جاسم محمد
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_يشكل الهجوم الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران مطلع شهر مارس 2026 تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع الإقليمي، إذ انتقل من مرحلة حرب الظل والاشتباك غير المباشر عبر الساحات الوسيطة إلى مستوى أكثر وضوحاً ومباشرة. هذا التطور لا يعبّر فقط عن عملية عسكرية محدودة، بل عن محاولة لإعادة رسم معادلات الردع في الشرق الأوسط. المنطقة باتت أمام واقع جديد تحكمه حسابات أكثر حساسية، حيث تتقاطع الأبعاد العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاستراتيجية الدولية.
تبدو العملية، مرتبطة بكبح النظام الإيراني أكثر من كبح البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من بلوغ ما يُعرف بالعتبة النووية، في ظل تقديرات بأن أدوات الردع التقليدية والعقوبات الاقتصادية لم تعد كافية. تحمل الضربة بعداً يتعلق بإعادة ترميم الردع الإسرائيلي، في سياق عقيدة أمنية تقوم على منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرات استراتيجية تهدد تفوقها العسكري.الضربة الأمريكية تعكس بدورها رسالة أوسع مفادها أن واشنطن ما تزال قادرة على التحرك عسكرياً في الشرق الأوسط رغم انشغالها بملفات دولية أخرى. ولا يُستبعد أن يكون من بين الأهداف غير المعلنة التأثير على الداخل الإيراني، سواء عبر إضعاف صورة النظام أو اختبار مدى تماسك بنيته السياسية والأمنية.
ورقة مضيق هرمز ـ حسابات إيران وخيارات الرد
الخطاب الإيراني الرسمي وصف الهجوم بأنه انتهاك صارخ للسيادة الوطنية واعتداء يستوجب الرد. إلا أن طبيعة الرد تبدو خاضعة لحسابات دقيقة. إيران تمتلك طيفاً واسعاً من الأدوات، من الرد الصاروخي المباشر والمحدود، إلى التصعيد غير المباشر عبر حلفائها الإقليميين، مروراً باستهداف المصالح الأمريكية في الخليج أو العراق. يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يشكل حلقة الوصل الوحيدة بين الخليج العربي وخليج عُمان ثم بحر العرب والمحيط الهندي. وتكمن أهميته في موقعه الجغرافي الحاكم لحركة الطاقة العالمية، وفي كونه نقطة اختناق بحرية تتحكم في تدفق جزء كبير من صادرات النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق الدولية.
يقع مضيق هرمز بين الساحل الجنوبي لإيران شمالًا وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة جنوبًا. يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا تقريبًا، في حين لا يتجاوز عرض ممرات الملاحة المعتمدة دوليًا بضعة كيلومترات في كل اتجاه، ما يجعله ممرًا بحريًا ضيقًا نسبيًا قياسًا بحجم الحركة التي يشهدها. تخضع الملاحة فيه لنظام ممرين متعاكسين يفصل بينهما شريط أمان، وفق قواعد تنظيم المرور البحري الدولية. وتنتشر في محيطه جزر استراتيجية، بعضها يتبع لإيران، ما يضفي بعدًا جيوسياسيًا إضافيًا على السيطرة والمراقبة. طبيعة المضيق الضيقة نسبيًا، وعمقه المناسب لناقلات النفط العملاقة، جعلاه معبرًا لا غنى عنه لنقل الطاقة من حقول الخليج إلى العالم.
الأهمية الاقتصادية
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط يوميًا، إضافة إلى نسبة مهمة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من دولة قطر. وتعتمد اقتصادات آسيوية كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية بدرجة كبيرة على الطاقة العابرة من خلاله، كما تمثل إمداداته عنصرًا حاسمًا في استقرار أسواق الطاقة الأوروبية.أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز عالميًا، ويؤثر في سلاسل الإمداد والتضخم والنمو الاقتصادي. لهذا يُعد المضيق عنصرًا مركزيًا في حسابات أمن الطاقة الدولي، وتحتفظ الدول المستهلكة الكبرى بخطط طوارئ ومخزونات استراتيجية تحسبًا لأي إغلاق محتمل أو تعطيل جزئي. يشكل المضيق شريانًا تجاريًا عامًّا، إذ تمر عبره سفن الحاويات والبضائع المتجهة من وإلى موانئ الخليج، ما يمنحه دورًا يتجاوز الطاقة ليشمل التجارة الدولية بشكل أوسع.
الأهمية العسكرية والاستراتيجية
تنبع الأهمية العسكرية لمضيق هرمز من كونه نقطة اختناق بحرية يمكن نظريًا التأثير على الملاحة فيها بوسائل عسكرية تقليدية وغير تقليدية. قرب السواحل، وضيق المسار الملاحي، وانتشار القواعد البحرية والجوية في محيطه، كلها عوامل تجعل منه ساحة ذات حساسية أمنية عالية. تحتفظ إيران بقدرات بحرية وصاروخية في محيط المضيق، وتلوّح بين حين وآخر بإمكانية إغلاقه في حال تعرضها لتهديدات استراتيجية. في المقابل، تتمركز قوات بحرية دولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاؤها، في المنطقة لضمان حرية الملاحة وردع أي محاولات لتعطيل المرور البحري. كما تنخرط بعض الدول الأوروبية في مهام مراقبة وتأمين بحري، تعزيزًا للاستقرار ومنع التصعيد.
يُنظر إلى المضيق باعتباره ورقة ضغط جيوسياسية؛ فإغلاقه أو تهديد الملاحة فيه لا يعني مواجهة إقليمية فحسب، بل قد يفتح الباب أمام أزمة طاقة عالمية وتدخلات دولية واسعة. لذلك، يُعد الحفاظ على أمنه أولوية استراتيجية للدول المطلة عليه وللقوى الكبرى المستوردة للطاقة على حد سواء.
البعد القانوني والسياسي
من الناحية القانونية، يخضع مضيق هرمز لأحكام قانون البحار الدولي، الذي يكفل حق المرور العابر للسفن التجارية والعسكرية في المضائق الدولية. غير أن التوترات السياسية بين الدول المطلة عليه، والتنافس الإقليمي، يجعلان تطبيق هذه القواعد أحيانًا عرضة للاختبار في فترات الأزمات. سياسيًا، يمثل المضيق محورًا دائمًا في التوازنات بين إيران ودول الخليج، وفي العلاقات بين طهران والقوى الغربية. وأي تطور أمني فيه غالبًا ما يُقرأ ضمن سياق أوسع من الصراع على النفوذ الإقليمي وأمن الطاقة العالمي. يختزل مضيق هرمز في جغرافيته الضيقة أبعادًا استراتيجية عالمية واسعة. فهو ممر بحري حيوي يربط الخليج بالمحيط الهندي، وشريان رئيسي لتدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، ونقطة ارتكاز عسكرية وجيوسياسية ذات تأثير مباشر في استقرار الاقتصاد الدولي. لذلك ظل المضيق، ولا يزال، عنصرًا محوريًا في معادلات الأمن الإقليمي والعالمي، ومؤشرًا حساسًا لأي تغير في موازين القوى في الشرق الأوسط. شبكات تجسس إيرانية في أوروبا ـ إستهداف المعارضة وسرقة التكنلوجيا
تعود ورقة مضيق هرمز مجدداً إلى الواجهة كأداة ضغط استراتيجية. ورغم صدور تحذيرات وتلميحات مرتبطة بالملاحة، لم يصدر إعلان رسمي بإغلاق المضيق بشكل شامل. هذا يعكس إدراكاً إيرانياً بأن أي تعطيل كامل للممر البحري سيستدعي رداً دولياً واسعاً وقد يفتح الباب أمام مواجهة لا يمكن التحكم بمسارها. تسعى طهران إلى تحقيق معادلة دقيقة: الحفاظ على صورة الردع ، من دون الانجرار إلى حرب شاملة في ظل التفوق الجوي الأمريكي ـ الإسرائيلي الواضح.
هل اغلقت ايران سابقا مضيق هرمز؟
لم تقم إيران بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل في أي وقت من التاريخ الحديث، رغم أنها هددت بذلك مرات عديدة خلال فترات التوتر الإقليمي والدولي. ومع ذلك، شهد المضيق عدة حوادث وتوترات عسكرية أدت إلى تعطيل جزئي أو مخاطر مؤقتة على الملاحة، خاصة خلال بعض الأزمات الكبرى في منطقة الخليج. أبرز فترة شهدت تهديدًا فعليًا للملاحة كانت خلال الحرب العراقية الإيرانية ولا سيما في المرحلة التي عُرفت باسم” حرب الناقلات” في منتصف الثمانينيات. خلال تلك الفترة استهدفت إيران والعراق ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج، في محاولة للضغط الاقتصادي على الطرف الآخر وعلى داعميه. لم يُغلق المضيق رسميًا، لكنه أصبح منطقة عالية الخطورة للملاحة البحرية، ما دفع العديد من الدول إلى إرسال قوات بحرية لحماية السفن التجارية.
ومن أبرز الأحداث المرتبطة بتلك المرحلة قيام الولايات المتحدة بإطلاق عملية عسكرية لحماية ناقلات النفط الكويتية التي أعيد تسجيلها تحت العلم الأمريكي، وهي عملية عُرفت باسم Operation Earnest Will. كما وقعت مواجهات بحرية محدودة بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج، أبرزها عملية Operation Praying Mantis، التي جاءت بعد إصابة سفينة أمريكية بلغم بحري. وفي السنوات اللاحقة، خصوصًا منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كررت إيران التهديد بإغلاق المضيق ردًا على العقوبات الدولية أو التوترات مع الغرب. إلا أن هذه التهديدات بقيت في إطار الردع السياسي والاستراتيجي ولم تتحول إلى إغلاق فعلي للممر البحري، وذلك بسبب الكلفة العسكرية والاقتصادية العالية لمثل هذه الخطوة، ولأنها قد تؤدي إلى تدخل دولي واسع لضمان حرية الملاحة.
يمكن القول إن مضيق هرمز ظل مفتوحًا للملاحة الدولية حتى في أكثر فترات التوتر حدة، لأن إغلاقه الكامل يُعد تصعيدًا استراتيجيًا كبيرًا قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة ويهدد الاقتصاد العالمي، نظرًا لأهميته الحيوية في نقل جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
الانعكاسات الإقليمية وساحات التوتر
التطورات الحالية تضع دول الخليج في موقع حرج، إذ تسعى هذه الدول إلى احتواء التصعيد خشية امتداد الضربات إلى أراضيها أو منشآتها النفطية. في المقابل، تبدو ساحات مثل لبنان والعراق وسوريا مرشحة لأن تتحول إلى ميادين تصعيد غير مباشر، بما يعيد تفعيل منطق “الحروب بالوكالة”. أسواق الطاقة تبقى أحد أكثر المتأثرين حساسية، أي تهديد فعلي للملاحة في مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة ويؤثر على الاقتصاد العالمي، ما يضفي بعداً دولياً واسعاً على الأزمة يتجاوز حدود الصراع المباشر.
الموقف الأمريكي والردع المشروط
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ركزت على تبرير الضربة بوصفها إجراءً وقائياً لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، مع التأكيد أن العملية محدودة ولا تستهدف إسقاط النظام بشكل مباشر. في الوقت ذاته، حمل الخطاب تحذيراً واضحاً من أي رد إيراني واسع، مع التلويح برد أقسى في حال استهداف القوات أو المصالح الأمريكية. الرسالة الأمريكية تبدو قائمة على إعادة تثبيت الردع من دون الانخراط في حرب طويلة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ولكن من موقع قوة. وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل حول ما إذا كان ترامب يراهن على وجود قيادة معارضة إيرانية يمكن التواصل معها. من الناحية السياسية، قد يشكل هذا الرهان أداة ضغط نفسية وسياسية على النظام، لكنه يصطدم بواقع معارضة تعاني من التشتت وضعف الحضور الداخلي، فضلاً عن أن أي تواصل علني قد يمنح طهران ذريعة لتشويه خصومها واتهامهم بالارتهان للخارج.
المواقف الأوروبية تجاه الهجوم الأمريكي على إيران: بين القلق الاستراتيجي وحدود النفوذ
تتعامل أوروبا مع الأزمة بحذر واضح، فهي من جهة معنية بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومن جهة أخرى تخشى انفجاراً إقليمياً يهدد أمن الطاقة ويزيد من مخاطر الإرهاب والهجرة. الخطاب الأوروبي العام يركز على خفض التصعيد، حماية الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على نظام عدم الانتشار النووي.في هذا السياق، عبّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن دعم الأهداف الاستراتيجية المتعلقة بكبح البرنامج النووي الإيراني، لكنه أقر في الوقت نفسه بحجم المخاطر وعدم اليقين الذي يكتنف المرحلة. المادة 42 الفقرة 7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، المعروفة ببند الدفاع المتبادل، تنطبق حصريًا على الدول الأعضاء داخل الاتحاد، وهذا يعني ان تقديم أوروبا الدعم الى حليفاتها خاصة الدول الخليجية يعتمد على المواصيق الثنائية.
ألمانيا : برلين شددت على ضرورة التنسيق مع الشركاء الأوروبيين والأطلسيين، وعلى مراقبة أي تهديدات محتملة للأمن الداخلي، بما في ذلك النشاطات الاستخباراتية الإيرانية في أوروبا. عبّر المستشار الألماني عن موقف يقوم على دعم أمن إسرائيل وحقها في الحماية، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة تجنب أي خطوات توسّع دائرة الحرب. ألمانيا تنظر إلى الأزمة من زاويتين متوازيتين: الأولى أمنية تتعلق بمنع امتلاك إيران سلاحاً نووياً، والثانية اقتصادية ترتبط بحساسية الأسواق الأوروبية تجاه أي اضطراب في إمدادات الطاقة.
منذ الساعات الأولى للهجوم الأمريكي على إيران، بدا الموقف الأوروبي حذراً ومتوازناً، يجمع بين تفهم المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وبين القلق العميق من اتساع رقعة المواجهة. العواصم الأوروبية تدرك أن أي تصعيد واسع في الخليج أو المشرق لن يبقى حدثاً إقليمياً، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة والاستقرار السياسي والأمني داخل القارة.
بروكسل : أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن التطورات مقلقة للغاية، داعية إلى ضبط النفس ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وشددت على أهمية حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، معتبرة أن منع الانتشار النووي يظل هدفاً أساسياً، لكن تحقيقه يجب ألا يقود إلى انفجار إقليمي واسع. هذا الخطاب يعكس جوهر المقاربة الأوروبية: دعم مبدأ الردع النووي، ولكن ضمن إطار دبلوماسي وقانوني.
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أشار بدوره إلى ضرورة تنسيق أوروبي موحد في ظل الأزمة، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي معني مباشرة بتداعياتها، سواء على مستوى الطاقة أو الأمن الداخلي. هذا التركيز على البعد المؤسسي يعكس إدراكاً أوروبياً بأن الانقسامات الداخلية ستضعف قدرة الاتحاد على التأثير في مسار الأحداث.
فرنسا : في باريس، اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون موقفاً يحذر من الانزلاق إلى حرب مفتوحة، مشدداً على أن الحل المستدام لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، بل يتطلب مساراً سياسياً واضحاً. فرنسا، التي لطالما لعبت دوراً نشطاً في الملف النووي الإيراني، ترى في التصعيد الحالي خطراً على كل ما تبقى من منظومة الحد من الانتشار، وعلى استقرار شرق المتوسط والخليج.
المملكة المتحدة: تبنت خطاباً قريباً من هذا التوازن، حيث أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أهمية منع إيران من تطوير قدرات نووية عسكرية، لكنه دعا أيضاً إلى ضبط النفس والعمل عبر القنوات الدبلوماسية. لندن تدرك أن أي تصعيد في الخليج قد يهدد المصالح البريطانية وقواعدها العسكرية في المنطقة، ما يجعلها حريصة على احتواء المواجهة.
إيطاليا : في روما، عبّرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني عن دعمها لمبدأ الردع، لكنها أكدت ضرورة العمل مع الشركاء الأوروبيين والأطلسيين لتفادي توسع الصراع. إيطاليا، بحكم موقعها الجغرافي واعتمادها النسبي على واردات الطاقة، تنظر إلى الأزمة من زاوية تأثيرها المباشر على الاستقرار المتوسطي.
إلى جانب المواقف الرسمية، عبّر عدد من الخبراء الأوروبيين في مراكز الأبحاث عن قلقهم من أن يؤدي التصعيد إلى إضعاف الدور الأوروبي . بعضهم يرى أن الهجوم الأمريكي قد يكرس تهميش الاتحاد الأوروبي.. أوروبا تجد نفسها في معادلة صعبة: فهي لا تريد انهيار الردع أمام إيران، لكنها تخشى أن يؤدي الخيار العسكري إلى تقويض الاستقرار الإقليمي ورفع أسعار الطاقة بشكل يفاقم الضغوط الاقتصادية داخلها. أن وأي تصعيد طويل الأمد قد يزيد من مخاطر الهجرة غير النظامية والتطرف، وهي ملفات حساسة في الداخل الأوروبي.
يمكن توصيف الموقف الأوروبي بأنه محاولة لإدارة التوازن بين الواقعية الأمنية والنهج الدبلوماسي. أوروبا لا تعارض مبدأ منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنها تفضّل أن يتم ذلك ضمن إطار تفاوضي مدعوم بالضغط السياسي والاقتصادي، لا عبر مسار عسكري مفتوح. ويبقى التحدي الأكبر أمام القارة هو قدرتها على ترجمة هذا الموقف إلى تأثير فعلي في مسار الأزمة، في ظل هيمنة القرار العسكري والسياسي للقوى الكبرى على مجريات الأحداث.
المشهد الحالي:المشهد الحالي يراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية: احتواء سريع عبر رد إيراني محدود يتبعه تحرك دبلوماسي، أو تصعيد متدرج من خلال جولات ضربات متبادلة دون حرب شاملة، أو انزلاق إلى مواجهة مفتوحة تشمل ضربات أوسع على البنية العسكرية الإيرانية وتدخل أطراف إضافية.
التقديرات في المدى القصير تشير إلى سعي جميع الأطراف لتجنب حرب شاملة مع الحفاظ على هامش رد يحفظ ماء الوجه. الولايات المتحدة وإسرائيل تهدفان إلى ردع لا إلى احتلال، وإيران تميل إلى رد محسوب لا يمنح خصومها مبرراً لتوسيع الحرب. غير أن الخطر الأكبر يكمن في سوء التقدير، إذ قد يؤدي خطأ تكتيكي أو استهداف واسع النطاق إلى إطلاق سلسلة ردود متتابعة تخرج عن السيطرة.
الهجوم يمثل لحظة مفصلية في توازنات الشرق الأوسط. المنطقة تعيش حالياً حالة تصعيد أكثر من كونها حرباً مفتوحة، لكن هذا التوازن هش بطبيعته. العامل الحاسم لن يكون فقط في حجم القوة المستخدمة، بل في قدرة الأطراف على إدارة الردع ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة تعيد تشكيل النظام الإقليمي برمته. السؤال المركزي يبقى: هل ينجح الردع في البقاء تحت السيطرة، أم أن ديناميات التصعيد ستفرض واقعاً جديداً يتجاوز حسابات جميع الأطراف؟
ما إذا كان حلف” الناتو”وأوروبا سيقومان بحماية الدول الإقليمية التي توجد على أراضيها قواعد عسكرية غربية؟
في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كان حلف شمال الأطلسي وأوروبا سيقومان بحماية الدول الإقليمية التي توجد على أراضيها قواعد عسكرية غربية.
يظل مبدأ الدفاع الجماعي في الناتو مرتبطاً حصراً بالدول الأعضاء، إذ تنص المادة الخامسة من معاهدة واشنطن على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على جميع الأعضاء. غير أن هذا الالتزام لا ينطبق تلقائياً على الدول غير الأعضاء، حتى وإن كانت تستضيف قواعد عسكرية تابعة لدول أطلسية. وبالتالي، فإن استهداف دولة إقليمية غير عضو لا يعني بالضرورة دخول الحلف في مواجهة مباشرة، ما لم تتعرض أراضي دولة عضو لهجوم مباشر أو يُتخذ قرار سياسي جماعي داخل الحلف بتوسيع نطاق الرد.
أما في حال استهداف قاعدة عسكرية تابعة لدولة أوروبية أو للولايات المتحدة داخل دولة إقليمية، فإن الدولة المالكة للقوات تحتفظ بحق الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، وقد تطلب دعماً من الحلف. لكن تفعيل آلية الدفاع الجماعي يظل رهناً بتقدير سياسي وإجماع بين الدول الأعضاء، وهو ما يجعل أي رد أطلسي مشروطاً بحسابات أوسع تتعلق بمخاطر التصعيد وتوازن الردع.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن بند التضامن الدفاعي ( المادة 42 ) المنصوص عليه في معاهدة لشبونة يقتصر أيضاً على الدول الأعضاء. وعليه، فإن حماية الدول الإقليمية غير الأعضاء تعتمد أساساً على اتفاقيات ثنائية، أو ترتيبات أمنية مباشرة، أو انتشار عسكري قائم لحماية المصالح والقوات الأوروبية، وليس على التزام دفاعي شامل.
سياسياً: يمكن القول إن الناتو وأوروبا يركزان أولاً على حماية قواتهما ومصالحهما الحيوية، خصوصاً سلامة الممرات البحرية وأمن الطاقة واستقرار مناطق الانتشار العسكري. أما مسألة حماية الدول الإقليمية بشكل كامل، فتظل خاضعة لطبيعة العلاقات الثنائية، ومستوى التهديد، ومدى استعداد العواصم الغربية لتحمل كلفة الانخراط في مواجهة أوسع. وبالتالي، فإن أي تحرك دفاعي محتمل سيكون مدروساً ومحدوداً، ما لم يتحول التصعيد إلى تهديد مباشر للأراضي الأوروبية أو لمصالح استراتيجية كبرى.
سيناريو الفوضى الممتدة: بين غياب البديل واستدامة الاستنزاف: يُطرح في بعض التحليلات سيناريو يقوم على أن الضربات العسكرية والضغوط المتصاعدة قد لا تؤدي إلى تغيير سياسي حاسم داخل إيران، بل إلى حالة فوضى ممتدة منخفضة الحدة. هذا التقدير يستند إلى معطى أساسي يتمثل في غياب معارضة موحَّدة وقادرة على تقديم بديل منظم يحظى بشرعية داخلية كافية لإدارة مرحلة انتقالية. فالمعارضة الإيرانية، على تنوع أطيافها، تعاني من تشتت تنظيمي واختلافات أيديولوجية، كما أن حضورها الميداني داخل البلاد يبقى محدوداً مقارنة بقدرة مؤسسات الدولة، خصوصاً الأمنية والعسكرية.
في المقابل، لا تبدو فرضية الانقلاب العسكري الداخلي مرجحة في المدى المنظور، نظراً لتماسك البنية الأمنية وترابط المصالح بين مراكز القوة داخل النظام. هذا الواقع يحدّ من احتمالات التغيير السريع أو الانهيار المفاجئ، لكنه لا يمنع تآكل الاستقرار تدريجياً تحت ضغط العقوبات والضربات المحدودة والتوترات الداخلية. وهنا يبرز احتمال تحول المشهد إلى ما يمكن وصفه بـحرب استنزاف مفتوحة، حيث لا حسم عسكرياً ولا انتقالاً سياسياً، بل تصعيد متقطع يرهق الأطراف ويُبقي البلاد في حالة تعبئة دائمة.
إن استمرار هذا النمط من المواجهة قد يدفع إيران إلى توسيع أدوات الضغط غير المباشر، سواء عبر الساحات الإقليمية أو عبر التلويح بورقة الممرات البحرية الحيوية. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، قد تتكاثر بؤر التوتر في الإقليم، من الخليج إلى المشرق، ما يضاعف احتمالات الاحتكاك غير المقصود بين قوى إقليمية ودولية. هذه البيئة الضبابية ترفع مستوى المخاطر الأمنية، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على النظام الدولي ككل.
اقتصادياً: يبقى قطاع الطاقة الأكثر حساسية لهذا السيناريو. فمجرد استمرار التهديدات للملاحة أو المنشآت النفطية كفيل بإبقاء الأسواق في حالة قلق دائم، ما ينعكس في ارتفاع الأسعار وتقلبها. ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على الدول المستوردة، بل قد يفاقم معدلات التضخم العالمية ويضغط على اقتصادات تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية. وهكذا يتحول الصراع من مسألة جيوسياسية إقليمية إلى عامل مؤثر في الاستقرار الاقتصادي الدولي.
أمنياً: قد يؤدي تمدد الاستنزاف إلى تصاعد التهديدات غير التقليدية، من هجمات سيبرانية إلى عمليات أمنية غير مباشرة تستهدف مصالح غربية أو خطوط إمداد استراتيجية. ومع كل جولة تصعيد، يرتفع خطر سوء التقدير أو الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة أوسع.
بذلك، فإن سيناريو الفوضى في إيران لا يعني بالضرورة انهيار الدولة، بل احتمال دخولها في مرحلة اضطراب طويل الأمد، تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع المواجهات الخارجية، وتنعكس تداعياتها على أمن الإقليم واستقرار الاقتصاد العالمي. التحدي الأساسي في هذا المسار لا يكمن في لحظة الانفجار، بل في إدارة تداعيات الاستنزاف المستمر ومنع تحوله إلى حالة عدم استقرار مزمنة تتجاوز حدود إيران إلى النظام الإقليمي والدولي برمته.
احتمالات الحرب: مفتوحة أم محدودة أم استنزاف طويل؟
الحديث عن إعلان حرب رسمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يختلف عن واقع المواجهة الفعلي. في السياق الحالي، قد لا يكون هناك إعلان حرب تقليدي، لكن ذلك لا يمنع نشوء حالة حرب فعلية بحكم تبادل الضربات واتساع رقعة الاشتباك. السؤال الأهم لا يتعلق بإعلان الحرب بقدر ما يتعلق بطبيعتها ومدتها وحدودها. الحرب المفتوحة تعني انخراطاً عسكرياً واسعاً يشمل ضربات مكثفة للبنية العسكرية والاقتصادية، وربما استهداف مراكز القيادة والمنشآت الاستراتيجية، مع احتمال توسع العمليات إلى أكثر من ساحة. هذا السيناريو يظل ممكناً إذا تجاوز الرد الإيراني سقفاً تعتبره واشنطن أو تل أبيب تهديداً وجودياً، كاستهداف مباشر واسع للقوات الأمريكية أو تعطيل فعلي طويل الأمد للملاحة في الخليج.
لكن كلفة هذا الخيار مرتفعة على جميع الأطراف. الولايات المتحدة لا تبدو معنية بحرب برية طويلة في الشرق الأوسط، وإسرائيل تدرك أن مواجهة شاملة قد تفتح جبهات متعددة. في المقابل، إيران تدرك أن الحرب المفتوحة ستعرّض بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية لضربات قاسية في ظل تفوق جوي وتقني واضح لخصومها. لذلك، يبقى هذا السيناريو مرتبطاً بسوء تقدير كبير أو تصعيد غير محسوب.
هل نحن أمام حرب استنزاف؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال استمرار التصعيد هو حرب استنزاف ممتدة منخفضة الحدة. هذا النمط يقوم على ضربات متبادلة محدودة، وهجمات غير مباشرة، وضغوط اقتصادية وأمنية، دون الوصول إلى مواجهة شاملة. في هذا الإطار، قد تتوسع ساحات التوتر إلى لبنان أو العراق أو الخليج، مع بقاء العمليات تحت سقف معيّن يمنع الانفجار الكامل. حرب الاستنزاف تتيح لكل طرف الحفاظ على صورة الردع على مستوى وطني، لكنها تستنزف الموارد تدريجياً وتُبقي المنطقة في حالة توتر دائم. كما أنها ترفع مخاطر الاحتكاك غير المقصود، حيث قد يؤدي خطأ تكتيكي إلى تصعيد سريع خارج نطاق السيطرة.
هل ستكون حرباً طويلة؟
إذا انزلقت المواجهة إلى نمط الاستنزاف، فمن المرجح أن تكون طويلة نسبياً، لأن أياً من الأطراف لا يملك حافزاً للتراجع السريع من دون مكسب سياسي واضح. طول أمد الصراع لن يكون بالضرورة على شكل معارك يومية مكثفة، بل عبر موجات متقطعة من التصعيد يعقبها هدوء نسبي، ثم عودة التوتر. أما في حال اندلاع حرب مفتوحة واسعة، فقد تكون قصيرة وعنيفة في مرحلتها الأولى، نظراً لكثافة الضربات الجوية، لكنها قد تتحول لاحقاً إلى صراع أطول إذا توسعت ساحاته أو انخرطت أطراف إقليمية إضافية.
المعطيات الحالية تشير إلى أن جميع الأطراف تفضّل تجنب حرب شاملة طويلة، لكنها مستعدة لخوض مواجهة محدودة أو استنزاف مدروس إذا اعتُبر ذلك ضرورياً لحماية الردع. الخطر الأكبر لا يكمن في قرار واعٍ بإشعال حرب مفتوحة، بل في دينامية التصعيد المتبادل التي قد تجعل الحرب تتدحرج تدريجياً من مواجهة محدودة إلى صراع أوسع. الاحتمال الأقرب هو بقاء المواجهة ضمن إطار تصعيد أو استنزاف متقطع، مع بقاء احتمال الحرب المفتوحة قائماً إذا اختل ميزان الردع أو وقع حدث كبير يفرض واقعاً جديداً على الجميع.
أهمية الدعم الأوروبي للدفاعات الجوية الخليجية كخطوة استباقية لحماية الأمن القومي الأوروبي
في ظل تصاعد التهديدات الصاروخية وتنامي استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات الإقليمية، برزت مسألة تعزيز الدفاعات الجوية في دول الخليج بوصفها أولوية لا تقتصر على الأمن المحلي لتلك الدول، بل تمتد في أبعادها الاستراتيجية إلى صميم الأمن القومي الأوروبي. فالتعاون الدفاعي الذي تقدمه دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا لشركائها في الخليج لم يعد يُقرأ فقط في إطار الشراكات الثنائية، بل باعتباره استثمارًا وقائيًا يحمي المصالح الأوروبية الحيوية قبل أي طرف آخر.
تدرك أوروبا أن أمن الطاقة لديها مرتبط بصورة مباشرة باستقرار منطقة الخليج. فجزء مهم من واردات النفط والغاز يمر عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. أي تصعيد عسكري يهدد البنية التحتية للطاقة أو يعطل حركة الملاحة سيؤدي إلى اضطرابات فورية في الأسواق الأوروبية، وارتفاع في الأسعار، وضغوط اقتصادية قد تنعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل القارة.
من هذا المنظور، فإن دعم الدفاعات الجوية الخليجية ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدة المدى يُعد خطوة استباقية تمنع انتقال التهديد من الإطار الإقليمي إلى الدائرة العالمية. فكلما كانت المنشآت النفطية ومحطات التصدير والموانئ محمية بشكل فعال، تقل احتمالات حدوث صدمات في الإمدادات أو انقطاع مفاجئ في التدفقات التجارية. وبذلك يتحقق هدف مزدوج: تعزيز أمن الشركاء الخليجيين، وتحصين الأمن الاقتصادي الأوروبي في آن واحد.
أن حماية الملاحة البحرية تمثل بعدًا أساسيًا في الحسابات الأوروبية. فحرية المرور في الخليج والبحر الأحمر لا تتعلق فقط بواردات الطاقة، بل أيضًا بحركة التجارة الدولية التي تعتمد عليها الصناعات والأسواق الأوروبية. ومن هنا، فإن أي مساهمة أوروبية في أنظمة الإنذار المبكر أو أنظمة الدفاع الجوي أو التكامل المعلوماتي مع الدول الخليجية تعني تقليل مخاطر استهداف السفن والمنشآت الساحلية، وبالتالي تقليص احتمالات التصعيد البحري الذي قد يستدعي تدخلًا أوسع وأكثر كلفة.
إلى جانب البعد الاقتصادي، هناك بعد استراتيجي أعمق يتمثل في منع ترسيخ سابقة استخدام الصواريخ والمسيّرات كأداة ضغط جيوسياسي فعّالة. فإذا تُركت هذه التهديدات دون ردع تقني فعال، فقد تتوسع أنماط استخدامها لتشمل نطاقات جغرافية أوسع، بما فيها مناطق أقرب إلى أوروبا نفسها. لذلك ترى بعض الدوائر الأوروبية أن بناء “حزام دفاعي” تقني في جوار مصادر الطاقة هو أقل كلفة وأقل خطورة من التعامل مع أزمات متفجرة لاحقًا.
ولا يمكن إغفال البعد الصناعي والتقني، إذ إن التعاون في مجال الدفاع الجوي يفتح مجالات للتكامل الصناعي وتطوير أنظمة مشتركة، ما يعزز القدرات الأوروبية الذاتية في مواجهة التهديدات الحديثة. وبهذا المعنى، فإن دعم الدفاعات الجوية الخليجية يتحول إلى عنصر ضمن رؤية أوسع للأمن الأوروبي المشترك، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية.
لا يُنظر إلى الدعم الأوروبي للدفاعات الجوية في الخليج باعتباره خدمة أمنية لطرف خارجي فحسب، بل كخطوة وقائية تحمي سلاسل الإمداد والطاقة والملاحة التي يقوم عليها الاستقرار الأوروبي. إنه استثمار في منع الأزمات قبل وقوعها، وفي تقليل احتمالات انتقال الصراع إلى مساحات تمس مباشرة الأمن والاقتصاد الأوروبيين، وهو ما يجعل هذا التعاون جزءًا من استراتيجية استباقية شاملة، لا مجرد تضامن سياسي أو عسكري عابر.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
