الأثنين. مارس 9th, 2026
0 0
Read Time:1 Minute, 58 Second

  ** هيفاء الهادي ((ليبيا ))

شبكة  المدارالإعلامية الأوروبية…_ حين يرحل كاتب مثل هاني السعدي لا يبدو الأمر مجرد خبر وفاة عابر، بل كأن صفحة كاملة من الذاكرة الدرامية العربية تُطوى بهدوء. فالرجل لم يكن مجرد كاتب نصوص، بل صانع عوالم كاملة عاشت سنوات طويلة في بيوت الناس، وأصبحت جزءاً من ذاكرتهم اليومية.

وُلد هاني السعدي عام 1944 في فلسطين، قبل أن تستقر حياته في سوريا، حيث بدأ رحلته مع الفن ممثلاً وكاتباً. ومع السنوات أصبح اسماً بارزاً في الدراما العربية، خصوصاً في الأعمال التاريخية والبدوية التي أتقن صياغتها بحس حكائي قوي. كتب أعمالاً تركت أثراً واسعاً “الجوارح” أبو البنات وأبناء القهر ، وآخر الفرسان”، وهي مسلسلات لم تكن مجرد حكايات بدوية، بل سرداً درامياً عن الشرف والهوية والقبيلة والإنسان.

لكن المفارقة القاسية أن صاحب هذه الذاكرة الغنية بالحكايات انتهى به المطاف في مواجهة مرض الزهايمر؛ المرض الذي لا يهاجم الجسد بقدر ما يهاجم الذاكرة نفسها.

مؤلم أن نتخيل أن الكاتب الذي منح الشخصيات أسماءها وحياتها بدأ يفقد الكلمات واحدةً تلو الأخرى، وأن الحكايات التي ملأت رأسه سنوات طويلة بدأت تتلاشى في ضباب النسيان.

كان السعدي أيضاً أباً لعدد من البنات، وقد عرفه الجمهور من خلال ابنته الممثلة روعة السعدي، التي دخلت التمثيل وهي طفلة صغيرة. كثير من المشاهدين تعرّفوا إليها لأول مرة من خلال شخصية “نارة” الطفلة المشاكسة في مسلسل الفصول الأربعة، تلك الشخصية التي كبر معها جيل كامل من المشاهدين، وظلت مرتبطة في الذاكرة بخفة ظل الطفولة وبراءتها.

كان واضحاً أن الفن في بيت هاني السعدي لم يكن مجرد مهنة بل امتداداً عائلياً للحكاية.

ورغم نجاحاته الكثيرة، فإن السنوات الأخيرة من حياته كانت أكثر هدوءاً وحزناً؛ إذ عاش في ظلال المرض الذي أخذ منه الذاكرة تدريجياً. والزهايمر، كما يعرفه من عاش تجربة قريبة منه، لا يودّع الإنسان دفعة واحدة، بل يأخذه قليلاً قليلاً… ذكرى بعد أخرى، واسمًا بعد اسم.

ثم جاءت النهاية الأكثر وجعاً في هذه الحكاية؛ فبعد رحيله بعامٍ واحد فقط، لحقت به زوجته، رفيقة عمره الطويل. وكأن الحياة التي تقاسماها معاً لم تستطع أن تستمر طويلاً بعد غيابه، أو كأن القلب الذي اعتاد وجوده لم يتعلم كيف يعيش بدونه.

بعض القصص لا تحتاج إلى نهاية درامية كبيرة.

يكفي أن نعرف أن رجل الحكايات رحل، وأن المرأة التي شاركته العمر لحقت به بعد وقت قصير.

ويبقى شيء واحد فقط لا يرحل:

الكلمات التي كتبها.

فالذاكرة قد تخون أصحابها أحياناً…

لكنها نادراً ما تخون القرّاء والمشاهدين الذين عاشوا تلك الحكايات.   

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code