شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في محاولة لإعادة هيكلة منظومة العمل البلجيكية بشكل أكثر شمولًا وإنصافًا، أعلنت الحكومة الفيدرالية عن حزمة جديدة من التدابير ضمن سياسة “العودة إلى العمل”، التي تهدف إلى معالجة واحدة من أكثر القضايا حساسية في سوق العمل: الإقصاء الطويل الأمد بسبب المرض.
تأتي هذه الخطوة، التي أُعلن عنها عقب إقرار ميزانية عام 2025، في إطار رؤية اجتماعية أوسع تُشرك مختلف الفاعلين الصحيين والاجتماعيين في محاولة لدمج آلاف الأشخاص من جديد في الحياة المهنية، بعد أن أبعدهم المرض أو العجز المؤقت عن ساحات العمل.
وزير الشؤون الاجتماعية والصحة العامة، فرانك فاندنبروك، شدد على أن هذه السياسة ليست مجرد إجراءات متفرقة بل هي خطة شاملة متكاملة.
الهدف منها هو تجاوز النظرة التقليدية للعجز، وتعويض ثقافة الغياب بثقافة الإمكان، بحيث يُعاد تقييم حالة المريض بناءً على ما يستطيع فعله وليس فقط على ما لم يعد بمقدوره إنجازه.
ومن هذا المنطلق، ستتحول عملية الإجازات المرضية إلى مسار أكثر تنظيمًا ومتابعة، مع تعزيز آليات الرقابة على كل من الأطباء وأرباب العمل.
أحد أبرز هذه الإجراءات يتمثل في مراقبة الأطباء الذين يصفون إجازات مرضية طويلة بشكل مفرط. وفي حال برزت أنماط غير اعتيادية، يُطلب من هؤلاء الأطباء تبرير قراراتهم، مع إمكانية فرض عقوبات مالية لاحقة في حال لم يطرأ تغيير على سلوكهم المهني.
هذا التوجه لا يستهدف التشكيك في مهنية الأطباء، وإنما يسعى إلى تحسين معايير تقييم القدرة على العمل وتفادي الغياب غير المبرر الذي قد يثقل كاهل النظام الاجتماعي بأعباء غير ضرورية.
بالتوازي مع ذلك، تُحمّل الخطة أصحاب العمل مسؤولية أكبر، إذ سيتعين عليهم المشاركة في تغطية أول شهرين من الإجازات المرضية، في خطوة من شأنها تعزيز انخراطهم في البحث عن حلول مستدامة لإعادة دمج الموظفين المرضى. هذه المشاركة المالية ليست عقابية، بل محفّزة لتبنّي ممارسات أكثر احتواءً داخل بيئة العمل.
ولتتبع هذه التطورات بدقة، تعكف السلطات على إنشاء قاعدة بيانات وطنية لتسجيل جميع شهادات عدم القدرة على العمل، مما سيمكن من تحليل الأنماط والتدخل في الحالات التي تستدعي اهتمامًا خاصًا.
وتبدأ هذه المنظومة، في مرحلة أولى، برصد الشهادات التي تتجاوز 14 يومًا، على أن تشمل لاحقًا جميع الحالات، حتى تلك التي لا تتعدى يومًا واحدًا.
ومن هنا، تقرر أنه ابتداءً من 1 يوليو 2025، لن يُسمح باستخدام الشهادات الورقية، في إطار السعي نحو رقمنة الإجراءات وتسهيل تدفق المعلومات.
وفي قلب هذا المشروع، تلعب شركات التأمين المتبادل دورًا محوريًا، إذ أصبحت مطالَبة بتفعيل خطط ملموسة لمرافقة المرضى المصابين بأمراض مزمنة نحو العودة إلى العمل.
وستُربط نسبة 15% من نفقات إدارة هذه الشركات بمدى نجاحها في هذا المجال، ابتداءً من العام الجاري وحتى عام 2029. إنها رسالة واضحة بأن الأداء يجب أن يُقاس ليس فقط بالكفاءة الإدارية، وإنما أيضًا بفعالية البرامج الاجتماعية في إعادة الأفراد إلى دورة الحياة الإنتاجية.
يرى فاندنبروك أن الشخص الذي يتمكن من العودة إلى العمل، حتى ولو جزئيًا، سيشعر بتحسن نفسي واجتماعي. لهذا، يؤكد أن هذه التدابير ليست قائمة على الإكراه، بل تسعى إلى منح فرصة جديدة لأولئك الذين تخلّفوا عن الركب لأسباب صحية. التحدي هنا لا يتمثل فقط في السياسات، بل في تغيير العقليات، وتوفير بيئة داعمة تستطيع تحويل التجارب المرضية الصعبة إلى بدايات جديدة.
وكالات
