قراءة ومتابعة : كوثر الفرجاني – مكتب طرابلس
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_من خلال الإبحار في لوحات الفنان التشكيلي الليبي مختار سالم دريرة، نجد انها تجربة تنطلق من وعي برموز وعناصر الفن القديم والمتجدد في ان واحد، وامتداداته في مختلف الفنون والعصور، وكأنه يبحث عن طابع فني مميز وجديد وخاص بشخصيته الليبية الفريدة من نوعها، والتي تتسم لأول وهلة بالبساطة، وكأنه ذاك الليبي الكادح البسيط في الواقع اليومي، وفي أخرى وكأنه ذلك الطرابلسي الارستقراطي والمعروف ب (البي)، من خلال طريقته في الكلام ونبرة صوته،
بالإضافة إلى (الكاريزما) الطرابلسية المهيبة، وكأن علاقة الفنان مختار سالم دريرة بالألوان مترسخة فيه منذ طفولته المبكرة، التي عاشها بين أروقة المدينة القديمة التي سكن فيها ومن ثم سكنته، فنمت فيه هذه الروح التي شكلت وصنعت هذه اللوحات، حيث الأزرق فبها عالم ملئ بالأشكال والأحلام والذكريات،
وهي تجسد إدراكه بتجليات ذاته روحيا وجسديا، فألوانه وخطوطه وتكويناته وإن جاءت متشبعة بالرموز والعناصر الفنية المبهمة إلى حد ما، إلا أنها تسبح في مفردات ذات علاقة بالطبيعة التي نما وكبر فيها وثراء ما تحمله من تشابه مع الشخصية والنفسية الليبية ، رغم ما في رؤاها من محاولات دوؤب للهروب من الصدام مع عنفوان كل ما هو غير ليبي، وما يعتمل في ذاته من تناقضات لربما بسبب انفتاح الفنان وميوله نحو كل ما هو حديث ومتجدد ، والتسلل إلى ممرات ودوائر ورموز وعلامات معقدة تنأى أحيانا عن كشف الذات وتجليها المباشر، لذا فإن لوحاته تحتاج دوما إلى المزيد من التأمل ومتابعة ما تفضي إلى تكويناتها من أبعاد ودلالات.
تشكيلات ودلالات
من خلال هذه التشكيليات أن صحت الكلمة، تتضح علاقته بالألوان المترسخة فيه منذ طفولته، فقد شاكسته ثم صحبته ليرسم ويشارك في العديد من المحافل الثقافية خارج القطر الليبي، كلما أتيحت له الفرصة في مراحل عمرية مختلفة،
عبر تكنيك بسيط و معقد في ذات الوقت وذلك عبر العشرات من المنمنمات المرسومة بعضها بالحبر ، وتحمل الأشكال العضوية التي تنمو بنفسها، وتسحب العين للتورط فيها، حيث تتراكب الأجزاء الصغيرة لتبني كلاً مجمعاً، بعناصر حميمية، يسهل تمييز بصمتها الأفريقية والعربية وحتى اللاتينية منها.
يواصل الفنان مختار دريرة رحلته الفنية الطويلة، من دون إيديولوجيا صارخة، ومن دون تشديد على عنصر المعاناة، بل على العكس برغبة دائمة للاحتفاء بالجمال، والاحتفال بالحياة وبأمل في التواصل مع الجمهور، الآخرين المعزول عنهم بجسده، معتمداً على تراثه الفني ومناهلة الكثيرة وعلى بساطته التي كانت هذه لحظة تحول مبكرة ، بدأ فيها بإدخال ثيمات بصرية تراثية ومحلية في لوحاته، وهو ما شد الجمهور للاهتمام بلوحاته التي تشبههم. كأنها محاولات للتجريب الفردي.
الشيخ والبحر
وتلفت الفنان الشيخ مختار دريرة إلى أن ألوان السماء والبحر، واللون الأزرق يسحره بدرجاته، إنه عالم ملئ بالأشكال والأحلام والذكريات، ونظرا لمولده بمدينة طرابلس ثم إقامته في عدة مدن ساحلية خارج ليببا أثناء تنقلاته وسفرانه، كانت لعناصر الشمس والبحر والسماء والغروب علاقة حميمة ووجدانية تثير مشاعره، جلوسه أمام البحر لساعات يسبح في خلق الله في بديع خلقه وألوانه،
ويرى الفنان مختار دريرة أن الشفافية اللونية والشفافية الخطية في لوحاته يمتزجان معا في حالة حوارية من الأشكال والرموز سواء الهندسية، النباتية، أو وسط حالة من التموج الخطي وتوزيعه في اللوحة وخلق قيم التوازن وعلاقة الكتلة بالفراغ وعلاقة الخطوط بالأشكال بالدوائر لتكون نسيجا شفافا يبوح عما بداخله من عالم يتوارى خلف الخطوط. تتراكب الخطوط وتمتد وتتكرر وتستمر في ليونه عبر اللوحة كلها لتحدث حالة من الرومانسية الحوارية للوصول إلى الهدف الذي غالبا ما يكون الشمس أو القمر والتي تنتشر منها جميع الخطوط والخيوط اللونية في إطار زخرفي بسيط يعتمد على حساسية الفنان وإدراكه للفراغ اللوني والخطي.
الأمر الذي أهله لاجتياز أصعب مرحلة وهي مواجهة الجمهور بهذا الكم المبهر من الشخوص والايقونات ذات الدلالات التي تركها للمتلقي يصول ويجول في رموز عناصرها المرتبطة بالمحيط الذي شكل تكوينه وروحه وأهمها بلا منازع البحر وكنوزه، وتوثقت العلاقة لتنتج عشرات اللوحات التي حملت غموضا أشبه بغموض البحر واسراره، والتي فك شفرتها باكواد من العبارات التي زعزعت كيانه فخرجت منها هذه الأيقونات، وهذه الشخوص، وكأن لكل عبارة حكاية، ولكل حكاية لوحة تحكيها، فجاءت تلك العبارات وهي تحوم حول كل لوحة وكأنها مفتاح يفتح بابها، أو تعويذة تفك طلسمها، رغم أنه مصر انه ضد فكرة الغموض في لوحاته، وذلك انطلاقا من اعتناقه لقيم الصدق والحق وضد تنميق الكلام ونفاقه.
رحلات ولوحات
يقول الفنان مختار سالم دريرة، أنه لم يدرس الفن وإنما يحمل ليسانس تاريخ وآثار، بالإضافة إلى دبلوم دراسات عليا بالعلوم السياسية،اشتغل سنوات بوزارة الخارجية الليبية، وهو ما صقل الرؤية الفنية لديه، وعززها، حيث كان الرسم والفن التشكيلي هاجس لديه منذ اخر الخمسينات بالقرن العشرين، ورافق العديد من الفنانين، وعاش مع تجاربهم، وزار اغلب متاحف دول العالم، وتمعن في اغلب معارض الفنانين العالميين مثل بيكاسو وسلفادور دالي، ورغم ذلك فهو ابن بيئته، ولد و ترعرع في ازقة المدينة القديمة، التي درس وتربى وسكن فيها، ولم يغادرها إلا عند سفره ومشاغله الدبلوماسية بالخارجية عبر سفارات ليبيا في عدة دول مختلفة، وإلى الآن لازال بيته فيها لم يغادرها حتى الآن، وحتى عندما خرج منها إلى أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا وشمالها، وبعد التقاعد اتخذ من مقر المكتبة الطرابلسية مقرا وملاذا، يقصي فيها كل وقته حيث تاريخيه وذكرياته وجذوره وانتماءه وبقيت المدينة القديمة كيان وهاجس ومن اكثر من أربعين عاما مارس الرسم وانناجه منها يصل إلى الآلاف منها، بجميع الاحجام.
هاجس التجدد والتفرد
لسويعة أو أقل، سرقنا الفنان مختار دريرة من جمهوره وعشاق فنه، ومحبيه، حيث يتمتع بشعبية لا يستهان بها خاصة رواد المكتبة الطرابلسية، ورواد المحافل الثقافية بميدان السيدة مريم، الذي يعج بالمراكز الثقافية، حيث تقابله دار اسكندر من جهة، وتجاوره دار كريستا من جهة أخرى، وحوش محمود بي، ودار الفقيه حسن، وحوس الحاراثي الذي اختضن معرضه مؤخرا، تلك الساعة كانت هي كلمة السر للولوج والنفاذ إلى عالم هذا الفنان المليء بكل ما هو متجدد ومتفرد.
فنون وشجون
حدثنا قائلا:
“تجربتي التشكيلية بدأت تتعرف على دربها أثناء الدراسة، حيث اتجهت إلى التمرين على الخامة ودراسة عناصر ورموز الفنون الإسلامية واليونانية والرومانية وركزت على الرسوم في جدران الكهوف اكاكوس كابسط مثال، وركزت على رموز الفن الليبي القديم واخترت منها ما يثير طاقتي الفنية كالسماء برموزها ونجومها والشمس والقمر والسمك والطيور ، استفزني جسد اللييي القديم على جدران المعابد من خلال الرموز والرسوم والكتابات، وكيف رسم الحيوان على شكله الآدمي وغيرها من الرموز.
مما جعلني أركز عليها في اغلب الرسومات التي رسمتها بقلم الرصاص أو قلم الحبر الجاف والخطاط والالوان المائية، وأصنع منها قصة مصدرها رحلة البحر اليومية، والمرتبطة بالشروق والميلاد والتجدد، فصورتها برسوم بسيطة تحكى من خلال مشاهد مرسومة ومكتوبة”.
السمك والحسك
ويضيف الفنان مختار دريرة قائلا:
“ظللت أبحث عن طابع فني مميز وجديد وخاص بشخصيتي، فوجدت في ملامح بشرية من ناحية قوة الملامح والعيون اللوزية السوداء والشعر الأسود، فصارت وجوههم تثيرني فنيا. ومازالت النباتات وزهرات نوار عشية والسماء والشمس والبحر والسمك وقباب الزوايا الصوفية رمز يحاورونني في كل لوحاتي، واللون الأزرق اللون البطل في كل قصائدي المرسومة، وقد طعمت الرسوم بالألوان الذهبية والفضية لأصل لحالة (التلألؤ) اللوني والمرايا العاكسة واللمعان والبريق المعدني وسط ألوان السماء والبحر، رسمت السمك والحسك على السواء لأنه مرتبط بالقوت اليومي، وحطمت الرسوم بخطوط طويلة وعرضية ودائرية منحنية ومنكسرة لإحداث حالة من التشابك في الألوان ومزج النسيج كله بخيوط من اللون الأبيض معا للدخول في عالم الأسرار، عالم مليء بالعناصر الخطية لإحداث شفافية خطية مع شفافية لونية، للوصول للعمق والبعد الثالث في اللوحة فمياه البحر شفافة والسماء شفافة، ومن هنا تتشكل في الإنسان روحه الشفافة الصافية كلون البحر الذي ينير لنا أرضه المليئة بالخيرات من الأسماك، وانعكاس ضوء الشمس على البحر يومئ بعوالم روحانية وألوان براقة تثير التفاؤل، فلا بد من توافق الروح مع الجسد.
مشاركات وعبادات
ويؤكد الفنان مختار دريزة أنه يفضل المشاركات الفنية بالمعارض ذات القيمة المحلية، وتحديدا في البراحات المتاحة في المدينة القديمة، لثقته في المنظمين والمشرفين داخل هذه الأمكنة، ذات الأروقة المغرقة في العراقة والأصالة، وهي نفسها تمثل الامتداد الروحي لكل ما يحاول أن يدونه أو يوثقه في لوحات يرسمها في لحظة شغف داهمته وهو متشبت بهذه القطعة من الأرض المطلة مباشرة على الأزرق.
ولأنه يكره حالة الفوضى الفنية المنتشرة وغير المنظمة، فإنه يفضل تحديد موضوع المشاركة والالتزام بالشروط المطلوبة ويهتم بطريقة العرض والرؤية الواضحة للوحات بشكل منظم، وليس به فوضى أو عدد كبير ومتناثر من اللوحات في كل مكان، فيختلط الحابل بالنابل ونضيع ثقافة وصول العمل الفني للمتلقي لإدراك القيمة الفنية بصورة واضحة ولائقة للعمل والفنان معا.
ويؤكد شيخ الفنانين أن الفن التشكيلي في ليبيا يحتاج رعاية من قبل وزارة الثقافة وهيئاتها المختلفة في البحث عن الموهوبين وتوفير الفرص لهم للمشاركة في المنتديات الفنية والرسمية ومن خلال المدارس والجامعات، حيث اعتبرت مادة الرسم والتربية الفنية من المواد الهامشية من قبل وزارة التربية والتعليم، الأمر الذي أدى إلى فساد وتدني الذوق العام لدى الأطفال والشباب، كذلك ضعف الكليات الفنية ونقابة الفنانين التشكيليين وأزمة إدارتها. الفنان التشكيلي نفسه ما لم تتوفر له الفرص في المشاركة في المعارض الفنية عن طريق الدعوة سيظل مدفونا تحت الأرض.
مسك الختام
وفي ختام لقاءنا مع الفنان الإنسان، العميق كبحر وبسيط كطفل، قائلا :
اترك اللوحة للمتلقي، يطلق أحكامه كيفما يشاء، وينصب المشانق أن شاء،إحساسه باللوحة هو المقياس الفعلي للتقييم والنقد، وأن المشاهد والمتلقي هو الحكم والخصم،
خاصة وأن أبرز ملامح المشهد التشكيلي حاليا تتمثل في الاهتمام بالمدارس الفنية الحديثة والمعاصرة والميل إلى التجريب بالخامة ومحاولة الخروج من القوالب الفنية الكلاسيكية بالنسبة للموضوعات والأسلوب الفني، فمالت الأعمال إلى الأفكار الجريئة التي تحدث صدمة أو دهشة في نفس المتلقي، ليتأثر بالعمل للحظة ثم يتدارك الفكرة ويبدأ في دراستها فلسفيا ولونيا وشكليا، فغالبا الكثير من الشباب الذي يقدم أفكاره بصورة مبهرة كالرسم على الجدران مباشرة، أو التشكيل بالنحت أو الخزف يقدم أفكاره في غاية الجمال تعتمد على نقطة ارتكاز غير تقليدي، أرى أن هناك طفرة في مجال النحت والتصوير والرسم الذي مازال للأسف الشديد يعاني من فقر فنانيه ومشاركاتهم المحدودة.
وكأنه من خلال وجهة النظر هذه بوضح رؤيته لحركة النقد التشكيلي في ليبيا والذي أكد فيها أن هناك العديد من النقاد على دراسة ودراية بمستوى ومفهوم الفن التشكيلي المعاصر ولكن ليسوا على الحياد، فالوساطة تتدخل بشكل كبير في تقييم الأعمال، وخاصة الأسماء الكبيرة والمشهورة مما يحول دون إتاحة الفرصة لصغار وشباب الفنانين على الرغم من أن لهم رؤية فنية منفردة وبصمة ورؤية معاصرة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
