نوار الصمد
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تُعقد القمة القادمة بين الاتحاد الأوروبي والصين في 24 يوليو 2025 وسط أجواء مشدودة ومليئة بالخلافات. حيث تحوّل الإعداد للذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية بين الطرفين إلى محطة توتر بدلاً من مناسبة للتقارب. وتصاعدت حدة المواجهة بين الطرفين بفعل تباينات عميقة حول التجارة، وحقوق السوق، ودور الصين في دعم روسيا في الحرب مع أوكرانيا. وبينما تتمسك أوروبا بمبدأ المعاملة بالمثل، ترد بكين بإجراءات اقتصادية مضادة.
إجراءات تصعيدية
تصاعدت مؤخراࣧ حزمة من الإجراءات الصينية للضغط المباشر على الاتحاد الأوروبي:
1- تصعيد متدرج في القيود التجارية: اتخذت الصين خلال يوليو 2025 سلسلة خطوات تصعيدية ضد المصالح التجارية الأوروبية، تمثلت أبرزها في فرض رسوم جمركية بلغت 32.2% على واردات الكونياك الأوروبي، لا سيما الفرنسي. ورغم أن بكين خففت وقع القرار من خلال إعفاء بعض الشركات إلا أن الطابع الانتقائي لهذا الإجراء كشف عن قدرة بكين على الضغط على الاتحاد الأوروبي.
وفي قطاع المعدات الطبية، أعلنت الصين استبعاد الشركات الأوروبية غير المقيمة في الصين من المناقصات الحكومية الكبرى التي تتخطى 45 مليون يوان، في خطوة اعتُبرت رداً على قرارات أوروبية مشابهة اتُّخذت في يونيو بحق شركات صينية. هذه القرارات أوضحت أن بكين مستعدة لاستخدام أدواتها الاقتصادية بشكل مباشر للضغط على بروكسل، متجاهلة الدعوات الأوروبية حول الانفتاح المتوازن. ولم يترجم التصعيد الصيني في هذا السياق فقط عبر الضرائب والقيود، بل امتد إلى تمديد تحقيقات مضادة في بعض الملفات مثل ملف استيراد لحوم الخنزير الأوروبية.
2- استمرار الدعم الصيني لروسيا: أحد أكثر مؤشرات التصعيد الصيني حدّة في يوليو 2025 تمثّل في تأكيد وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظرائه الأوروبيين في بروكسل أن بكين لا يمكنها القبول بهزيمة موسكو في أوكرانيا، وذلك بسبب ما سينتجه ذلك من تحوّل استراتيجي في تركيز واشنطن نحو الصين. هذا التصريح غير المسبوق، كما وصفته مصادر أوروبية، وضع العلاقة بين بروكسل وبكين على مفترق أمني خطير، إذ يُعتبر دعم الصين لروسيا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تجاوزاً واضحاً للخطوط الأوروبية الحمراء. كما رأى الأوروبيون في هذا الموقف نوعاً من التهديد الضمني لجهودهم في تحقيق تسوية للصراع على حدودهم. وقد تزامن هذا التصعيد الدبلوماسي مع اتهامات أوروبية متجددة للصين بتوريد معدات مزدوجة الاستخدام لاستعمالها في الصناعات العسكرية الروسية، ما يعمّق الفجوة السياسية بين الطرفين.
3- استخدام ملف التغير المناخي: رغم توتر العلاقات، لم تتخلَّ الصين عن استخدام الملفات التوافقية مثل التغير المناخي كورقة ضغط ناعمة تجاه الأوروبيين. وقد سعت بكين، مع اقتراب القمة الثنائية، إلى الدفع باتجاه إعلان مشترك حول المناخ، محاولة بذلك خلق مساحة تفاهم تشكل نقطة تفاضل أمام الانقسامات الغربية. غير أن هذا المسعى ترافق مع رفض صيني قاطع لمناقشة قضية القدرات الانتاجية الصينية الفائضة المدعومة، لا سيما في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية، حيث تتهم بروكسل بكين بإغراق الأسواق بمنتجات مدعومة على حساب الصناعات الأوروبية.
4- الاعتماد على التجارة الانتقائية مع الدول الأوروبية: شهدت صادرات الصين إلى السوق الأوروبية ارتفاعاࣧ ملحوظاࣧ خلال ربيع 2025، في وقت تراجعت فيه بشكل حاد نحو الولايات المتحدة، مما يسلّط الضوء على التحوّل في أولويات بكين التجارية باتجاه القارة الأوروبية. لكن هذا النمو لم يكن موزعاً بشكل متوازن داخل الاتحاد، إذ حصدت دول كفرنسا وألمانيا نسباً مرتفعة من التدفقات الصينية، بينما كانت الزيادات هامشية في دول أخرى مثل إيطاليا وهولندا. ويُفسَّر هذا التفاوت بأنه نتيجة لسياسة انتقائية تعتمدها بكين تجاه الشركاء الأوروبيين، تمنح بموجبها امتيازات تجارية للعواصم التي تُظهر مرونة أكبر تجاهها. وهذا التفاوت يغذي، بحسب بعض الآراء الأوروبية، قدرة بكين على استمالة بعض العواصم اقتصادياً على حساب الموقف الموحد للاتحاد.
5- تحذيرات صينية من “القطيعة’: بجانب الإجراءات الاقتصادية، مارست الصين في يوليو 2025 تصعيداً رمزياً لافتاً حين قررت تقليص القمة الثنائية مع الاتحاد الأوروبي من يومين إلى يوم واحد، رافضة استضافة الوفد الأوروبي في مدينة هيفاي Hefei، معقل تقنيات الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية. هذه الرسالة حملت أبعاداً رمزية تتجاوز تنظيم القمة، لتؤكد أن الصين غير مستعدة لتقديم تنازلات دون مقابل. بالتوازي مع ذلك، وجّه وزير الخارجية وانغ يي تحذيراً صريحاً إلى نظيرته الأوروبية كايا كالاس من مغبة السعي إلى “مواجهة” مع الصين، محذراً من عواقب وخيمة إذا استمرت بروكسل في تبني نهج عدائي. وجاء هذا التصعيد اللفظي في وقت تُتهم فيه الصين بتنفيذ هجمات سيبرانية على بنى تحتية أوروبية.
6- توظيف المعادن النادرة كسلاح استراتيجي: لجأت الصين مؤخراً إلى تصعيد نوعي تمثل في تقييد صادراتها من المعادن الأرضية النادرة، وهي مواد تدخل في الصناعات الأوروبية المتقدمة مثل السيارات الكهربائية والتوربينات وأشباه الموصلات. وقد جاءت هذه الخطوة في سياق الرد على الرسوم الأوروبية المفروضة على المنتجات الصينية المدعومة. ورغم أن بكين لم تعلن صراحة أنها تستهدف أوروبا، فإن خطر توقف مصانع أوروبية بسبب نقص هذه المواد أظهر حجم الاعتماد الحرج على الإمداد الصيني.
هذا التصعيد أربك خطط التحول البيئي الأوروبية، التي تحتاج بشدة إلى هذه المعادن لتطوير السيارات الكهربائية والبنية التحتية للطاقة النظيفة. كما أدى إلى تحفيز دعوات داخلية أوروبية لتسريع تنويع مصادر التوريد، من أفريقيا وأمريكا اللاتينية تحديداࣧ وخفض التبعية للصين فيما يخص هذه المعادن بنسبة 65% بحلول 2030. ويعد استخدام بكين لهذا السلاح بمثابة تذكير بأن المعركة الجيو-اقتصادية بين الطرفين لا تقل خطورة عن الخلافات السياسية.
أدوات أوروبا
في مواجهة هذا التصعيد، باستطاعة الاتحاد الأوروبي اللجوء الى سلسلة من الأدوات الاستراتيجية لتفادي الانزلاق نحو مواجهة شاملة مع بكين:
1- اعتماد استراتيجية خفض المخاطر دون قطيعة شاملة: أمام التصعيد الصيني المتنامي، تبنّى الاتحاد الأوروبي سياسة استراتيجية تُعرف بـخفض المخاطر De-risking، كبديل عملي عن خيار فك الارتباط Decoupling مع الصين. وتهدف هذه المقاربة إلى تقليص تبعية أوروبا لبكين في المجالات الحيوية كالمعادن النادرة، سلاسل الإمداد التكنولوجية، والمكونات الصناعية، من دون إغلاق قنوات التعاون في ملفات المناخ والتجارة. وقد شددت أورسولا فون دير لاين في خطاب أمام البرلمان الأوروبي في 8 يوليو 2025 على أن هذه السياسة لا تُعادي الصين ولكنها تسعى لحماية الاستقلال الاقتصادي الأوروبي في مواجهة نموذج اقتصادي صيني قائم على دعم الدولة وتضخيم فائض التصدير.
2- استخدام أدوات تشريعية جديدة لحماية السوق الأوروبية: رداࣧ على الممارسات التجارية التي تمارسها الصين، أطلق الاتحاد الأوروبي حزمة من الأدوات القانونية لمواجهة الإغراق والدعم الموجه من بكين، أبرزها تفعيل “أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي”، واستبعاد الشركات الصينية من المناقصات العامة في بعض القطاعات الحساسة كالمعدات الطبية كما حصل في 20 يونيو 2025.
3- الدبلوماسية المباشرة لتفادي القطيعة: رغم التوترات، لم تغلق أوروبا الباب أمام التواصل المباشر مع القيادة الصينية، بل راهنت على القنوات الدبلوماسية رفيعة المستوى كأداة أساسية لتفادي القطيعة. ويظهر ذلك من خلال قرار رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا التوجّه شخصياࣧ إلى بكين للمشاركة في قمة 24 يوليو، رغم التصعيد المتبادل، ورغم أنه كان من المقرر أن تعقد هذه القمة في أوروبا ولكن الرئيس الصيني شي جين بينغ لم يكن ينوي الانتقال الى أوروبا لذلك قرر الأوروبيون الذهاب الى بكين للقاء الرئيس الصيني بأنفسهم.
وتعتبر بروكسل أن التواصل المباشر مع الرئيس الصيني بات ضرورة استراتيجية، نظراࣧ إلى مركزية القرار في النظام الصيني. كما أن زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي للعواصم الأوروبية من 30 يونيو الى 5 يوليو قوبلت بجفاء رسمي، لكنها لم تُقاطع، في محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
4- ربط السوق الأوروبية بمعايير صارمة لإعادة التوازن: قدَّر العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين بنحو 357 مليار دولار في عام 2024 (305 مليار يورو تقريباً)، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً تحاول بروكسل معالجته عبر ربط دخول المنتجات الصينية إلى السوق الأوروبية بمجموعة من الشروط الصارمة. وأحد أبرز أسلحة أوروبا لضبط العلاقة مع بكين يتمثل في استخدامها الذكي لوزن السوق الأوروبية التي تضم أكثر من 450 مليون مستهلك.
فقد بدأت بروكسل بفرض شروط صارمة على دخول المنتجات الصينية، لا سيما السيارات الكهربائية، بحيث يُشترط أن يكون جزء من الإنتاج ومكوّناته سيتم داخل أوروبا، وليس فقط البيع. ويهدف هذا الإجراء إلى فرض معادلة متوازنة قوامها السوق مقابل التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا. كما يجري العمل على اشتراطات نقل التكنولوجيا في قطاعات استراتيجية مثل البطاريات والطاقة النظيفة. وبهذا، يسعى الاتحاد إلى تحويل الاعتماد التجاري إلى أداة ضغط إيجابية تُجبِر الشركات الصينية على الامتثال للمعايير الأوروبية.
5- تشديد الرقابة الرقمية داخل أوروبا: في خطوة تعكس تصعيداࣧ مضاداࣧ غير تقليدي، فتحت الهيئة الأوروبية لحماية البيانات، عبر ذراعها الإيرلندية، تحقيقاࣧ جديداࣧ ضد منصة “تيك توك” في 10 يوليو 2025، على خلفية تخزين بيانات مستخدمين أوروبيين على خوادم صينية، في مخالفة محتملة للائحة حماية البيانات العامة الأوروبية. هذه القضية لا تتعلق فقط بالخصوصية الرقمية، بل تُفهم في بروكسل ضمن سياق أوسع يتعلق بالأمن القومي ومخاطر النفوذ السيبراني الصيني داخل المجتمعات الأوروبية. فالاتحاد الأوروبي، في ظل تنامي الهواجس من تدخلات رقمية غير معلنة، يسعى لفرض قواعد صارمة على المنصات المملوكة لكيانات صينية، لا سيما تلك المتهمة بإمكانية التعاون مع السلطات في بكين. وقد باتت “تيك توك” رمزاࣧ لنقاش أوروبي واسع حول “الاستقلال السيبراني”، إذ ترى بروكسل أن حماية البيانات ليست فقط حقاࣧ فردياࣧ، بل أداة جيوسياسية في وجه بكين.
6- الموازنة بين الصين وواشنطن كخيار استراتيجي: أمام ضغوط الصين من جهة، وتصعيد دونالد ترامب من جهة أخرى، تعتمد أوروبا وفق نائب الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية لشؤون الرخاء والاستراتيجية الصناعية ستيفان سيجورني (وزير الخارجية الفرنسي السابق) على “عقيدة التوازن المزدوج”. هذه العقيدة تدعو إلى الحفاظ على انفتاح مدروس على الصين، دون الخضوع لها، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى الحد من التبعية الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة. فبين التصعيد الأميركي على صعيد الرسوم الجمركية، والتصعيد الصيني في ملف المواد النادرة، تجد أوروبا نفسها مضطرة لبناء سياسة استقلالية تجمع بين التعاون والردع. ومن هذا المنطلق، تسعى بروكسل إلى تنويع شركائها في آسيا كالهند وإندونيسيا والاعتماد على تحالفات تقنية وتجارية جديدة، في إطار استباقي يضمن مرونة التفاوض دون التورط في تبعية أحادية لأي قوة عظمى.
ختاماً، تكشف التطورات التي حدثت في يوليو 2025 أن العلاقة بين الصين والاتحاد الأوروبي دخلت مرحلة اختبار حقيقي، يتجاوز مجرد الخلافات التجارية إلى صراع عميق على النفوذ والاعتماد الاستراتيجي. وبينما تستخدم بكين أدوات ضغط اقتصادية وتقنية لتقوية موقعها، تحاول أوروبا الرد بسياسات سيادية متدرجة، دون أن تقطع خيوط التعاون. لكن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناࣧ بقدرة الاتحاد الأوروبي على تبني مواقف موحدة. وفي المقابل، تراهن الصين على الأداة الاقتصادية في تأسيس علاقات مع بعض الدول الأوروبية على أسس تخدم مصالحها. وفي هذا السياق المعقد، تصبح كل خطوة تفاوضية محكومة بتوازن دقيق بين الحزم والانفتاح.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
