شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود وتفاقم التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف في أوروبا من دخول مرحلة جديدة من أزمة طاقة قد تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد وسلوك التنقل اليومي للمواطنين.
ومع هذه التطورات، تجد الحكومات نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على استقرار الإمدادات من جهة، وتقليص الاستهلاك بسرعة من جهة أخرى، دون إرباك النشاط الاقتصادي.
في هذا السياق، تتجه عدة دول أوروبية إلى دراسة حزمة من الإجراءات قصيرة المدى تهدف إلى خفض استهلاك الوقود، من بينها تشجيع العمل عن بعد، تقليص السرعات على الطرق السريعة، وتعديل أنماط التنقل اليومية.
في ألمانيا، على سبيل المثال، يكتسب اقتراح العمل من المنزل لمدة تصل إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا دعمًا متزايدًا، باعتباره وسيلة مباشرة لتقليل حركة التنقل وبالتالي خفض استهلاك الوقود في النقل اليومي.
وفي موازاة ذلك، يناقش عدد من الحكومات الأوروبية سياسات أكثر صرامة على الطرق السريعة، حيث يُنظر إلى خفض السرعة كأداة فعالة وسريعة الأثر.
وتشير بيانات وتحليلات مستندة إلى دراسات صادرة عن وكالة الطاقة الدولية، ونادي السيارات الألماني ADAC، والمنظمة الهولندية للبحوث التطبيقية TNO، وجامعة دلفت للتكنولوجيا، إلى أن كل انخفاض قدره 10 كم/ساعة في سرعة القيادة على الطرق السريعة يمكن أن يؤدي إلى خفض استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 5 و10%.
أما في حال خفض السرعة من 130 كم/ساعة إلى 100 كم/ساعة، وهو سيناريو مطروح في عدة دول، فقد يصل الانخفاض في الاستهلاك إلى ما بين 15 و25%.
cid:frame-3571BE8CC0A8588049B98321225A81F5@mhtml.blink وتُظهر هذه الأرقام أن التدابير التنظيمية على السرعة قد تكون من أكثر الوسائل فعالية على المدى القصير في إدارة الطلب على الوقود.
أثر هذه الإجراءات على السائق الفردي
عند إسقاط هذه المعطيات على السائق العادي، تتضح الصورة بشكل أدق. فالسائق الذي يقطع نحو 25 ألف كيلومتر سنويًا يستهلك في المتوسط حوالي 1610 لتر من البنزين أو 1397 لتر من الديزل سنويًا، وفق متوسطات الاستهلاك الأوروبية.
وبناءً على الأسعار الحالية في بلجيكا، فإن ذلك يعادل تكلفة سنوية تقارب 3000 يورو للبنزين ونحو 3050 يورو للديزل.
في هذا الإطار، فإن خفض الاستهلاك بنسبة 1% فقط يعني توفيرًا يقارب 30 يورو سنويًا، بينما يؤدي خفض بنسبة 3% إلى توفير يناهز 90 يورو، وقد يصل إلى 150 يورو في حال بلوغ نسبة 5%. أما إذا ارتفعت نسبة التوفير إلى 10%، فقد يتجاوز الوفر السنوي 300 يورو للسائق الواحد.
لكن تأثير السياسات الحكومية لا يقتصر على السرعة فقط. فهناك مجموعة من التدابير السلوكية والتقنية التي يمكن أن تُحدث فارقًا ملموسًا في الاستهلاك دون الحاجة إلى تغييرات كبيرة في البنية التحتية.
إجراءات القيادة والصيانة: وفورات مباشرة
تؤكد المفوضية الأوروبية ونادي السيارات الألماني ADAC أن الحفاظ على ضغط الإطارات الصحيح يمكن أن يقلل استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 3 و5%. ويرجع ذلك إلى تقليل مقاومة التدحرج، ما يخفف العبء على المحرك أثناء القيادة.
وبذلك، يمكن للسائق تحقيق وفر سنوي يتراوح بين 90 و150 يورو تقريبًا، دون أي تغيير في نمط القيادة اليومي، باستثناء الصيانة الدورية.
إضافة إلى ذلك، تلعب أنظمة الملاحة الحديثة دورًا متزايد الأهمية، إذ توفر مسارات “اقتصادية” تقلل من التوقفات المتكررة والإشارات الضوئية، ما يحد من التسارع والكبح المتكرر، وهما من أكثر العوامل استهلاكًا للوقود. وتشير التقديرات إلى أن هذا النوع من القيادة قد يحقق توفيرًا يتراوح بين 3 و8%، أي ما يعادل 90 إلى 240 يورو سنويًا.
الديناميكا الهوائية: عامل غير مباشر لكنه مؤثر
من العوامل التي غالبًا ما يتم إغفالها تأثير مقاومة الهواء على استهلاك الوقود، فالأحمال الخارجية مثل صناديق السقف، وحوامل الدراجات، والأمتعة الإضافية تزيد من مقاومة الهواء بشكل ملحوظ، خاصة عند السرعات العالية على الطرق السريعة.
وتشير اختبارات نادي السيارات الألماني ADAC إلى أن هذه الإضافات يمكن أن ترفع استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 5 و10%. وبذلك، فإن تجنب استخدامها عند عدم الحاجة قد يوفر ما بين 150 و300 يورو سنويًا لكل سائق.
الأثر التراكمي للتدابير الفردية
عند دمج هذه الإجراءات—من ضغط الإطارات، إلى تحسين أسلوب القيادة، إلى تقليل مقاومة الهواء—يمكن تحقيق خفض إجمالي في استهلاك الوقود يتراوح بين 10 و15%.
وهذا يعني وفورات سنوية محتملة تتراوح بين 300 و450 يورو لكل سائق، وهو رقم غير بسيط عند النظر إليه على نطاق ملايين السائقين.
لكن رغم أهمية هذه الوفورات الفردية، يبقى تأثيرها محدودًا على المستوى الكلي إذا لم ترافقها سياسات أوسع تشمل النقل العام، والتحول الطاقي، وإعادة تنظيم أنماط التنقل الحضري.
يوم بلا سيارات: أثر رمزي أكثر من كونه اقتصاديًا
تُطرح أيضًا فكرة “يوم بلا سيارات” شهريًا كإجراء توعوي يهدف إلى تقليل الاستهلاك.
وتشير بيانات التنقل إلى أن حركة المرور يوم الأحد أقل بنسبة 35 إلى 40% مقارنة بأيام الأسبوع، ما يعني انخفاضًا طبيعيًا في الاستهلاك خلال هذا اليوم.
لكن الدراسات المتعلقة بالسلوك التنقلي تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الرحلات لا يُلغى فعليًا، بل يُعاد جدولته إلى أيام أخرى، ما يقلل من الأثر الصافي للإجراء.
وبحسب التقديرات، لا يتجاوز التوفير الفعلي 20% من استهلاك اليوم المستهدف، ما يعادل أثرًا سنويًا محدودًا لكل سائق يتراوح بين 12 و14 يورو تقريبًا.
وبناءً على ذلك، يُنظر إلى هذا النوع من المبادرات باعتباره أداة رمزية وتوعوية أكثر من كونه حلًا اقتصاديًا مباشرًا لأزمة الوقود.
وكالات
