لماذا قد تعرقل إسرائيل المفاوضات مع حماس وتفتح جبهات إقليمية أخرى
دكتور هشام عوكل استاذ ادارة الازمات والعلاقات الدولية
يمثل الصراع المستمر بين إسرائيل وحماس، والتوترات الإقليمية الأوسع، مشهداً جيوسياسياً معقداً. يطرح سؤال متكرر: لماذا تبدو إسرائيل وكأنها تعرقل المفاوضات الجادة مع حماس بينما تشارك في الوقت نفسه في أعمال عسكرية عبر جبهات متعددة، بما في ذلك لبنان وسوريا والعراق واليمن؟ يتعمق هذا التحليل في الدوافع المحتملة وراء هذه الاستراتيجية متعددة الأوجه.
1. الردع والضرورات الأمنية
تؤطر إسرائيل باستمرار أعمالها العسكرية على أنها ضرورية لأمنها القومي. غالباً ما يُذكر الهدف الأساسي في غزة على أنه التفكيك الكامل للقدرات العسكرية والحكومية لحماس. من هذا المنظور، قد يُنظر إلى أي مفاوضات لا تحقق هذا الهدف بالكامل على أنها تسوية تترك إسرائيل عرضة للخطر. يمكن أن يكون عرقلة المفاوضات تكتيكاً للضغط على حماس لقبول شروط تتوافق بشكل أوثق مع المطالب الأمنية لإسرائيل، مثل الإفراج غير المشروط عن جميع الرهائن ونزع سلاح حماس.
علاوة على ذلك، ترى إسرائيل أن وجود وأنشطة الجماعات المدعومة من إيران – مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات المختلفة في سوريا والعراق، والحوثيين في اليمن – تشكل تهديدات مباشرة. يُنظر إلى هذه الجماعات على أنها وكلاء لإيران، تهدف إلى تطويق إسرائيل وشن هجمات. من خلال إشراك هذه الجبهات، تهدف إسرائيل إلى:
•تقويض القدرات: إضعاف البنية التحتية العسكرية والقدرة التشغيلية لهذه الجماعات، ومنعها من شن هجمات كبيرة ضد إسرائيل.
•تعطيل خطوط الإمداد: اعتراض نقل الأسلحة المتطورة والدعم المالي من إيران إلى وكلائها.
•الحفاظ على الردع: إرسال رسالة واضحة إلى إيران وحلفائها بأن أي عدوان سيقابل برد قوي، وبالتالي ردع الهجمات المستقبلية.
يمكن أن يكون فتح أو تكثيف الإجراءات على هذه الجبهات، حتى أثناء محاولات التفاوض مع حماس، جزءاً من استراتيجية أوسع لإدارة وتقليل التهديدات الإقليمية في وقت واحد. قد يُنظر إلى ذلك على أنه وسيلة لمنع تصعيد متعدد الجبهات بشروط غير مواتية لإسرائيل، أو لتشكيل البيئة الأمنية الإقليمية لصالحها.
2. الاعتبارات السياسية والضغط الداخلي
تلعب السياسة الداخلية الإسرائيلية دوراً مهماً في تشكيل نهجها تجاه الصراع. تواجه الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا سيما تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ضغوطاً داخلية هائلة لتحقيق انتصارات عسكرية حاسمة وضمان عودة الرهائن. غالباً ما يفضل الرأي العام، المتأثر بشدة بهجمات 7 أكتوبر، موقفاً متشدداً ضد حماس والكيانات المعادية الأخرى.
المفاوضات التي تتضمن تنازلات كبيرة لحماس، أو التي لا تضمن القضاء التام على تهديدها، يمكن أن تكون ضارة سياسياً للائتلاف الحاكم. يمكن أن تؤدي اتهامات الضعف أو الفشل في حماية المصالح الوطنية إلى فقدان ثقة الجمهور وربما انهيار الحكومة. لذلك، قد يكون عرقلة المفاوضات المتصورة خطوة سياسية محسوبة للحفاظ على التماسك الداخلي والدعم الشعبي، مع متابعة الأهداف العسكرية التي تلقى صدى لدى الناخبين.
3. الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى وإعادة الاصطفاف الإقليمي
بالإضافة إلى المخاوف الأمنية الفورية، قد تكون تصرفات إسرائيل مدفوعة بأهداف استراتيجية طويلة المدى لإعادة الاصطفاف الإقليمي. لقد كانت فكرة “شرق أوسط جديد” تلعب فيه إسرائيل دوراً أمنياً مهيمناً، ربما إلى جانب الدول العربية التي تشاركها المخاوف بشأن إيران، موضوعاً متكرراً في مناقشات السياسة الخارجية الإسرائيلية. من خلال إضعاف وكلاء إيران وتأكيد التفوق العسكري عبر جبهات مختلفة، قد تهدف إسرائيل إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
قد تتضمن هذه الاستراتيجية:
•عزل إيران: تقليل نفوذ إيران وقدرتها على إبراز قوتها من خلال شبكة وكلائها.
•تعزيز التحالفات الإقليمية: تشجيع التعاون الأمني الأوثق مع الدول العربية التي تعتبر إيران خصماً مشتركاً.
•إعادة تعريف القضية الفلسطينية: تحويل التركيز بعيداً عن حل الدولتين، الذي غالباً ما يُنظر إليه على أنه مطلب أساسي في مفاوضات حماس، نحو ترتيبات بديلة قد تكون أكثر ملاءمة لأمن إسرائيل ومصالحها الإقليمية على المدى الطويل. يمكن أن تكون قضية تهجير الفلسطينيين، كما أبرزتها التقارير الأخيرة، تكتيكاً لتغيير التركيبة السكانية أو خلق حقائق جديدة على الأرض تعقد المفاوضات المستقبلية من أجل اتفاق سلام شامل.
4. استغلال الأزمة لتحقيق ميزة استراتيجية
في بعض التحليلات، يمكن تفسير تصرفات إسرائيل على أنها استغلال للأزمة الحالية لتحقيق أهداف استراتيجية قد يكون من الصعب متابعتها في الظروف العادية. يمكن أن يوفر التركيز على صراع حماس والتوترات الإقليمية اللاحقة غطاءً أو مبرراً لأعمال قد تواجه إدانة دولية أقوى بخلاف ذلك. يمكن أن يشمل ذلك:
•توسيع السيطرة: ترسيخ السيطرة على الأراضي المتنازع عليها أو إنشاء مناطق عازلة جديدة.
•اختبار القدرات: استخدام سيناريوهات العالم الحقيقي لاختبار التقنيات أو المذاهب العسكرية الجديدة ضد خصوم مختلفين.
•تشكيل الخطاب الدولي: التأثير على الروايات العالمية حول الصراع، والتأكيد على التهديد الذي تشكله حماس وإيران، وحشد الدعم الدولي لعملياتها الأمنية.
5. تأثير تهجير الفلسطينيين على المفاوضات
تؤدي قضية تهجير الفلسطينيين، لا سيما في غزة، إلى تعقيد جهود التفاوض بشكل كبير. تشير التقارير إلى أن اقتراحاً إسرائيلياً لإجبار جزء كبير من سكان غزة على التجمع في جيب صغير يلقي بظلاله على محادثات الهدنة. هذا التهجير ليس مجرد أزمة إنسانية؛ بل له تداعيات سياسية عميقة:
•تآكل الثقة: يؤدي التهجير القسري إلى تعميق عدم الثقة بين الأطراف، مما يجعل بناء الثقة اللازمة للمفاوضات الهادفة أكثر صعوبة.
•التغيرات الديموغرافية: إذا أدى التهجير إلى تغييرات دائمة في التركيبة السكانية لغزة، فقد يغير بشكل أساسي شروط أي اتفاق سلام مستقبلي، مما قد يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
•الضغط الإنساني: يمكن استخدام الوضع الإنساني المتردي الناجم عن التهجير كورقة مساومة، ولكنه يخلق أيضاً ضغطاً دولياً هائلاً يمكن أن يجبر على تقديم تنازلات أو تصلب المواقف.
•موقف حماس: من غير المرجح أن توافق حماس، كممثل للشعب الفلسطيني، على أي اتفاق يضفي الشرعية على تهجير سكانها أو يديمه. وهذا يجعل المفاوضات صعبة للغاية، حيث تتناقض تصرفات إسرائيل على الأرض بشكل مباشر مع المطالب الأساسية لحماس.
الخلاصة
إن نهج إسرائيل في المفاوضات مع حماس وانخراطها في جبهات إقليمية متعددة هو استراتيجية متعددة الأوجه مدفوعة بمزيج من الضرورات الأمنية، والاعتبارات السياسية الداخلية، والأهداف الاستراتيجية طويلة المدى. بينما يُقدم الهدف الفوري غالباً على أنه تفكيك حماس وردع وكلاء إيران، فإن التداعيات الأوسع تشمل إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي والتأثير على مستقبل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إن العرقلة المتعمدة للمفاوضات، إلى جانب الإجراءات التي تفاقم الأزمات الإنسانية مثل التهجير، تشير إلى جهد محسوب لتحقيق أهداف تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. إن فهم هذه الدوافع المعقدة أمر بالغ الأهمية لفهم ديناميكيات الشرق الأوسط والتحديات التي تواجه تحقيق سلام دائم.
6. العواقب طويلة المدى: خطر الزوال الذاتي
تثير السياسات العدوانية التي تتبعها إسرائيل، لا سيما تلك التي تنطوي على تجاهل حقوق الإنسان والقانون الدولي، تساؤلات حاسمة حول استدامتها على المدى الطويل وإمكانية زوالها الذاتي. فبينما قد تحقق هذه الإجراءات مزايا استراتيجية قصيرة المدى أو تلبي ضغوطاً سياسية داخلية، تشير السوابق التاريخية والتحليلات المعاصرة إلى أن تحدي الدولة المستمر للمعايير الدولية يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة ومدمرة في نهاية المطاف.
تآكل الشرعية والدعم الدوليين
لقد أثارت تصرفات إسرائيل، لا سيما في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، إدانة واسعة النطاق من الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والعديد من الدول. وتسلط التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وخبراء مستقلين آخرين الضوء باستمرار على “تجاهل إسرائيل غير المسبوق لحقوق الإنسان” [1] والانتهاكات المنهجية للقانون الدولي [2]. كما أصدرت محكمة العدل الدولية (ICJ) آراء استشارية وتدابير مؤقتة، مؤكدة التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي [3].
يمكن أن يؤدي هذا التجاهل المستمر للأطر القانونية الدولية إلى تآكل كبير في الشرعية الدولية لإسرائيل. فبينما تتمتع حالياً بدعم قوي من حلفاء رئيسيين، لا سيما الولايات المتحدة، فإن هذا الدعم ليس ثابتاً. يمكن أن يؤدي تزايد الرأي العام العالمي، إلى جانب تزايد الضغط من المؤسسات الدولية، في نهاية المطاف إلى:
•العزلة الدبلوماسية: تقليل العلاقات الدبلوماسية، وسحب السفراء، وتناقص التعاون من الدول التي تجد تصرفات إسرائيل غير مقبولة بشكل متزايد.
•العقوبات الاقتصادية: على الرغم من مقاومة القوى الكبرى لها حالياً، فإن استمرار نمط الانتهاكات يمكن أن يؤدي في النهاية إلى فرض عقوبات اقتصادية أوسع نطاقاً، مما يؤثر على اقتصاد إسرائيل وقدرتها على الحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي.
•المساءلة القانونية: زيادة الجهود لمساءلة المسؤولين الإسرائيليين في المحاكم الدولية عن جرائم الحرب المزعومة والجرائم ضد الإنسانية، مما قد يؤدي إلى أوامر اعتقال وقيود على السفر.
الإجهاد المجتمعي الداخلي والتدهور الأخلاقي
يمكن أن تلحق الصراعات العدوانية والمطولة، لا سيما تلك التي تنطوي على تنازلات أخلاقية متصورة، أضراراً عميقة ودائمة بالمجتمع المعتدي نفسه. يمكن أن تظهر العواقب النفسية والأخلاقية للحرب المستمرة والاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان بطرق مختلفة:
•زيادة العسكرة: يميل المجتمع الذي يخوض حرباً مستمرة إلى أن يصبح أكثر عسكرة، مع تغلغل القيم العسكرية في الحياة المدنية، مما قد يخنق الخطاب الديمقراطي والحريات المدنية.
•التآكل الأخلاقي: يمكن أن يؤدي تطبيع العنف وتجاهل معاناة الآخرين إلى فقدان الحساسية داخل المجتمع، مما يؤدي إلى تآكل نسيجه الأخلاقي وتماسكه الداخلي.
•الصدمة النفسية: يمكن أن يعاني الجنود والمدنيون على حد سواء من صدمة نفسية طويلة الأمد، مما يؤدي إلى زيادة معدلات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والعدوان ومشاكل الصحة العقلية داخل السكان [4].
•الانقسام المجتمعي: يمكن أن تؤدي الخلافات حول أخلاقية وفعالية السياسات العدوانية إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الاجتماعية.
زعزعة الاستقرار الإقليمي والصراع الدائم
قد تؤدي استراتيجية إسرائيل المتمثلة في فتح جبهات متعددة والحفاظ على حالة صراع دائم، بينما تهدف إلى تأمين حدودها، إلى زيادة عدم الاستقرار الإقليمي ودورة لا نهاية لها من العنف. فالنهج الحالي، الذي يسعى إلى تفكيك الخصوم بدلاً من الانخراط في حلول سياسية حقيقية، يخاطر بخلق فراغ يمكن أن تملأه عناصر أكثر تطرفاً.
تشير الأمثلة التاريخية إلى أن الدول التي تعتمد فقط على القوة العسكرية وتتجاهل مظالم السكان المحتلين أو المضطهدين غالباً ما تواجه مقاومة طويلة الأمد وتدهوراً في نهاية المطاف. فالسعي لتحقيق الأمن من خلال القوة الساحقة دون معالجة القضايا السياسية والإنسانية الأساسية يمكن أن يولد الاستياء، ويغذي التطرف، ويؤدي إلى حالة مستمرة من الاستنزاف.
مسألة “الزوال”
يمكن تفسير مصطلح “الزوال” بطرق مختلفة. فهو لا يعني بالضرورة التدمير المادي لدولة إسرائيل، بل يعني تدهوراً كبيراً في مكانتها وقدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية طويلة المدى. فالدولة التي تعاني من عزلة متزايدة، وتواجه ضغوطاً اقتصادية شديدة، وتجرب إجهاداً مجتمعياً داخلياً بسبب سياساتها، يمكن اعتبارها على طريق نحو شكل من أشكال الزوال.
وبينما تمتلك إسرائيل قدرات عسكرية هائلة وتحالفات قوية، فإن جدوى نهجها الحالي على المدى الطويل أصبحت موضع تساؤل متزايد من قبل المحللين. فالتجاهل المستمر للقانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى جانب تفاقم التوترات الإقليمية، يمكن أن يؤدي إلى مستقبل تجد فيه إسرائيل نفسها في حالة صراع دائم، ومعزولة على الساحة العالمية، وتواجه تحديات داخلية عميقة تهدد أسسها الديمقراطية والمجتمعية.
المراجع
[1] مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. (2025، 26 فبراير). إسرائيل أظهرت “تجاهلاً غير مسبوق لحقوق الإنسان” في غزة – مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. تم الاسترجاع من https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-has-shown-unprecedented-disregard-human-rights-gaza-un-human-rights-chief-2025-02-26/
[2] خبراء الأمم المتحدة. (2024، 31 ديسمبر). خبراء الأمم المتحدة يقولون إن إسرائيل انتهكت القانون الدولي بشكل منهجي. تم الاسترجاع من https://www.jurist.org/news/2024/12/un-experts-condemn-israels-systematic-assault-on-international-law/
[3] محكمة العدل الدولية. (2024، 19 يوليو). النتائج القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية. تم الاسترجاع من https://www.icj-cij.org/case/186
[4] ScienceDirect. (بدون تاريخ). عواقب الإجهاد الناتج عن الصراع على الأطفال الفلسطينيين. تم الاسترجاع من
