً سياسياً أو اقتصادياً لمعالجة مشاكل البلد، واحتفظت بذات السمة التي تحلى بها حكم البعث وهي الارتجالية وغياب التخطيط في ظل إفراط في إطلاق الشعارات.
وكما أسهمت هذه الأساليب في رفع رصيد البعث من المعارضين ساهمت أيضاً في تحشيد المعارضين للحاكمين الجدد، والمشكلة بقيت حاضرة لدى طرفي المعادلة التي أشرت لها في صدر المقال، فالاحتجاجات والمظاهرات في أغلبها لم تشهد نضجاً في سلوك المعارض لسياسة الحاكم، ولا زلت أراها أسيرة للشعارات دون ان يحاول منظميها طرح برنامج أو رؤية محددة لما يجب أن يكون.
وهذا يبدو واضحاً في الاحتجاجات التي أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي، نعم.. هي نجحت في إبعاده لكنها لم توفق في طرح البديل، البديل الذي من الصعب ان يشمل بمفهومه حكومة الكاظمي لأنها في الحقيقة حكومة “تدّعي” تسيير الأعمال لكن أدائها يشير إلى أنها صانعة لأزمة لا ادري أن كان أقطابها يدركون النتائج، فالشعارات التي تداولتها أبواق السلطة ومعارضيها تجبرني على الوقوف للتفكير في نقطة واحدة فقط، (ما الفائدة التي تحققت من أداء الحكومة ؟) بل.. وما هي النتائج الايجابية التي تحققت للشعب من أداء المعارضين للحكومة ؟…
وفي ختام هذه السطور أجد أننا كتحصيل حاصل أمام أزمة مستقبلية ستعيد الاحتجاجات إلى صدارة الأحداث، وربما تكرار نفس السيناريو الذي أطاح بحكومة عادل عبد المهدي، فغياب الرؤية لما يجب ان يكون أزمة في حد ذاته.
الحوار المتمدن
