من الجزائر الاعلامي..عثمان لحياني
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_على قسوة المشهد الفلسطيني، فان الصمود الذي أظهره الشعب الفلسطيني في غزة خاصة، لا يثير التقدير التاريخي والاحترام الواجب فحسب، لكونه يشكل جدار صد ثاني للمقاومة، لكنه يبرز إلى أي حد تسهم مشاريع التنشئة المجتمعية الصحيحة، في تخليق الصمود في أكثر الظروف صعوبة .
لا بد من فهم حالة الصمود الفلسطيني وتفكبك عواملها، لأنها ستكون مفيدة لفهم كامل السياق ومكامن القوة التي توفرت للفلسطينيين بصورة عامة وفي غزة بشكل خاص، وللمقاومة المطمئنة إلى عمقها الشعبي والمسؤولة في الوقت ذاته عن المآلات التي تخص هذا العمق الشعبي، وآلامه وتطلعاته .
لم يولد هذا الصمود من فراغ، أو من رومانسية ثورية حالمة، لكنه كان نتاج تنشئة سياسية وقومية، مست كامل أطراف المجتمع في غزة، ضمن مشروع تجربة تربوية راكمت نجاحات مستمرة ، ركزت أساسا على البعد التعليمي والديني، وأخذا بكل الأسباب الممكنة التي تتطلبها معركة التحرير والمقاومة. وشيئ من هذا، كان مشروعا قائما في الحالة الجزائرية، كانت تقوم عليه جمعية العلماء المسلمين التي أدركت مبكرا ضرورات التنشئة العلمية والدينية، كأساس لقاعدة التحرير.
مستوى التعليم في غزة يمكن أن يكون أفضل بكثير من مناطق عربية أوضاعها أكثر استقرارا، ونسبة الأمية لا تتجاوز 2 في المائة، وغالبية القوة الشبابية في غزة من الحاملين للشهادات الجامعية والتكوين والهندسة، (أكثر من 25 ألف متخرج سنويا) كما أن كل المؤسسات المجتمعية طورت أشكال مختلفة للتعليم والتدريب المهني، كما تقوم المساجد والجمعيات الدينية بجهد محمود في تخريج حفظة القرآن، ولذلك يلاحظ الجميع سلاسة التعبير والحديث لدى أطفال غزة حتى، والقدرة على توجيه الرسائل.
يفهم المجتمع الفلسطيني في غزة خاصة الظروف المحيطة به، وكان هذا إحدى الأهداف المركزية للقيادة الفلسطينية القائمة على مشروع تكوين وتنشئة هذا الجيل المقاوم.قبل فترة قصيرة بثت على الانترنت تجربة اجتماعية في غزة، تتضمن انتقاء أطفال للمشاركة في مخيم صيفي، وكان من بين الأسئلة التي تطرح على الأطفال، أسئلة تتعلق بمراكز المقاومة ومناطق التدريب وكيفية تحرك أفرادها وغيرها، لكن الأطفال رفضوا بشدة وبشكل قاطع الرد على هذا النوع من الأسئلة ،وهذا جزء من فطنة وثقافة المكان والاحتراز الأمني المبكر ، حتى لدى أطفال لم يبلغوا سن الفهم السياسي.
بعد خمسة أشهر، دمر الاحتلال المباني والأحياء، ونسف الكثير من البنى التحتية، لكنه لم يتمكن من التوغل في النسق السياسي ولم ينجح في خلق تمرد شعبي ضد المقاومة، ولم يجد له ظهيرا أو سندا سياسيا ولا شعبيا في غزة، وهذا يعطي صورة واضحة على التشابك القياسي بين المقاومة وعمقها الشعبي، ولذلك تشكلت حالة مقاومة على المستوى العسكري، وحالة صمود إلى المستوى الشعبي، ظهر معها الكيان المحتل عاجزا عن تحقيق أي هدف من أهدافه التي رسمها ، بينما عززت القضية الفلسطينية موقعها وموقفها السياسي والأخلاقي والإنساني….
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
